«استثمارات الإنعاش يجب أن توظف الآن، لأننا نريد جعل المستقبل ممكناً للأجيال القادمة»
 أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا

 يحب السياسيون الأوروبيون الحديث عن مخططات الإنعاش أكثر من خطط الإنقاذ. هذا حقهم بالطبع من جهة طرح الأمل وسط الغمامة المفاجئة، ومن زاوية التفاؤل بدلاً من «السوداوية» وإن كانت حقيقية. الإنعاش في أوروبا، ليس مرتبطاً فقط بالحالة الراهنة، لأن الأموال المرصودة له، هي ديون مستحقة على الأجيال القادمة. وكلما تعمق الإنقاذ، تكبلت هذه الأجيال بديون لا دخل لها فيها. لا بد من التركيز على الإنعاش، لأن الأخير يوفر أدوات استثمارية تحتاجها كل الاقتصادات الأوروبية، بما فيها الاقتصاد الألماني الأكبر والأقوى.. والأكثر «كرماً». فكل أزمة اقتصادية مر بها الاتحاد الأوروبي، واحتاج بسببها لحزم دعم وإنقاذ، كانت ألمانيا «تتمنع وهي راغبة»، في ضخ الأموال اللازمة. 
 في ظل تفشي وباء «كورونا» المستجد، وضربه للاقتصاد العالمي دون استثناء واحد، تقدمت برلين، لتساهم بأكبر عملية إنقاذ للاقتصاد الأوروبي، مدعومة بالطبع بالقيادة التقليدية و«النفسية» الفرنسية للاتحاد الأوروبي، وهذه حالة أيضاً تاريخية تستند لمفهوم شعبي يعرفه العالم أجمع، وهو «تآلف الفكر والعضلات». ففي غضون شهرين فقط، رفع البنك المركزي الأوروبي حجم برنامجه الطارئ لما سمي بـ«مشتريات الجائحة» من 759 مليار يورو إلى 1.35 تريليون يورو، ومُدد البرنامج حتى منتصف العام المقبل، لكن مع تعهد إعادة استثمار الحصيلة حتى نهاية 2022 على الأقل. بمعنى آخر، أن تُترَك مدة زمنية للحكومات الأوروبية لتسديد هذه الأموال، خصوصاً أن هدف هذا البرنامج الهائل، توفير مساحة لهذه الحكومات «للتنفس»، وهي تعاني أصلاً من عجوزات كبيرة في موازناتها. 
 لنترك موضوع التعهد جانباً، فالتجارب الماضية أثبتت أن أحداً لا يلتزم به في حدوده الزمنية. لكن برنامج الإنقاذ أو الإنعاش، لنسمه ما شئنا، هو في الواقع بمثابة «النجدة» الاقتصادية لكيان الاتحاد الأوروبي ذاته، قبل أن يكون برنامجاً لدعم المؤسسات والشركات والمكامن الاجتماعية المحتاجة بالفعل. أثبتت الدول القيادية في الاتحاد (ولاسيما فرنسا وألمانيا)، أنها «ستقاتل» من أجل هذا الكيان بكل ما تملك من مقدرات وإمكانات، حتى ولو أدى الأمر إلى سحب آخر يورو من خزائن الدول الثرية في هذه القارة. إنه التزام، يعزز مرة أخرى حقيقة، أن الاتحاد الأوروبي وُجد ليبقى، بصرف النظر عن تلك الأصوات الجارحة التي تصدر بين الحين والآخر، من هذه الدولة الأوروبية الصغيرة أو تلك. فلولا برامج الإنقاذ في الأزمات السابقة، لكانت بعض البلدان المنتقِدة تعيش إفلاساً مالياً تاريخياً من حيث قوته واستدامته، وإذلاله أيضاً. ولولا «السخاء» الألماني والاحتضان الفرنسي، لصارت الأمواج المتلاطمة تضرب أسس الكيان الأوروبي ذاته. وحتى «السخاء» نفسه ليس إلا شكلاً من أشكال الاستثمارات، قد تتأخر عوائدها، لكنها في النهاية مضمونة.