منذ تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19) في ديسمبر 2019، وإعلان منظمة الصحة العالمية عن تصنيفه وباءً عالمياً في مارس 2020، يمر العالم بحالة من الصدمة أدت إلى اتخاذ أكثر من 190 دولة حول العالم إجراءات العزل، ما أثّر بشكل مباشر على الحياة اليومية.
واليوم، يواجه العالم تحديات غير مسبوقة، حيث تسبب هذا الوباء بتعطيل قطاعات الأعمال، والتعليم، والصناعات، والاستثمارات وغيرها من القطاعات.
ويقدر صندوق النقد الدولي الخسارة التي يتوقع أن يتحملها الاقتصاد العالمي بسبب هذا الوباء بحوالي 9 تريليونات دولار خلال العامين 2020 و2021، لذلك فإن التعاون بين مختلف الأطراف بات مطلوباً أكثر من أي وقت مضى لاحتواء الوباء وتخفيف آثاره بعيدة المدى.
دور القطاع
وقطاع الطاقة النووية ليس بمنأى عن هذه التأثيرات، وقبل أن أوضح تأثير فيروس كورونا على القطاع والخوض في اقتراح الحلول، من المهم أن نذكر الدور الأساسي الذي تلعبه الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء اللازمة لدعم مرافق الرعاية الصحية، التي تلبي بدورها احتياجات المرضى وتساعد خطوط الدفاع الأولى في جهودهم من أجل الحد من انتشار الفيروس المستجد، حيث تنتج 450 محطة للطاقة النووية على مستوى العالم ما يقرب من 10% من الكهرباء، بالإضافة إلى 53 محطة أخرى قيد الإنشاء في 19 دولة حول العالم.
ومنذ انتشار فيروس كورونا في ديسمبر 2019، اتخذت الحكومات والمنظمات الدولية حول العالم سلسلة من الإجراءات الاحترازية للتخفيف من آثاره والحد من انتشاره، حيث تأثر العديد من مشغلي محطات الطاقة النووية والجهات الرقابية بالإجراءات الحالية، ما أدى إلى انخفاض توليد الكهرباء بنسبة 10-20%، وذلك استناداً إلى إحصائيات صادرة عن الرابطة النووية العالمية.
استمرارية العمل
وفي العديد من الدول، تم تصنيف العاملين في المجال النووي على أنهم يمثلون الوظائف الرئيسية الضرورية للحفاظ على عمل المحطات النووية التي تعد من البنى التحتية المهمة، حيث يتخذ بعض مشغلي المحطات النووية إجراءات مختلفة لحماية القوى العاملة في المحطات وضمان استمرارية العمل فيها، كتخفيف أو إيقاف أعمال البناء، واتباع إجراءات جديدة، مثلاً في المملكة المتحدة، تم تخفيض عدد الموظفين لأكثر من النصف في محطة «هنكلي بوينت سي» النووية والتي هي قيد الإنشاء.
وفي الصين، توقف العمل في بعض المحطات قيد الإنشاء للحد من انتشار الوباء، ومع استئناف العمل تدريجيًا، تم اتخاذ إجراءات احترازية للموظفين العائدين إلى الموقع.
أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد تأثرت شركة «Duke Energy»، التي تدير 11 محطة نووية، بنقص الموظفين واعتمدت بعض التدابير مثل إجراء الفحوص الطبية في المحطات وكذلك تفعيل العمل عن بُعد.
وفيما يخص محطة براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة، قامت كل من مؤسسة الإمارات للطاقة النووية وشركة نواة للطاقة الذراع التشغيلية للمؤسسة، باتخاذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس (كوفيد-19)، إلى جانب إجراء تغييرات على أنشطتها في الموقع، والتي تشمل تقليل عدد العمال في الموقع، وفرض إرشادات التباعد الاجتماعي، وإنشاء نقاط الفحص الحراري عند الوصول إلى الموقع، وإيقاف العمل مؤقتًا على الوحدات الثانية والثالثة والرابعة لمدة أسبوعين بشكل مبدئي، وذلك بهدف الحد من انتشار الفيروس إلى داخل المحطة.
إن تأثيرات انتشار وباء كورونا حول العالم طالت أيضاً مختلف الجهات الرقابية النووية الدولية، التي تعمل على ضمان سلامة المجتمع من خلال تنظيم القطاع، حيث اتخذت المفوضية الأميركية للرقابة النووية خطوةً مبتكرة للسماح باستكمال أنشطة التراخيص منخفضة المخاطر، عبر تنظيم جولات على المنشآت من خلال مكالمات فيديو مصحوبة بتقديم إلكتروني للوثائق، بالإضافة إلى ذلك، فإنها تدرس فرص إصدار إعفاءات رقابية، وتعديلات على شروط الترخيص والمواصفات الفنية، وتخفيف آليات التنفيذ الخاصة بها إن أمكن.
وفي الوقت ذاته، بدأ مكتب الرقابة النووي في المملكة المتحدة، والهيئة الفنلندية للسلامة الإشعاعية والنووية، والمفوضية الكندية للسلامة النووية، وغيرها من الجهات الرقابية حول العالم بإصدار إعفاءات لحدود ساعات العمل والسماح بتخفيض عدد الموظفين، إلى جانب تمكين المشغلين من تعويض ساعات العمل، وتنفيذ طرق بديلة للتواصل مع أفراد غرفة التحكم، ومطالبة الموظفين الأساسيين بالعيش في الموقع مؤقتاً.
وتعد هذه الإجراءات مهمة جداً للجهات الرقابية ويجب اتخاذها بالتنسيق مع المشغلين لضمان سلامة الموظفين واستمرارية العمل لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمجتمع في هذه الأوقات.
الإجراءات الاحترازية
أما بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فقد تبنت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية توجيهات الحكومة الاتحادية للحد من انتشار الفيروس من خلال تفعيل خطة إدارة استمرارية الأعمال وإنشاء فريق عمل «كوفيد-19» لإدارة الأزمات، والتي نفذت مجموعة من الإجراءات الاحترازية في الهيئة، مثل تفعيل العمل عن بُعد، إلى جانب عدد من الإجراءات التقنية كتقليل عدد المفتشين المقيمين في موقع محطات براكة للطاقة النووية السلمية، وإيحاد طرق جديدة ومبتكرة لإجراء أنشطة التفتيش عن بعد من خلال الوسائل الرقمية.
كما تقوم الهيئة بعمليات تفتيش ضرورية فقط في المنشآت التي تستخدم المواد النووية أو المشعة، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، طورت الهيئة ونفذت مجموعة من الخدمات الإلكترونية للمرخصين المصرح لهم من الهيئة بالقيام بأنشطة تشمل المصادر المشعة ومولدات الإشعاع، حيث تسمح الخدمة الإلكترونية باستصدار التراخيص اللازمة لممارسة الأنشطة الخاضعة للرقابة كالاستيراد والتصدير، وأسهمت أزمة «كوفيدـ 19» في التأكيد على كفاءة وفاعلية هذه الخدمة.
ولم تقتصر تأثيرات وباء كورونا فقط على المشغلين والجهات الرقابية في القطاع النووي، بل وصلت أيضًا إلى ما تبقى من دورة الوقود النووي مثل تعدين اليورانيوم وإدارة النفايات النووية وتفكيك المحطات النووية، حيث توقفت العديد من الأنشطة لحماية العاملين والموظفين من الإصابة بالفيروس.
تقنيات مشتقة
وبالنظر للدور المهم الذي تلعبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الحد من انتشار فيروس كورونا ودعم جهود القضاء عليه، أرسلت الوكالة مؤخراً تقنيات مشتقة من الطاقة النووية للمساعدة في كشف الفيروس إلى عدد من الدول حول العالم، بهدف المساهمة في الحد من انتشاره.
وتدعم الوكالة الدول الأعضاء والبالغ عددهم 171 دولة من خلال إنشاء شبكة «كوفيد 19» لخبراء التشغيل، بهدف تسهيل تبادل المعرفة والاطلاع على الممارسات ذات الصلة بين أعضائها.
وكانت الوكالة، أعلنت عن تأجيل بعض مؤتمراتها مثل اجتماع الأطراف المتعاقدة في اتفاقية الأمان النووي وأنشطة التعاون الأخرى وتخطط لإجراء بعضها افتراضياً.
الدروس المستفادة
إن وباء «كوفيد-19» يمثل أزمة غير مسبوقة في عصرنا الحديث، دفعت الحكومات والمنظمات الدولية إلى البحث عن حلول وطرق جديدة لإدارة الأعمال وحماية المجتمعات، ونحن اليوم بحاجة إلى تحويل مرحلة التعافي إلى فرصة لحماية المستقبل، حيث يقع على عاتق الأطراف المعنية في القطاع النووي سواء كانوا مشغلين أو جهات رقابية، إيجاد الحلول ووضع الاستراتيجيات المستقبلية الملموسة للرقابة على القطاع النووي بعد انتهاء هذا الوباء، فمن المهم العمل جنباً إلى جنب للخروج بالدروس المستفادة من هذه الأزمة العالمية.
الالتزام بالشفافية
وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الطاقة النووية العالمي استفاد من عددٍ من الدروس بعد حادثة تشيرنوبيل في عام 1986، والتي استفدنا منها بدورنا، حيث قمنا بإنشاء المؤسسات، ووقعنا عدداً من الاتفاقيات، كما عززنا التعاون والتنسيق الدوليين، والتزمنا بالشفافية واعتمدنا الآليات الدولية، كما وضعنا أساليب مختلفة للسيطرة على التجارة والحدود لضمان سلامة مجتمعنا، وعززنا بشكل كبير آليات الجاهزية والاستجابة للأزمات النووية والإشعاعية.
إن ثقافة الانتقال والتحول إلى وضع الأزمات ليس جديداً على الجهات الرقابية في القطاع النووي، فقد كانت هذه التدابير وغيرها مفيدة خلال الأزمة العالمية اليوم، لكننا نستخلص دروساً جديدة، ووسائل مبتكرة، مثل كيفية إجراء الجهات الرقابية لعمليات التفتيش عن بُعد، والحاجة إلى مراجعة اللوائح الحالية وأخذ الأوبئة بعين الاعتبار، والعمل على وضع إجراءات وأنظمة ترخيص ذكية، كما أننا نحتاج إلى إعادة التفكير في طرق العمل المتبعة في المحطات النووية قيد الإنشاء في ظل أزمة عالمية كجائحة «كوفيد-19».
اليوم، نحن بحاجة إلى التعاون والتكاتف الدولي المتعدد الأطراف أكثر من أي وقت مضى، لتنسيق الجهود بهدف احتواء وباء «كوفيد-19» وتخفيف آثاره بعيدة المدى، نحن بحاجة لأن نبتكر.