يوسف العربي (دبي)

أدت جائحة كورونا والتحديات المرتبطة إلى حدوث تغييرات جذرية في قطاع التجارة واللوجستيات أبرزها زيادة الاعتماد على سلاسل التوريد المحلية والإقليمية على حساب العالمية، من خلال إعادة تموضع نقاط الإنتاج والتوريد فضلاً عن زيادة حصة التجارة الإلكترونية، وإنجاز صفقات تجارة الجملة عن بُعد، والتخليص الجمركي اللا ورقي، وبدء تبني الشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين لتعزيز تنافسيتها بالقطاع.
وأكد خبراء ومسؤولون بالقطاع أنه في غضون بضعة أشهر من ظهور جائحة «كورونا»، وتعاظم التحديات المرتبطة تحولت جميع التعاملات في قطاع التجارة إلى الحلول الرقمية بما في ذلك إنجاز الصفقات بين التجار والشركات واستخراج خطابات الاعتماد وصولاً إلى تعميم استخدام التطبيقات الالكترونية الذكية في تقديم التسهيلات والخدمات اللوجستية والجمركية وفق خبراء ومسؤولين بالقطاع.
وأكد هؤلاء أن دولة الإمارات العربية المتحدة تصدرت المشهد الرقمي بقطاع التجارة العالمية نتيجة الرؤية الحكومية وتفوقها في مجالات البنية التكنولوجية والشبكات وحرصها على تبني أحدث التقنيات الناشئة لإنجاز التعاملات التجارية والجمركية بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين.
ولفتوا إلى أنه على الرغم من أن جزءا من الشركات والأطراف الفاعلة بمنظومة التجارة لجأت إلى رقمنة التعاملات التجارية على نحو فوري لضمان سير الأعمال في ظل قيود التنقل للحد من انتشار الفيروس إلا أنه من غير الوارد على الاطلاق أن يعود قطاع التجارة إلى الاعتماد على المعاملات التقليدية لاسيما مع استكشافه لعناصر الاعتمادية والفعالية والسرعة التي تتميز بها حلول المستقبل.

تيسير التجارة 
وأكد أحمد محبوب مصبح، مدير عام «جمارك دبي» أن الإمارات تجني ثمار الرؤية الحكومية والاستثمار الناجح في التقنيات والتطبيقات التكنولوجية المتطورة، مشيراً إلى أن قطاع التجارة واللوجستيات الإماراتي حافظ على ريادته في مجال التحول الرقمي وتبني أحدث الحلول التقنية لتيسير التجارة وتسيير الأعمال ما جعله الأكثر قدرة على التكييف مع التحديات التي فرضتها الجائحة.
وقال إن استمرار العمل في جمارك دبي بانسيابية ومن دون انقطاع على الرغم من تعاظم التحديات يعكس الاستعداد التقني الفائق، والاستثمار الذكي في البنية التكنولوجية في شتى أذرع الدائرة وعملياتها معتبراً في ذلك تطبيقا حيا لما سيكون عليه قطاع التجارة والمعاملات الجمركية في المستقبل. وأكد مصبح، أن الأزمة لها انعكاسات سلبية على مستويات التجارة العالمية وسنشهد مع انحسار الوباء عودة التعافي التدريجي للتجارة الدولية بوتيرة تعتمد على سرعة التعافي العام في مستويات النشاط الاقتصادي الدولي عموماً.
وقال إن التجارة العالمية ستشهد تغيرات كبيرة بعد جائحة كوفيد- 19، فقد سرعت الجائحة من توسع التجارة الإلكترونية والحلول الرقمية بالقطاع لتضم نسبة كبيرة من العمليات التجارية تشمل تلبية الطلبات المباشرة من المستهلكين وإنجاز الصفقات بين التجار والشركات وصولاً إلى تعميم استخدام التطبيقات الالكترونية الذكية في تقديم التسهيلات والخدمات اللوجستية والجمركية.
وقال إن الدائرة أطلقت منصة التجارة الإلكترونية عبر الحدود، لتحفيز شركات التجارة الإلكترونية لتأسيس مراكز توزيع إلكترونية لها في دبي والتي تعتمد على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة و(البلوك تشين) لدعم احتياجات جميع الشركاء في سلسلة الإمداد والتوريد للتجارة الإلكترونية، والتي من شأنها تسهيل معاملات تخليص المشتريات، وتتبع أنشطة وبضائع التجارة الإلكترونية من مرحلة التسوق والشراء إلى التسليم، وتسريع تجربة المستهلكين وكذلك سهولة إرجاعها.
وأوضح أنه عقب انتهاء المرحلة التجريبية شرعت الدائرة في تطوير المشروع في المرحلة الثانية لتسهيل عمليات الاستيراد وتجميع البيانات الجمركية وأتمتة إرجاع البضائع، وخفض التكاليف، ومنها كلفة عبور بوابات المناطق الحرة وتقليل الوثائق وتسهيل المعاملات، وضم شركات الخدمات اللوجستية.

تحديات كبيرة 
 من ناحيته، قال ميتو ترايكوفسكي، مدير مشروعات بشركة «بوسطن كونسلتينج جروب»، إن جائحة «كورونا»  كان لها تأثير عميق على قطاع التجارة الدولية والعمليات اللوجستية، نتيجة إغلاق الحدود، وفرض القيود على الرحلات الجوية، وتوقف المصانع عن الإنتاج، ما أدى إلى تأخير عمليات النقل البري، وانخفاض قدرات الشحن الجوي والنشاط التصنيعي.
وأضاف:» أدى المستوى العالي من الترابط العالمي في المجال الاقتصادي إلى تفاقم الأزمة وآثارها السلبية، لا سيما على مستوى المنتجات المعقدة ذات القيمة العالية حيث يتم إنتاج المواد اللازمة لتصنيع الأجهزة الإلكترونية على سبيل المثال في دول مختلفة حول آسيا وأميركا الجنوبية أو أفريقيا، في حين يتم تصنيع المكونات في كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة، ليتم تجميعها في الصين أغلب الأوقات.
وأوضح أن جائحة فيروس كورونا تسببت، في اضطرابات في كل مرحلة من مراحل سلسلة التوريد الطويلة والمعقدة، ما نتج عنه تأخير في بيع وتوزيع المنتجات حول العالم ما أدى إلى انخفاض إجمالي حجم التجارة العالمية بنحو 13 إلى 32% عند مقارنتها بعام 2019، وفقاً لمنظمة التجارة العالمية.
وقال إن سلاسل التوريد تشهد تغييرات جذرية تتمثل في توجه العديد من الشركات إلى تحويل مواقع التوريد والتصنيع والتوزيع اعتماداً على سلاسل التوريد المحلية والإقليمية، وتراجع الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية.

دور حيوي 
وأكد أن شركات التجارة والخدمات اللوجستية والجهات الجمركية وشركات إدارة الموانئ اضطلعت بدور حيوي في الاقتصاد العالمي خلال جائحة كورونا المستمرة، من خلال مساهمتها في ضمان توصيل المواد الغذائية والسلع للمستهلكين في منازلهم، إضافة إلى توفير الأدوية والإمدادات الطبية للمستشفيات.
وأوضح أنه بالنسبة للشركات الناشئة، تحاول هذه الشركات خلال هذه الظروف الاستثنائية تعزيز قدراتها لإدارة سلاسل التوريد وتجاوز تحديات تتمثل في القيود التي تعيق مرونة سلسلة التوريد، مثل إغلاق الحدود وقيود السفر الجوي ومشكلات توفر الشاحنات.
وأشار إلى أن الشركات تعمل على تسريع تحولها الرقمي لتصبح أكثر مرونة في مواجهة التحديات التي تفرضها الأزمات المستقبلية، وكذلك لتحفيز الاستدامة التشغيلية، وتحسين عروضها التجارية.

مستقبل القطاع 
وقال ميتو ترايكوفسكي، إن مستقبل قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية في فترة ما بعد جائحة كورونا، سيرتكز على زيادة تحول هذه القطاعات على نحو متزايد للاعتماد على الإنترنت، والرقمنة، والأتمتة، مع تراجع حركة التجارية العالمية وزيادة التجارة المحلية والإقليمية بالتزامن مع حدوث تحول سريع للتسوق الإلكتروني، من حيث العرض والطلب.
وأوضح أنه إلى جانب العرض، شجع إغلاق المتاجر وصعوبة عمليات التسليم التجار وتجار التجزئة على تطوير قنواتهم الرقمية واعتماد طرق التسليم غير النقدية والتي تدعم التباعد الاجتماعي.
وعلى جانب الطلب، شهدت الفترة الحالية توجه فئات العملاء الجدد مثل كبار السن لإجراء عمليات الشراء من خلال الإنترنت للمرة الأولى، فيما يتجه العملاء الحاليون لزيادة شراء المنتجات من خلال الإنترنت والاعتماد على هذا النوع من عمليات التسوق، وتظهر الأوضاع السائدة اقتناع العملاء على نحو متزايد بمزايا الجودة والراحة والرفاهية والأمان التي يوفرها التسوق الإلكتروني.
وقال إنه مع تسريع جهود الرقمنة والأتمتة بكافة مراحل سلسلة التوريد، نتوقع زيادة التوجه لاعتماد العمليات اللاورقية والرقمية والمعدات الآلية والأجهزة الذكية التي تتطلب موارد بشرية أقل، مما يؤدي بالتالي إلى خفض النفقات التشغيلية والحد من مخاطر عمليات النقل المختلفة.
وفيما يتعلق بتوطين سلاسل التوريد، قد يتم إنتاج كميات أكبر من السلع الأساسية بالقرب من أسواقها لتجنب مخاطر تعطل سلسلة التوريد نتيجة الأزمات المشابهة.

توظيف التكنولوجيا
  قال طارق هنيدي، نائب رئيس عمليات منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في «فيديكس إكسبريس» إن تأثيرات «كوفيد-19» تظهر على الاقتصاد العالمي على ثلاثة مستويات.
تمثلت في تغيّرات واضحة في سلوكيات المستهلك، وتوجهات التسوّق، ودخل الأسرة.
وأضاف أنه بفضل الإجراءات السريعة التي اتخذتها حكومة الإمارات، واصلت التجارة الأساسية أعمالها، وتسارعت الخطى للإعلان عن إجراءات مالية تدعم قطاعات الأعمال المتضررة.
وأوضح أن جائحة « كوفيد- 19» سلطت الضوء على أهمية ضمان حصول مجتمعاتنا العالمية على احتياجاتها الأساسية مثل المنتجات الغذائية، وخدمات الرعاية الصحية ومع تزايد الحاجة لإجراء اختبارات الكشف عن المرض، أصبح ضمان الوصول إلى مستلزمات الاختبار وغيرها من المعدات الطبية الأساسية أمراً بالغ الأهمية.
ونوه بأن التدابير الاحترازية المتخذة، مثل إغلاق الحدود وفرض القيود على السفر وحظر التجوّل، لعبت دوراً كبيراً في إجبار المؤسسات على التفكير بأساليب جديدة لتقديم خدماتها وكان للمؤسسات الكبرى وتفوقها في الإمارات دور بارز في مساندة القطاع في مواجهة تحديات الأزمة.
وأضاف أن «كوفيد-19» أظهر الحاجة لسلاسل توريد أكثر مرونة ويواصل قطاع الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد تطوير إمكانات جديدة عبر توظيف التكنولوجيا في العمليات، وتوفير حلول مبتكرة للعملاء، وتعزيز الشبكة للعمل بمسؤولية، وتزويد المجتمعات المحتاجة بالخدمات على أفضل وجه.

مواصلة الأعمال 
وقال هنيدي، إن شركة فيدكس أثبتت خلال الأزمة قدرتها على تكييف عملياتها التشغيلية في أصعب الظروف، مستفيدة من استثماراتها في خدمات النقل والتجارة الإلكترونية وخدمات الأعمال.

التجارة الخليجية  
 من ناحيته، قال علي المديفع، مدير إدارة تطوير الأعمال - قطاع الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية في مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين إن وباء (كوفيد-19) يعتبر أكبر أزمة صحية عالمية في عصرنا، تعرضت خلالها التجارة العالمية لضغوطات شديدة نتيجة لهذه الأزمة الصحية، وتأثرت سلاسل التوريد بشكل غير مسبوق، حيث قامت الدول بإغلاق المناطق ووضع إجراءات الحجر الصحي بدرجات متفاوتة، وتم إغلاق الموانئ والمصانع والحدود بصورة مؤقتة. وأكد أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت الاستجابة أسرع من معظم الدول في اتخاذ إجراءات وقائية ضد انتشار الوباء كما أنها حافظت في الوقت ذاته على إيقاع الحياة الطبيعية الذي فقدته مناطق أخرى عديدة في العالم.
وأوضح أن التكنولوجيا والتعاون كانا عاملين رئيسين لمواصلة الأعمال حيث تم توظيف الحلول التكنولوجية المتطورة، بما في ذلك تقنيات بلوك تشين والذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء، ويتواصل تطويرها واختبارها لتسهيل العمليات الجمركية، بدءاً من المدفوعات، ووصولاً إلى استخراج الموافقات المسبقة على تخليص البضائع كما تم التخلص من الأعمال الورقية بشكل كامل تقريباً، وجرى تثبيت الماسحات الضوئية عالية التقنية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.
وتوقع التوجه بشكل أكبر نحو اللامركزية في سلاسل التوريد وتراجع نموذج سلسلة التوريد الحصري، خاصة مع سعي الشركات إلى توسعة شبكات التوريد واللوجستيات الخاصة بها في عدة أسواق لكي تخفف من مخاطر أي أزمة أخرى.
وقال سيشهد قطاع التجارة واللوجستيات تزايد التركيز على تقنيات مثل البلوك تشين والذكاء الاصطناعي، حيث استطاعت هذه التقنيات الحفاظ على استمرارية العمليات الجمركية بسلاسة خلال الأزمة.
حيث تعد التكنولوجيا من الحلول التي تضمن أن تكون سلاسل التوريد مستعدة بشكل أكبر لمواجهة الأزمات بعد انتهاء أزمة كوفيد-19.