شريف عادل (واشنطن )

رغم معرفة العالم للعمل عن بُعد من قبل ظهور فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بعقود، أظهرت تجربة بقاء الملايين في منازلهم للعمل والتواصل من خلال شاشات الكمبيوتر وبرامج الاجتماعات الافتراضية، في محاولة للحد من انتشار الوباء القاتل، بوضوح كيف تسبب أسلوب العمل (الجديد القديم) في تحويل الدخول، ومن ثم الثروات، بعيداً عن المناطق الأغلى في الولايات المتحدة. 
وأكد تقرير حديث، صادر عن شركة آب وورك UpWork، التي يلجأ إليها من يعرضون خدماتهم على الشركات كمتعاقدين أفراد يقدمون خدماتهم من خلال الإنترنت، كيف يمكن لهذا النوع من الأعمال أن يخرج بالفرص الوظيفية من أغلى 15 مدينة في الولايات المتحدة إلى مدنٍ أقل تكلفة، وتحتل مرتبة أدنى في مستويات الدخول حالياً، بصورة تعود بالنفع على العاملين غير الموظفين، الذين ترتفع دخولهم، وتخفض في نفس الوقت التكلفة في الشركات الكبرى.
وأظهر التقرير ارتفاع أجر الساعة للوظائف المهارية في المدن الأغلى بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بالمتوسط العام في المدن الأميركية، حيث يصل في الأولى لأكثر من 40.5 دولار للساعة، بينما كان 28.36 دولار في الأخيرة، رغم أنها الوظيفة نفسها. 
وفي إشارة على توفيره فرصاً وظيفية أكثر في المدن البعيدة، جاء بالتقرير أن نحو 30% من الأجور يتم إنفاقها على الساكنين بالمدن الأغلى، رغم أن ما يقرب من نصف إنفاق الشركات الكبرى على العمالة يأتي من تلك المرتكزة في المدن الأغلى، والتي لا يسكنها 19% من السكان في الولايات المتحدة، بينما تذهب 72% إلى المدن الأقل تكلفة، نتيجة لتزايد الأعمال التي تتم عن بُعد خلال السنوات الأخيرة. وفي نفس السياق، أظهرت الأرقام الواردة في التقرير أن من يتعاقدون على القيام بالوظائف الاحترافية لدى الشركات الكبرى من المدن الأغلى يحصلون على أجور تزيد بنسبة تتجاوز 18% مقارنة بمن يقومون بنفس الوظيفة في السوق المحلية. 
على نحو متصل، أكد التقرير أن المناطق الأغلى، ورغم ارتفاع الأجور فيها مقارنة بالمدن الأخرى، لم تعد تجذب الموظفين للسكن فيها، كونها تتسبب في ضياع ميزة الأجر المرتفع بسبب ارتفاع أسعار منازلها، حيث تصل نسبة سعر المسكن إلى الأجر فيها لما يقرب من ضعف مثيله في المدن الأخرى. 
ورغم أن التقرير الصادر حديثاً اعتمد في أغلبه على بيانات ما قبل ظهور الوباء في أي من دول العالم، إلا أن سوق العقارات والإيجارات في الولايات المتحدة، بعد شهور الإغلاق الكبير، جاءت لتؤكد ما توصل إليه تقرير الشركة. وتشير بيانات حي مانهاتن بولاية نيويورك، كما وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا في أقصى غرب البلاد، وكلاهما من أغلى المناطق في الولايات المتحدة، إلى انصراف الشركات عن استئجار المباني الشاسعة عالية التكلفة في الأحياء الرئيسة، وزيادة طلبهم على استئجار مساحات أقل، وفي مناطق منخفضة التكلفة، رغم التنازلات التي يقدمها أصحاب المباني التجارية المعروضة للإيجار. 
ويقول آدم أوزيمك، كبير الاقتصاديين بشركة آب وورك، الذي قام بتحليل الأرقام الواردة في التقرير، إن «هذه البيانات تؤكد أن العمل عن بُعد يسمح بإعادة توزيع الاقتصاد لصالح المناطق البعيدة».