أفرز التطور الحاصل في التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وتعلم الآلة وإنترنت الأشياء والهندسة الجيولوجية وغيرها من مظاهر العصر الرقمي حزمة جديدة من التعاملات ليس بين البشر فقط وإنما بين البشر والآلة من جهة وبين الآلات من جهة أخرى كالتخاطب بين السيارات ذاتية القيادة أو بيوت العطلات من خلال منصات تأجير المساكن الخاصة لأصحاب العطلات أو قيادة السيارات من خلال منصات تأجير سيارات أو إصدار النقود الرقمية والتعامل بها من خلال منصات رقمية أو استخدام الروبوتات في المطاعم أو لخدمة العملاء.
هذه التعاملات الجديدة لا تتم فقط ضمن نظام قانوني واحد في الدولة وأنما يمكن أن تتم عبر أنظمة قانونية مختلفة في عدة دول على نحو في حالة قيام خلاف أو وقوع ضرر قد يصعب فيه تحديد المسؤول عن الخطاء وكيفية جبر هذا الخطاء.
كثيراً ما يوجه اللوم إلى الأنظمة التشريعية في مختلف دول العالم بأنها بطيئة أو غير قادرة على متابعة هذا التطور السريع والمستمر وأن الفجوة بين التشريعات والابتكارات التقنية والأساليب الجديدة في ممارسة الأعمال مستمرة في الاتساع وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى وجود تعاملات من دون تشريع ينظمها ويحمي حقوق المتعاملين بها.
هذا الواقع الجديد يتطلب تضافر جميع الجهود الوطنية والدولية لوضع إطار تشريعي دولي لعمل ونمو هذا التقنيات، على أن تتم مراجعة هذا الإطار بشكل دوري لضمان عدم وقف جهود البحث والتطوير.
وجود هذا الإطار الدولي من شأنه أن يضمن عدم فقدان السيطرة يوماً ما على الآلة أو على أخلاقيات العمل والتعامل ويحول دون إساءة استخدام هذه التقنيات.
على المستوى الوطني يتطلب الأمر وجود تشريع أو مدونة سلوك أو دليل استرشادي لتنظيم هذه التعاملات والتطبيقات الجديدة وأن لا يترك الأمر للقطاع الخاص من دون إشراف حكومي.
مما لا شك فيه بأن إصدار تشريع لتنظيم هذه التعاملات أو التطبيقات الجديدة من شأنه أن يعطي الدولة التي تشرع صفة تنافسية أكبر في ممارسة الأعمال وقدرة أكبر على جذب الاستثمارات والسياحة ونقل وتطوير التقنيات المستخدمة.
فليس صحيحا القول بأن التشريع قد يوقف التطور التقني أو يعطل نموه ولكن التشريع الصحيح قد يؤخر إطلاق هذه الخدمات الجديدة فترة من الزمن لحين استيفاء جميع المتطلبات اللازمة لضمان سلامة الاستخدام.
(يتبع الأسبوع القادم)

* مطر النيادي
مستشار في القانون الدولي العام