سيد الحجار (أبوظبي)

أكد مسؤولون اقتصاديون ورؤساء شركات، أن لدى الاقتصاد الإماراتي القدرة والمقومات اللازمة لتجاوز تحديات المرحلة الراهنة، موضحين أن التحرك السريع للحكومة عبر إقرار مجموعة الإجراءات والمبادرات المحفزة للاقتصاد الوطني يعزز من تسارع مرحلة التعافي لمختلف القطاعات الاقتصادية، ولاسيما مع صياغة استراتيجية دولة الإمارات لما بعد فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19». وقالوا خلال مشاركتهم في «مجلس الاتحاد الرمضاني»، الذي نظمته صحيفة «الاتحاد» عن بُعد، بعنوان «مستقبل الاقتصاد في مرحلة ما بعد كورونا» إن تجاوز الأزمة الراهنة يتطلب تضافر الجهود الحكومية والخاصة لتجاوز التحديات، مشيرين إلى وجود قطاعات عدة مرشحة للتعافي بوتيرة متسارعة، منها قطاع الرعاية الصحية، والأنشطة المصرفية، والخدمات المهنية، والقطاع الزراعي، وغيرها.
شارك في مجلس الاتحاد الرمضاني، الذي أداره حمد الكعبي رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد»، كل من عبدالله آل صالح وكيل وزارة الاقتصاد، وجمال الجروان أمين عام مجلس الإمارات للمستثمرين في الخارج، وطلال الذيابي الرئيس التنفيذي لشركة «الدار» العقارية، وحمد العوضي عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، وأحمد المرزوقي صانع محتوى عربي، بحضور أسماء الفهيم المدير التنفيذي لقطاع النشر في شركة أبوظبي للإعلام، وعدد من فريق عمل الصحيفة.

تداعيات اقتصادية
وأشار حمد الكعبي، في بداية الجلسة، إلى أن أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» أثرت على جميع المجالات وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي، حيث يتعرض الاقتصاد العالمي للمرة الأولى لمثل هذه الظروف الاستثنائية، وهو ما يظهر من تأثر القطاعات والأنشطة الاقتصادية بتداعيات الأزمة الراهنة.
وأضاف الكعبي أن القيادة الرشيدة حرصت منذ بداية الأزمة على إطلاق المبادرات والإجراءات المحفزة للاقتصاد، بهدف تمكين الاقتصاد الوطني من مواجهة التحديات الراهنة، فضلاً عن تشكيل فرق عمل وخطط للتعامل مع الأزمة، وصياغة استراتيجية دولة الإمارات لما بعد «كوفيد 19».

تنوع اقتصادي
وقال عبدالله آل صالح إن الإمارات تعد من أسرع الدول التي بادرت بالتعامل مع هذه الأزمة، عبر إطلاق مجموعة من الحزم التحفيزية بما قيمته 282.5 مليار درهم لدعم الاقتصاد، موضحاً أن الاقتصاد الإماراتي يتميز بالتنوع، حيث جاءت المبادرات التحفيزية متنوعة وبما يضمن استفادة جميع القطاعات.
وأضاف أن القرارات والإجراءات الحكومية جاءت سريعة وجريئة، وعكست الفهم والرؤية المستقبلية للقيادة الرشيدة، بأن عدم اتخاذ مثل هذه الإجراءات السريعة ربما يزيد التكلفة في المستقبل، وهو ما حدث في بعض الدول التي تأخرت في إقرار مثل هذه الإجراءات.
وأفاد بأن هذه القرارات عكست رؤية ومسؤولية القيادة الحكيمة، حيث تظل حماية صحة وحياة الأفراد أكثر أهمية من أي مكاسب اقتصادية.
وأوضح آل صالح أن هناك عدة عوامل ساعدت الإمارات على التعامل الناجح مع الأزمة الحالية، ومنها البنية التحتية التكنولوجية المتطورة في الدولة، ووجود حكومة ذكية توفر جمع الخدمات بكفاءة وجودة، وبالتالي لم تنقطع خدمات الحكومة، وهناك استمرارية في إنجاز الأعمال، وهو ما تميزت به الإمارات في التعامل مع هذه الأزمة. وحققت الإمارات إنجازات كبيرة في مجال التحول الذكي خلال السنوات القليلة الماضية، وقد ظهر ذلك جلياً من خلال توفير الحكومة نحو 5713 خدمة اتحادية ومحلية وإجراء إلكترونياً عبر البوابة الرسمية خلال عام 2019. 
وأضاف آل صالح أن الإمارات حرصت على إطلاق خطط عدة لدعم قطاع الأعمال، ومنها خطط دعم وتسهيلات مصرفية، ومرونة في التشريعات الضريبية، وإجراءات لتقليص التكاليف والأعباء المالية، وخفض الرسوم، وتسهيلات خاصة بالعمالة، فضلاً عن القرارات الخاصة بتخفيض أو الإعفاء من الإيجار بعدة قطاعات، بالإضافة إلى تشكيل فرق ولجان عمل متخصصة للتعامل مع الأزمة حسب القطاعات التي تمثلها، ومن أبرزها اللجنة المؤقتة للتعامل مع الآثار السلبية على الاقتصاد الوطني برئاسة معالي وزير الاقتصاد وعضوية مجموعة من الجهات الحكومية ذات العلاقة.
وتابع أن هذه اللجنة تضع إجراءات عاجلة لدعم القطاعات الأكثر تضرراً، فضلاً عن وجود لجان أخرى تدرس أفضل السبل للخروج من هذه الأزمة والانتقال التدريجي إلى مرحلة التعافي وعودة النشاط الاقتصادي بنموذج اقتصادي قد يكون مغايراً ولكن أكثر استقراراً ومرونة.

توفر السلع
وأوضح آل صالح أنه في بداية الأزمة ظهرت مخاوف من شح السلع الرئيسية أو ارتفاع الأسعار، حيث تعاملت وزارة الاقتصاد بطريقة سريعة عبر رصد الشكاوى ومراقبة الأسواق وتوفير السلع الرئيسية من خلال التواصل مع الموردين، ومع الدول الموردة لضمان سلاسة التوريد، كما تم اتخاذ إجراءات ضد المخالفين والذين حاولوا احتكار بعض السلع أو محاولة استغلال الأزمة لتحقيق أرباح مبالغ فيها.
وأضاف أنه على المستوى الدولي، كان هناك تحرك من القيادة الرشيدة لتقديم يد المساعدة والعون للدول المتضررة، والتعاون مع كثير من المنظمات والدول للتأكيد على سلاسة توريد السلع، ولاسيما المنتجات الطبية.
وأكد آل صالح وجود علاقات تواصل بين القطاعين العام والخاص من خلال لقاءات تتم بإشراك الغرف التجارية والشركات، والاستماع إلى القطاع الخاص، وإطلاق عدة استبيانات لاستطلاع آراء ومقترحات القطاع الخاص للتعامل مع هذه الأزمة.
وأوضح أن هناك متابعة يومية لهذه الإجراءات والخطط لدراسة مدى الاستفادة منها وإقرار المزيد من الإجراءات، فضلاً عن متابعة المتغيرات الدولية المرتبطة بالأزمة، مع دراسة تأثر كل قطاع، والفترة المتوقعة لتعافي كل قطاع، وبناء على ذلك تم وضع خطط لعودة النشاط التدريجي بكل قطاع. ولفت إلى الاهتمام بدراسة تأثر الشركات الصغيرة والمتوسطة، والحرص على تسريع سداد المستحقات للشركات، وتقديم تسهيلات وحوافز للشركات وتأجيل الدفعات البنكية.
وأضاف: على المدى الطويل تم تحديد القطاعات الاقتصادية التي ربما أظهرت استجابة ضعيفة في التعامل مع التحديات، بهدف وضع سياسات ومبادرات لرفع جاهزيتها في المستقبل، وتحديد المجالات التي يجب التركيز عليها لجذب استثمارات محلية أو عالمية، وخطة لجذب الصناعات المتقدمة والقائمة على التكنولوجيا.
أمن غذائي
بدوره، أوضح جمال الجروان، أمين عام مجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، أن رؤية القيادة الرشيدة للأمن الغذائي كانت سباقة، فمنذ سنوات أقرت الإمارات استراتيجية واضحة لتحقيق الأمن الغذائي، موضحاً أن هذه الأزمة أثبتت التخطيط السليم والاستراتيجي والناجح للإمارات في التعامل مع التحديات.
وأوضح أن الإمارات حققت خلال السنوات الخمسين الماضية نجاحاً ملحوظاً فيما يتعلق بالعلاقات الدولية والتجارية والاستثمارية، حيث طورت الإمارات شبكة واسعة من العلاقات الاستثمارية، التي تعد اليوم بمثابة الظهير القوي للاقتصاد المحلي، مشيراً إلى وجود شركات إماراتية كبرى تستثمر في عدد كبير من الدول، ولاسيما في القطاع الزراعي والغذائي، وهو ما يساعدها اليوم في ضمان سلاسة توريد السلع.
وأوضح أن الإمارات تجني اليوم ثمار التخطيط السليم والرؤية السباقة فيما يتعلق بالتوسع في الاستثمار الزراعي بعددٍ من دول العالم، ما أسهم في تحقق استدامة توريد السلع وزيادة المخزون، وتحقيق الأمن الغذائي بالدولة.
وتمتلك الإمارات عشرات الشركات المختصة في الاستثمار الزراعي بالخارج، والتي تنتشر استثماراتها في نحو 60 دولة، وتسهم في تأمين المواد الغذائية دون انقطاع ومن مصادر متعددة، وتوريد السلع من الاحتياطيات خارج الدولة.
وأشار الجروان إلى أهمية حرص القيادة الرشيدة في الإمارات على تقديم يد العون للكثير من الدول على تجاوز هذه الأزمة، ما يعزز العلاقات الدولية للإمارات، ويساعد في زيادة الاستثمارات المشتركة.
وتوقع الجروان أن تشهد الفترة المقبلة تعديلاً في استراتيجية دولة الإمارات فيما يتعلق بالاستثمارات، بحيث يتم التوسع في الاستثمارات بقطاعات الزراعة والصحة والتعليم. وأشار إلى أن الأزمة الحالية ربما تزيد الحاجة إلى وجود صندوق استثماري خاص بالاستثمارات الداخلية، ولاسيما للاستثمار بالقطاعات الحيوية مثل الصناعة والصحة والأمن الغذائي.
مرحلة التعافي
وقال أحمد المرزوقي إنه يمكن القول إن مرحلة الهبوط الاقتصادي بسبب أزمة «كورونا» بدأت في التراجع، لتبدأ مرحلة التعافي مع العودة التدريجية للنشاط الاقتصادي في بعض القطاعات.
وأوضح أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب أن تستفيد من الأزمة الحالية، وأن تأخذ في اعتبارها مجموعة من المتغيرات، منها أن سلوك المستهلك لن يرجع لمرحلة ما قبل «كورونا»، وهناك مخاوف من السفر، وانخفاض في الطلب على العديد من المنتجات. وأشار المرزوقي إلى ضرورة اهتمام البنوك بالتمويل «الانتقائي» للمشاريع التي تقدم قيمة مضافة، وهو ما يعزز من استمرار ونجاح المشاريع المتميزة، وفي ذات الوقت يعزز الملاءة المالية للبنوك ويقلص حالات التعثر في سداد القروض البنكية. وأكد أهمية توجه أصحاب المشاريع الناشئة لقطاعات جديدة، ولاسيما الخاصة بالتكنولوجيا، ولكن مع توخي الحذر، في ظل زيادة التكاليف التشغيلية بالقطاع، وفي ذات الوقت تجنب بعض القطاعات التي قد تحتاج للمزيد من الوقت للتعافي وعودة الطلب.

تباين وتيرة التعافي بالقطاعات الاقتصادية
أوضح عبدالله آل صالح، وكيل وزارة الاقتصاد، أن هناك بعض القطاعات التي يمكن أن تشهد عودة النشاط بوتيرة أسرع، ومنها القطاع الصحي، وكذلك الأنشطة الاجتماعية، والقطاعات المعتمدة على التكنولوجيا، والقطاع الحكومي، والقطاعات المرتبطة بالأنشطة المصرفية، والخدمات المهنية سواء الهندسية أو القانونية أو الاستشارية وغيرها، والأنشطة المعتمدة على الجوانب العلمية والتكنولوجية، والقطاع الزراعي، وخدمات الكهرباء والمياه. وأضاف أن هناك قطاعات أخرى قد تشهد عودة النشاط على المدى المتوسط، ومنها قطاع النفط والبتروكيماويات، والتعليم، والصناعة، والإنشاءات. وأشار إلى وجود قطاعات ربما تستغرق وقتاً أطول للوصول لمرحلة التعافي، ومنها التجزئة والعقارات والمواصلات والتخزين والترفيه والضيافة والمطاعم والفنادق.
وأوضح أن الأزمة سيكون لها تأثير على كثير من القطاعات، حيث يتوقع أن يصل حجم سوق التكنولوجيا المالية إلى 460 مليار دولار بحلول عام 2050، كما أن القطاع الطبي سيتغير، حيث يتوقع نمو خدمات الرعاية الصحية عن بُعد بنسبة 64%. وأضاف أن الإمارات تميزت بوجود أجهزة متميزة لإدارة الأزمات، كما أن لديها نظرة مستقبلية وتخطيطاً استراتيجياً للمستقبل في كافة نواحي الحياة، وهو ما جعل الدولة مؤهلة ولديها الجاهزية للتعامل مع المتغيرات الحالية.  

طلال الذيابي: مسؤولية مشتركة لتجاوز الأزمة 
قال طلال الذيابي، الرئيس التنفيذي لشركة «الدار» العقارية، إن مواجهة تحديات كورونا تتطلب التكاتف وتضافر الجهود، مؤكداً أنه بجانب المبادرات والإجراءات الحكومية، فإن الشركات الكبرى سواء الحكومية أو شبه الحكومية أو الخاصة أيضاً عليها مسؤولية كبيرة.
ولفت إلى ضرورة تقديم الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، موضحاً أن «الدار» حرصت على إطلاق مبادرات عدة منذ بداية الأزمة، لدعم المستأجرين والعملاء والشركاء، في إطار المسؤولية المجتمعية للشركة، فضلاً عن مبادرات أخرى تشمل تبرعات نقدية، وإعفاءات للرسوم، وتسهيلات بنكية، وتخفيضاً لمصاريف المدارس، ودعماً للمتعثرين، وتلبية التزامات «الدار» تجاه مقاوليها ومستشاريها ومورّديها، وتأكيد التزامها تجاه المساهمين.
وتهدف مبادرات الدعم التي كشفت عنها «الدار» مؤخراً لدعم الجهود الحكومية في مكافحة تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد، إلى جانب برنامج المساهمات المجتمعية، بقيمة 190 مليون درهم إلى دعم المجتمعات السكنية والمدارس والشركاء من تجار التجزئة والعملاء الراغبين بامتلاك المنازل.
وقال الذيابي إن المرحلة الحالية صعبة والتحديات كبيرة ولكن يجب أن تلتزم الشركات الكبرى بدورها، وهناك حاجة لمزيد من الحوكمة ومراجعة الخطط وتقليص المخاطر، موضحاً أن الأزمة يجب أن تزيد حرص الشركات على عدم الدخول في مشاريع كبرى دون دراسة جدوى كافية.
وأوضح أن القطاع العقاري على وجه الخصوص يواجه تحديات ملحوظة فيما يتعلق بسلوكيات المستهلكين، سواء من حيث زيارة المراكز التجارية، أو العمل من خلال المكاتب، مشيراً إلى أن التجربة الراهنة أظهرت قدرة كبيرة على التأقلم في العمل عن بُعد، والتعليم عن بُعد، فضلاً عن تأثر سلوكيات المستهلكين، من حيث تقليص النفقات.
وأضاف: بالطبع يحدث تغيير في القطاع العقاري، وأيضاً القطاعات الأخرى، حيث ستتم إعادة الخطط، ودراسة فرص جديدة للنمو، وكيفية تلبية المتطلبات الجديدة للعملاء، حيث من الصعب الرجوع إلى ما قبل «كوفيد 19».
وقال الذيابي إنه من الضروري مراجعة الكثير من الإجراءات والتشريعات، وأيضاً مراجعة الرسوم، وبما يعزز من فرص جذب استثمارات جديدة ورؤوس أموال كبيرة.