كان الشابّ «نيد لود» متدرباً نشيطاً وواعداً في أحد معامل النسيج في إنجلترا، لكن نوبة إحباط مفاجئة حوّلته إلى كائن تدميري، فراح يحطم أنوال النسيج في المعمل الذي يشتغل فيه، لينتهي به المطاف خلف قضبان السجن. 
حدث ذلك في العام 1779، حين بدأت أولى نسائم الثورة الصناعية تحرك مياه المفاهيم الراكدة، وتنشر حالة من الغموض المشوب بالخوف لدى قطاعات واسعة من المجتمع. 
في السنوات التالية لتلك الحادثة، تصاعدت رياح التغيير لتطيح بالكثير من نماذج العمل القديمة. فاجتاحت الآلات الحديثة قطاع الغزل والنسيج، دافعة آلاف العمال الناقمين إلى حرق المصانع وتحطيم المرافق العامة في العديد من مدن إنجلترا، حيث انتشرت ظاهرة أطلق عليها اسم «حركة اللوديين»، أي أولئك العمال الذين ساروا على خطى رفيقهم السابق «نيد لود». 
بالنتيجة انتهى المطاف بالمحتجين، إما إلى السجن أو النفي، أو حتى الإعدام، بينما واصلت عجلة التطور الصناعي تقدمها. 
ومع تلاحق الأحداث وتسارعها، صعد إلى مسرح التحولات جيل جديد يتمثل في أبناء أولئك العمال الناقمين أنفسهم، فكان من ذلك الجيل المهندسون والفنيون والخبراء الذين قادوا الثورة الصناعية، وانتقلوا بأوطانهم إلى آفاق غير مسبوقة من التطور الاقتصادي والتنمية والرفاهية التي ما زالت تلك الدول ترفل في نعيمها حتى يومنا هذا.
حتى يومنا هذا، ثمة «لوديون» يظهرون في كل الأوقات، لكن حضورهم يكتسب قوة أكبر في المنعطفات التاريخية المصيرية، كالتي نعيشها في عالم اليوم. مهمة هؤلاء بسيطة وواضحة: التشبث بما فات، والتخويف مما هو آت. 
هؤلاء يعيشون في الماضي ولا يريدون مغادرته. وهم لا ينتمون إلى مجتمع بعينه، بل هم موجودون في كل العالم. وقبل شهور قليلة قامت مجاميع منهم بإحراق أبراج اتصالات الجيل الخامس في بعض المدن البريطانية، اعتقاداً منهم أن تلك الأبراج هي المسؤولة عن مصائب العالم، بما فيها انتشار وباء كوفيد- 19. 
ومن هؤلاء نماذج عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث توجد فيديوهات ومقالات لا ترى من التحولات الرقمية التي يشهدها العالم سوى الوجه القاتم. فالروبوتات ستقتلنا، والبيانات ستكشفنا، والذكاء الاصطناعي سيحيلنا إلى البطالة وهكذا. 
من الطبيعي أن يهاب أحدنا المجهول، فالإنسان بطبعه لا يحبّ الغموض، ويأنس ما اعتاد عليه من أساليب وأنماط حياة وعمل. لكننا اليوم، ونحن نقف على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة، لدينا مخزون كبير من التجارب الإنسانية التي تنبئنا بأن رهبة المجهول ليس بالضرورة أن تكون عامل إحباط، إذ يمكن أيضاً أن تكون قوة دفع هائلة للوصول إلى آفاق جديدة من الارتقاء والريادة والتطور.