«لدينا اقتصاد عظيم، لكننا نواجه أزمة شرسة ستؤثر في كثيرين»
 دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة

 يصعب العثور على تصريح يتسم بحد أدنى من الإيجابية لمسؤول هنا وهناك، منذ تفشي وباء «كورونا» المستجد. وهذا مفهوم بالطبع، لأن كل التطورات التي صاحبت (ولاتزال) هذا الوباء، فيها من السوداوية ما يكفي لنشر ما يمكن وصفه بـ«الأحزان الاقتصادية». صحيح أن حراك الاقتصاد العالمي المرحلي الذي تم في أعقاب فك بعض القيود بسبب الجائحة، أعطى إشارات واعدة، عبر ارتفاع وتيرة الاستهلاك والمبيعات، لكن الصحيح أيضاً أن فاتورة الوباء الاقتصادية ترتفع بصورة كبيرة مع كل فصل يمر في هذا العام. في الربع الأول، كانت هناك توقعات بربع ثان أفضل، يشهد فيه الركود شيء من التراجع. لكن هذا الركود عميق جداً، إلى درجة أنه فاق ذاك الذي ضرب العالم في الكساد العظيم عام 1929. 
في الربع الثاني تكدست الخسائر في كل القطاعات، في النفط والطيران والسفر والسيارات والصناعات والتجارة العامة والخدمات، في كل شيء ما عدا الميادين الطبية والإلكترونية. إلى ماذا أدى ذلك؟ إلى انكماش جميع الاقتصادات، وعلى رأسها الكبيرة. انكماش جعلها أصغر، بصرف النظر عن المدة التي ستحافظ فيها على شكلها الاستثنائي الجديد. فالناتج الإجمالي الألماني (مثلاً) هبط أكثر من 10%، والفرنسي 13.8%. وفي شهر واحد فقط انكمش الاقتصاد البريطاني 20%. على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، بلغ الانكماش في الولايات المتحدة 10% حتى منتصف العام الجاري، في أكبر تراجع له منذ بدء اعتماد البيانات قبل 70 عاماً، ليمحو معه 20 مليون وظيفة، وهذا أسوأ أربع مرات مما كان عليه الوضع في عز الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في العام 2008.
 ماذا يحدث على الساحة الآن؟ موجات لا تتوقف من الاقتراض العام، لمواجهة الأزمة الاقتصادية «الوبائية». وبحسب صندوق النقد الدولي، بلغت قيمة دعم الدول اقتصاداتها منذ مطلع العام الحالي 11 تريليون دولار، وهو نفس المبلغ الذي اقترضته الدول المتقدمة لوحدها، من أجل دعم اقتصاداتها. وهذا يعني ببساطة، أن هذه الدول تقترض 3 مليارات دولار كل ساعة من الزمن! ما يرفع الديون بنسبة 13.4% في 2020، وهو أعلى من نسبة الديون أثناء الأزمة العالمية عام 2008. الأزمة الاقتصادية الناجمة عن «كورونا» ستؤدي بالتأكيد لانكماش الاقتصاد العالمي أكثر من 4.9% هذا العام، وفق كل المؤسسات الدولية المختصة، لكن هذه النسبة قابلة للارتفاع (وليس الانخفاض) في الأشهر المتبقية من هذه السنة. 
الانكماش المروع لن يكون بالطبع حكراً على اقتصادات الدول المتقدمة، لكنها تبقى في الصدارة بحكم كبرها وتأثيرها في المشهد الكلي. والمؤكد أن العام الجاري سينتهي بصغر أحجام 95% من الاقتصادات في العالم، مع امتداد زمن التعافي المرجو دولياً. فالركود الأعمق منذ 80 سنة، يتطلب وقتاً إضافياً، مع إجراءات لن تكون شعبية بكل المقاييس لاحقاً.