أبوظبي (الاتحاد)

منذ أولى مراحل إطلاق البرنامج النووي السلمي الإماراتي، وجهت القيادة الرشيدة بضرورة الاهتمام بتطوير أهم ركائز نجاح البرنامج، المتمثلة في الكفاءات الإماراتية، والتي ستتولى قيادة هذا البرنامج، وإدارة وتشغيل محطات براكة للطاقة النووية السلمية الجاري تطويرها في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، لأكثر من 60 عاماً مقبلة هي العمر التشغيلي للمحطات، وهو ما انعكس منذ البداية، بوصول نسبة التوطين في مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، والشركات التابعة لها، إلى 60% من مجموع الموظفين البالغ عددهم ثلاثة آلاف موظف.
وفي إطار هذه التوجيهات، أولت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية جل اهتمامها لتوفير كافة الفرص التعليمية والتدريبية، من أجل تطوير جيل جديد من الكفاءات الإماراتية، وتمكينها من المعارف والخبرات اللازمة في هذا القطاع الجديد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وضمان استدامة دورها القيادي لهذا القطاع الحيوي، الذي يُعد محركاً للنمو الاقتصادي والاجتماعي والعلمي في الدولة.
وخلال مرحلة الإنشاءات في محطات براكة، برز الدور القيادي المهم للكفاءات الإماراتية، مع مساهمة أكثر من 120 مهندساً إماراتياً في هذه العمليات، توزعوا على مختلف التخصصات، وأظهروا مستوى متقدماً في كفاءة الأداء، وضمان سير العمليات الإنشائية وفق أعلى مواصفات السلامة والجودة.
وبعد توقيع اتفاقية الائتلاف المشترك في العام 2016، بين مؤسسة الإمارات للطاقة النووية والشركة الكورية للطاقة الكهربائية «كيبكو»، المقاول الرئيسي لمشروع محطات براكة، وتأسيس شركتين تابعتين للائتلاف؛ شركة «نواة» للطاقة المسؤولة عن تشغيل وصيانة المحطات، وشركة براكة الأولى المسؤولة عن الشؤون المالية والتجارية، نجحت المؤسسة و«نواة» في الاستفادة من 40 عاماً من الخبرات الكورية في تشييد وتشغيل محطات الطاقة النووية، وتمكين الكفاءات الإماراتية من تطوير مهاراتها، وفق آخر ما توصلت إليه تقنيات الطاقة النووية.

وفي العام 2009، وحتى قبل بدء العمليات الإنشائية في المحطة الأولى في براكة، أطلقت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية برنامج «رواد الطاقة»، الذي وفر المئات من المنح الدراسية للطلبة الإماراتيين في تخصصات تصب في قطاع الطاقة النووية، ونجحت بالفعل في التغلب على هذا التحدي وتحويله إلى فرصة كبيرة أتت بنتائج في غاية الأهمية، حيث استفاد من منح هذا البرنامج أكثر من 500 طالب وطالبة من مواطني الدولة، تخرج منهم نحو 380، بينما لا يزال 125 منهم على مقاعد الدراسة.

  • كفاءات إماراتية خلال التدريب  على العمليات التشغيلية  في مركز المحاكاة (من المصدر)
    كفاءات إماراتية خلال التدريب على العمليات التشغيلية في مركز المحاكاة (من المصدر)

تطوير المناهج
وبالتزامن مع ذلك، عقدت المؤسسة العديد من الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية المحلية، لضمان تطوير المناهج التي تغذي قطاع الطاقة النووية، حيث ساهمت المؤسسة في إطلاق مركز الإمارات للطاقة النووية في جامعة خليفة؛ أول المراكز البحثية الأكاديمية في الدولة، والذي يتضمن مركزاً للابتكار في هذا المجال، فضلاً عن رعاية قاعة تدريس افتراضية في الجامعة نفسها، تمكن الطلبة من مواصلة التعليم، إلى جانب العمل في موقع محطات براكة، بالإضافة إلى التنسيق المتواصل مع معهد بوليتكنيك أبوظبي.
وفي موازاة ذلك، عملت المؤسسة و«نواة» على تطوير برامج تدريبية متقدمة، تتراوح مدتها ما بين ثلاث وسبع سنوات، لإكساب الكفاءات الإماراتية الخبرات اللازمة، سواء في المؤسسات الأكاديمية، أو محطات الطاقة النووية حول العالم. وتمت هذه البرامج بإشراف الهيئة الاتحادية للرقابة النووية.
وحتى اليوم، نجح 30 من الكفاءات الإماراتية، بينهم ثلاث فتيات، في الحصول على ترخيص الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، كمديري تشغيل ومشغلي مفاعلات نووية للمرة الأولى في تاريخ الدولة، بينما تم اعتماد 28 إماراتياً، كمشغلين ميدانيين للمفاعلات، والذين قاموا بدور مهم للغاية في إتمام عملية تحميل حزم الوقود النووي في مفاعل المحطة الأولى في مارس 2020، وفق أعلى المعايير العالمية الخاصة بالسلامة والأمان والجودة والشفافية.
وسيتولى الفريق الإماراتي، المكون من المهندسين والفنيين المؤهلين، قيادة مرحلة التشغيل والصيانة لأولى محطات براكة للطاقة النووية السلمية، وما سيليها من المحطات، إلى جانب الخبرات العالمية العاملة في المشروع.
وأظهر مديرو ومشغلو المفاعلات النووية الإماراتيون مستوى عالٍ جداً من التفاني والالتزام والكفاءة طيلة الفترتين، الماضية والحالية، وهم يعملون بجد داخل غرفة التحكم الرئيسية في مفاعل المحطة الأولى، أو خلال البرامج التدريبية المتواصلة في مركز المحاكاة.

فترة قياسية
المهندس علي النعيمي، مدير تشغيل المفاعل في شركة «نواة» للطاقة، يقول في هذا الصدد: «بالتأكيد، كلنا فخر بأن نرى الكفاءات الإماراتية تعمل، جنباً إلى جنب، مع الخبرات العالمية التي تحمل في جعبتها عقوداً طويلة من الخبرة في تشغيل المفاعلات، حيث تمكنا وفي فترة قياسية من مضاهاة هذه الخبرات، نتيجة التفاني والجد، مدفوعين بتشجيع إدارتي مؤسسة الإمارات للطاقة النووية وشركة نواة». وأضاف النعيمي: «كان المحفز الأول لنا حقيقةً، هو ذلك الاهتمام والرعاية الكبيرين من القيادة الرشيدة، التي عودتنا على التغلب على كافة التحديات، وتحقيق الإنجازات الوطنية التي تعزز الدور الريادي لدولتنا على مستوى المنطقة والعالم. وبالفعل، نحن فخورون بأننا استطعنا اكتساب المعارف والخبرات في قطاع الطاقة النووية بمستوى يؤهلنا لقيادة هذا المشروع الاستراتيجي العملاق».

اختصار المسافات
ومن جهته، يعلق محمد شهاب، مدير تشغيل المفاعلات في شركة نواة للطاقة بالقول: «كل ما في الأمر أن الجد والاجتهاد دوماً هما ضمانة النجاح، ونحن لم نشعر يوماً، خلال العمل المتواصل مع الخبرات العالمية في قطاع الطاقة النووية، بوجود فارق في المستوى بيننا، فقد استطعنا اختصار المسافات وسنوات الخبرة الطويلة العالمية في هذا المجال، بالإصرار على الاستفادة وتطوير القدرات العلمية. لدينا الدعم الكبير من القيادة الرشيدة، والثقة التي منحتها لنا مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، وشركة نواة للطاقة، وقد أثبتنا بالفعل أننا على قدر التحدي، وعلى قدر هذه الثقة».
وأضاف شهاب: «ظهر ذلك جلياً خلال التحدي الذي يواجهه العالم الخاص بانتشار فيروس كورونا المستجد، فقد أظهر فريق التشغيل قدراً كبيراً من القدرة على أداء المهام بكفاءة عالية، بغض النظر عن التحديات».

ركب الخبرات
وتتفق شمسة أحمد، مدير تشغيل المفاعلات في شركة «نواة» للطاقة، مع زميلها محمد شهاب، وتقول: «نعم، بالفعل، خلال الفترة الماضية أمضى زملاء وزميلات لنا في فريق تشغيل المفاعلات أسابيع متواصلة في موقع محطات براكة، من دون أن يؤثر ذلك على مستوى الأداء، بدليل أن انتشار فيروس كورونا لم يؤثر على الجدول الزمني للمحطة الأولى في براكة».
وتضيف: «الكفاءات الإماراتية أثبتت قدرتها على اختصار الزمن واللحاق بركب الخبرات العالمية في مجال الطاقة النووية».
وقبل أقل من عشر سنوات، بدأت الأعمال الإنشائية في المحطة الأولى في براكة، وها هي تشهد بداية العمليات التشغيلية، كأول محطة للطاقة النووية في العالم العربي، ولتنضم دولة الإمارات إلى الـ32 دولة على مستوى العالم، المشغلة لمحطات الطاقة النووية. هو إنجاز استثنائي وفي زمن قياسي، غير أن الإنجاز الأهم تحقق بتطوير كفاءات إماراتية أثبتت، على أرض الواقع، قدرتها المميزة على قيادة عمليات تشييد وتشغيل محطات الطاقة النووية، لتؤكد بذلك على نجاح خطط القيادة الرشيدة بالاستثمار في الإنسان.

رفعة الوطن
ما كان لافتاً في غرفة التحكم الرئيسية بمفاعل المحطة الأولى، هو الحضور المهم للكفاءات النسائية الإماراتية، وهو مبعث فخر بنجاح خطط تمكين المرأة في قطاع الطاقة النووية، الذي لطالما كان حكراً على الرجال في مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا تقول هند النقبي، مدير تشغيل المفاعلات في شركة نواة للطاقة: «على الدوام كنا، أنا وزميلاتي، على ثقة بأننا قادرات على تحمل هذه المسؤولية بكل اقتدار، والتشجيع الذي أحاطتنا به المؤسسة وشركة نواة، شكل حافزاً كبيراً لنا للتميز، وأقولها بكل ثقة: إن التجربة العملية والمعرفة العلمية التي يمتلكها أبناء وبنات الوطن، تؤهلهم بالفعل لقيادة هذا المشروع الكبير، والمساهمة في تقدم ورفعة الوطن».