«نحن نتعلم الآن من الجائحة كيف يمكن العمل من المنزل»
 هوبرتوس هايل، وزير العمل الألماني

 حسناً، عادت معظم القطاعات في العالم للعمل، رغم المخاوف التي لا تزال حاضرة على الساحة من موجة ثانية لوباء «كورونا» المستجد، يرى البعض أنها ستكون أقوى. مع هذه العودة تتصدر «جدلية» لم تكن مطروحة قبل الجائحة، ترتبط بمسألة العمل من المنزل، أم من المكتب، ولاسيما بعد أن ثبت لقطاعات واسعة، ضمن الأداء الاقتصادي، أن العمل من المنزل لم يكن سيئاً، كما تصور البعض في البداية، بل كان أكثر إنتاجية في مجالات عديدة. حتى أن وزارة العمل الألمانية تعتزم طرح مشروع قانون لجعل العمل المنزلي حقاً للعاملين، بما في ذلك جعله يغطي الأسبوع بأكمله. لنضع جانباً رفض أرباب العمل الألمان لمثل هذا المشروع مبدئياً. فالتحولات في هذا الميدان تقترب من ترجيح الكفة لصالح أداء الأعمال من المنازل في غالبية البلدان. 
 التجربة أثبتت، أن تداعيات «كورونا» الاقتصادية دفعت بالشركات والمؤسسات إلى اعتماد العمل المنزلي، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار التطور الهائل في التكنولوجيا التي توفرها شبكة الإنترنت. وهذا ما يفسر (مثلاً) عدم اقتراب الأزمة التي أوجدها الوباء من شركات التكنولوجيا، بل شهدت هذه الأخيرة نمواً كبيراً في عز الاضطراب الاقتصادي العالمي. في مسح أجرته شبكة التواصل المهني العالمية «لينكد إن»، جاءت النتائج بصورة لم تكن بالحسبان. فقطاعات مثل البرمجة وهندسة المعلومات والتمويل والمصارف والإعلام وحتى الإدارة العامة، تمكن العاملون فيها من منازلهم من تحقيق نتائج جيدة. وتخطت مستويات الرضى في جميعها حاجز الـ 80%. حتى أن شركة مثل «تويتر» ستكون الأولى في العالم التي ستسمح لموظفيها بالعمل من المنازل بصورة دائمة، بعد الخلاص من الجائحة. 
 اللافت أيضاً، توقع 82% من المديرين أن سياسات العمل من المنزل توفر لهم مرونة أكثر في أعقاب الجائحة، بينما عبر 71% من هؤلاء عن رغبتهم في مواصلة العمل المنزلي بدوام جزئي على الأقل. هذه التحولات التي لم يتوقعها أحد، دفعت 80% من قيادات الشركات في العالم، إلى تسريع خطط التوسع الرقمي، ليس فقط لتعزيز ارتباطها بموظفيها عن بُعد، بل للتعامل مع زبائنها عبر الإنترنت. أي أن الأمور تمضي قدماً نحو تقليل العمل من المكاتب التقليدية في المرحلة المقبلة، ما أوجد في الواقع مشكلة كبيرة في قطاع العقارات المكتبية حول العالم. ووفق آخر الأرقام في هذا المجال، تعتزم الشركات تقليص مساحاتها المكتبية، في حين أن نسبة منها قررت عدم تجديد عقود الإيجارات. 
بصرف النظر عن المعارك المستقبلية مع أرباب العمل على هذه «الجبهة» الجديدة، خصوصاً على صعيد القوانين التي تجبرهم على توفير العمل من المنازل، فقد غيّر العمل عن بُعد ثقافة الأعمال بصورة كبيرة، حتى أنه وسع دائرة المواهب، وهذا أمر تحتاج إليه كل شركة تريد أن تستفيد من تحولات لم يتوقعها أحد.