حسام عبد النبي (دبي)

تقود دولة الإمارات جهود الاستدامة في الاستثمار والتمويل المستدام على المستوى العالمي، بعدما نجحت مساعي الجهات والهيئات المحلية في دمج الاستثمار في الحوكمة البيئية والاجتماعية من ناحية، وحوكمة الشركات والقانون الشرعي من ناحية أخرى، بحسب محمد سلامة، رئيس الخدمات المصرفية العالمية، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «ستاندرد تشارترد».
وقال سلامة لـ«الاتحاد»: إن أزمة وباء «كوفيد-19» الحالية أجبرت الشركات على إعادة التفكير في ممارساتها وتقديم خدمات تتناسب بشكل أفضل مع المستقبل، ولذلك تبقى الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات موضوعاً رئيسياً وسط هذه الأزمة، فيما يتوقع أن يزداد التركيز عليها بعد الأزمة، موضحاً أن نهج الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، يستخدم في غالبية الأحيان، لتقييم أداء الشركات فيما يتعلّق بالعوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة الرئيسية التي قد تؤثر على الأداء المالي.
وذكر أن العوامل البيئية تشمل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وإمكانية تقليص الأنشطة الضارة بالبيئة، ومدى استهلاك الطاقة من قبل الشركة، بالإضافة إلى استخدام الموارد، مشيراً إلى أن العوامل الاجتماعية يمكن أن تتضمّن سلامة الموظفين، والتنوّع، والشمول، والعلاقات مع الموردين والمجتمعات المضيفة، وحقوق الإنسان، وحماية المستهلك، ومبادرات مكافحة الفساد، فيما تتعلق الحوكمة، بالشؤون الداخلية، كالشفافية، والعلاقات مع المساهمين، وإنشاء مجلس الإدارة.

جهود الإمارات
واستعرض سلامة، جهود الإمارات في هذا الشأن، فقال إنه في عام 2007 أعلنت الإمارات أول سوق رأسمال متوافق مع الشريعة الإسلامية في العالم، ومؤخراً، حدّث سوق دبي المالي معايير الشريعة الإسلامية لديه، استجابةً لاهتمام المستثمرين المتزايد في شأن الاستدامة، وبحيث تغطّي المعايير إصدار أدوات كالصكوك الخضراء والأسهم وصناديق الاستثمار الخضراء، موضحاً أنه من الممكن في الوقت الحالي دمج الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في مجموعة صغيرة من البدائل فقط، مثل البنية التحتية والسلع والسندات الخضراء أو السندات «الاجتماعية». وأضاف أن شركة موانئ دبي العالمية، حصلت في عام 2018، على قرض متوافق مع الشريعة الإسلامية، بقيمة 2 مليار دولار أميركي، وارتبط سعر الفائدة على القرض، بكثافة انبعاثات الكربون لدى الشركة، ليشكّل ذلك أوّل قرض من نوعه لشركة في منطقة الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن بنك «ستاندرد تشارترد» شارك أيضاً في عدد من المعاملات المرتبطة بالاستدامة، كما أطلق الودائع المستدامة، التي تعدّ من المنتجات الجديدة في العالم، إذ تتيح للعملاء الرجوع إلى أموالهم مقابل الأصول المستدامة.
وتابع: «كما شارك بنك ستاندرد تشارترد في نوفمبر 2019 في تنظيم طاولة مستديرة في سوق أبوظبي العالمي حول تحديات وفرص التمويل المستدام في دولة الإمارات، لينتج من بعدها ورقة بيضاء بالشراكة مع (مصدر)، من أجل تقديم رؤيته حول أفضل الممارسات الحالية، والإرشادات حول كيفية معالجة العديد من التحديات الرئيسية التي تواجه المشاركين في السوق».
ولفت إلى أنه في حين أن «كوفيد - 19» شكّل بعض العوائق في وجه جهود النمو والاستدامة في جميع أنحاء العالم، إلّا أنه ساهم أيضاً بتسريع هذا الموضوع من ناحية أخرى، مؤكداً أهمية التحوّل إلى مستقبل أكثر استدامة، خصوصاً أن أسواق المنطقة هي الأكثر تأثراً بالضغوط البيئية والاجتماعية، وكاشفاً في الوقت ذاته عن أن البنك تعهد بتوفير تمويل وتسهيلات بقيمة 35 مليار دولار أميركي في مجال التكنولوجيا النظيفة ومصادر الطاقة المتجددة، وأيضاً 40 مليار دولار للبنية التحتية المستدامة.

حركة متسارعة
 ووفقاً لـ«سلامة»، فقد كشفت الأمم المتحدة عن أنه اعتباراً من أبريل 2019، تعهّدت أكثر من 2300 شركة لإدارة الاستثمار، تدير أصولاً بقيمة 86 تريليون دولار أميركي، بدمج عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ضمن قراراتها الاستثمارية، وذلك من خلال التوقيع على مبادئ الاستثمار المسؤول، المدعومة من الأمم المتحدة، منبهاً إلى أن الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات أصبحت أكثر شيوعاً، نظراً للطلب الكبير عليها من أفراد المجتمع، الذين يشترون العلامات التجارية، آخذين في عين الاعتبار كيفية مطابقتها للأسس البيئة وحقوق الإنسان، ومتوقعاً أن تتسارع وتيرة هذه الحركة مع بروز القضايا الصحية والاجتماعية، وسط أزمة «كوفيد - 19».
وفيما يخص مستقبل الاستثمار في الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، أفاد سلامة، بأن الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات أصبحت أكثر شيوعاً في السنوات السابقة، وحتى قبل الأزمة الصحية العالمية القائمة حالياً، مبرهناً على ذلك بنتائج بحث أجرته شركة Morningstar في فبراير 2020، أظهرت أن المستثمرين ضخّوا رقماً قياسياً في خيارات الاستثمار المستدام في عام 2019، مجموعه 130 مليار دولار، بينما مثلت خيارات الاستثمار المستدام في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2019، أكثر من ثلث تدفقات العام البالغ مجموعها 52 مليار دولار.

تخفيف المخاطر
وذكر سلامة، أن الأفراد والمؤسسات يتطلعون إلى دمج العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة ضمن محافظهم، سواء للتخفيف من المخاطر، أو للتخفيف من التقلبات طويلة الأجل، أو لتحديد الفرص، مواءمة القيم، أو ببساطة للتغلب على السوق وتحقيق الربح.
وقال إنه نتيجة لذلك، ظهرت مرونة التمويلات المستدامة خلال عمليات البيع الأخيرة في السوق، حيث سحب الصندوق العالمي المستدام «يونيفرس» نحو 45.6 مليار دولار أميركي في الربع الأول من عام 2020، ويقارن هذا بتدفق خارجي يبلغ 384.7 مليار دولار، مشيراً إلى أن أصول الصندوق العالمي المستدام، بلغت 841 مليار دولار حتى نهاية مارس، أي بانخفاض 12% عن أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 960 مليار دولار في نهاية عام 2019.
وأوضح سلامة، أن سوق السندات الخضراء كان أحد العوامل المؤثرة في صعود الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات خلال العقد الماضي.
وقد نما الآن ليشمل الديون الاجتماعية والمستدامة كذلك، والتي أظهرت تجاوز إصدار السندات المستدامة عام 2019 حوالي 300 مليار دولار أميركي، مقابل 30 مليار دولار قبل 5 سنوات فقط، أي في عام 2014.
وقال: إن التوقعات في بداية عام 2020، تمحورت حول مواصلة المسيرة الثابتة أكثر من أي وقت مضى، وعلى الرغم من النشاط الخافت نسبياً في مارس في أسواق رأس المال، ففي أبريل 2020، ومنذ بداية العام، وصل إصدار السندات الخضراء والسندات الاجتماعية والسندات المستدامة إلى 120.1 مليار دولار، مدفوعة بزيادة إصدارات سندات «كوفيد» الاجتماعية، لافتاً إلى أنه قد نتج عن ذلك مجموعة فرعية من (السندات الاجتماعية)، وهو نوع من الأصول الجديدة، وتجاوز حجم السندات الاجتماعية حتى الآن الإصدار الإجمالي للسندات الاجتماعية في عام 2019، الأمر الذي يعزّز الرغبة المستمرة في الاستثمار في الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات.

إدارة العمليات 
قال محمد سلامة، رئيس الخدمات المصرفية العالمية، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك ستاندرد تشارترد، إن الانكماش الاقتصادي القائم حالياً يؤكد مدى أهمية إدارة الشركات للعمليات بطريقة مرنة، بالإضافة إلى إدارة مخاطر الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وامتلاك سلسلة إمداد متينة، مع ضرورة الاعتناء بالموظفين، وإنشاء تدابير الصحة والسلامة المناسبة.
وشدد سلامة على أنه من الضروري جداً في الوقت الحالي، أن تقدّم الشركات منتجات وخدمات مناسبة للمستقبل، مؤكداً أن تصنيفات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات برزت خلال السنوات القليلة الماضية، كوسيلة أساسية لتقييم استدامة الشركات. وتابع: «كما يتزايد دمج تصنيفات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ضمن القرارات الائتمانية، حيث يطبّق المزيد من مديري الأصول بيانات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في تحليلهم الاستثماري».