مصطفى عبد العظيم (دبي)

قال محللون وخبراء اقتصاديون، إن اقتصاد دولة الإمارات يعد الأكثر تنوعاً وقدرة بين اقتصادات «أوبك+»، على استيعاب الصدمات التي تتعرض لها أسعار النفط في الأسواق العالمية جراء حالة الركود التي تخيم على اقتصادات العالم بسبب جائحة «كوفيد - 19».
وأكدوا لـ«الاتحاد»، أن الإمارات ستكون الأسرع في استعادة التوازن المالي بين دول المنطقة التي تسجل عجوزات متباينة في موازناتها نتيجة تراجع الإيرادات النفطية الإجمالية لديها، خاصة أن النفط يمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي.
وحدد هؤلاء عوامل عدة تدعم قدرات دولة الإمارات على امتصاص تداعيات التقلبات الحادة في أسعار النفط بأريحية كبيرة، أبرزها نضج استراتيجية التنويع الاقتصادي التي انتهجتها الدولة منذ عقود طويلة لتجني ثمارها مع كل أزمة تتعرض لها الأسواق، وما تتمتع به الإمارات من وضع مالي قوي وجدارة ائتمانية مرتفعة لدى وكالات التصنيف الائتماني العالمية، فضلاً عن امتلاكها  لأكبر وأضخم الصناديق السيادية، وتمتعها بالمرونة والقدرة على التكيف في مواجهة التقلبات، والتفوق في إدارة الأزمات، ورؤيتها الواضحة للمستقبل من خلال وضع استراتيجية ما بعد النفط، إلى جانب دورها المحوري والمؤثر في حركة  التجارة الدولية، وهي جميعها عوامل رسخت من ثقة المؤسسات الدولية في الإمارات، وأن تحظى بسمعة عالمية واسعة.

ثمار التنويع
وأكد وضاح الطه، عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار، أنه على الرغم من الانخفاضات الحادة في أسعار النفط بالأسواق العالمية، وتأثيراتها السلبية المتوقعة على البلدان المصدرة للنفط، تبقى دولة الإمارات الدولة الأكثر قدرة على استيعاب صدمات الأسعار مقارنة مع بقية دول «أوبك+»، التي تضم بلدان «أوبك» وبعض المنتجين من خارجها.
وأرجع محدودية تأثير انخفاضات أسعار النفط بالأسواق العالمية على اقتصاد دولة الإمارات لعدة أسباب، يأتي في مقدمتها استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبعها الدولة منذ سنوات طويلة ضمن رؤية واستراتيجية طويلة الأمد، وهي الاستراتيجية التي باتت تؤتي ثمارها بشكل ملموس في السنوات الأخيرة مع انحسار مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بما يصل إلى 30%، ما يعني أن درجة التأثير خلال اهتزازات الأسعار تكون أقل.

الجدارة الائتمانية
وأوضح الطه أن من بين الأسباب الأخرى الداعمة لقدرة اقتصاد الإمارات على احتواء انخفاضات أسعار النفط، التصنيف السيادي القوي لدولة الإمارات الذي تحظى به لدى مختلف وكالات التصنيف الائتماني العالمية، والتي جددت مؤخرا تأكيدها التصنيف المرتفع للإمارات بوجه عام وإمارة أبوظبي على وجه الخصوص.
ولفت في هذا السياق إلى تأكيد وكالة موديز في مراجعتها الدورية للتصنيف السيادي للإمارات، التصنيف الائتماني للدولة المرتفع  عند درجة Aa، كما ثبتت وكالة ستاندرد أند بورز بدورها في أحدث تقرير لها التقييم السيادي لإمارة أبوظبي على المدى الطويل عند AA، والتقييم على المدى القصير للعملات الأجنبية والمحلية عند +A1، مع الحفاظ على النظرة المستقبلية المستقرة.

الصناديق السيادية
وأضاف الطه أن من بين الأسباب الأخرى هو امتلاك دولة الإمارات صناديق سيادية تعد بين الأكبر والأقوى في العالم وفي مقدمتها جهاز أبوظبي للاستثمار «أديا» و«مبادلة للاستثمار» الذين يعتبران بين الأضخم عالمياً، مشيراً إلى قدرة هذه الصناديق على بناء قاعدة صلبة من الأصول الخارجية.
وقال: في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد العالمي تبرز العديد من الفرص الاستثمارية التي بدأت الصناديق السيادية في التحرك لاقتناصها مستفيدة من الانخفاض الكبيرة في أسعار الأصول.

عامل التخزين 
وأوضح أن الانخفاضات الحادة التي تشهدها أسعار النفط في الوقت الراهن لظروف تتعلق بعامل التخزين واستمرار الإنتاج وتدنى الطلب، من شأنها أن تولد عجوزات كبيرة في موازنات الدول المنتجة خاصة للدول التي تعتمد في إيراداتها بشكل مطلق على النفط ولا تمتلك محركات أخرى لدفع عجلة الاقتصاد، لكن في المقابل هناك دول محدودة وفي مقدمتها دولة الإمارات تمتلك خيارات عدة لتغطية أي عجز محتمل وفي مقدمتها خيار إصدار السندات والاستفادة من أسعار الفائدة المنخفضة، وكذلك قوة التصنيف الائتماني الذي يمكنها من الحصول على تغطية واسعة لأي إصدارات تطرحها بالأسواق العالمية، خاصة مع قلة المخاطر المرتبطة بالقدرة على السداد، وأيضاً إلى تدني نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي.

القدرة على التكيف
وأشار الطه كذلك إلى تمتع اقتصاد الإمارات بالعديد من العوامل الأخرى التي تعزز صلابته في مواجهة التحديات الخارجية، وما يتسم به من مرونة وقدرة عالية على التكيف مع المتغيرات والتحديات العالمية، فضلاً عن المتانة المالية التي تتمتع بها الدولة والتي توفر لها مصدات وقائية تحميها من آثار الصدمات العالمية المفاجئة.

شهادات ثقة للمؤسسات الدولية
ومن جهته، قال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، إن اقتصاد دولة الإمارات التي تعد أحد أكثر الاقتصادات انفتاحاً، شأنها شأن بقية الدول المصدرة للنفط الأخرى، تأثرت بالصدمة المزدوجة، لبروز فيروس كورونا المستجد من جهة وتراجع أسعار النفط مع تراجع الطلب من جهة أخرى.
وأوضح أنه على الرغم من أن اقتصاد دولة الإمارات الذي يرتكز على الخدمات بما يعرضه للتأثر بالأزمة، لكنه في الوقت ذاته اقتصاد متنوع إلى حد كبير، ويمتلك الكثير من المصدات الوقائية التي تمكنه من تخفيف وقع الأزمة واستيعابيها.
ولفت إلى الإجراءات والتدابير العديدة التي تم اتخاذها منذ البداية للتعاطي مع الجائحة والتي شملت دعومات على المستوى المالي والضريبي والنقدي للمحافظة على صحة القطاع المالي وتوفير السيولة للقطاع الخاص والسماح للشركات للتكيف مع صدمة الانغلاق وحل بعض المشاكل الأخرى، مؤكداً أنه كلما كان التعافي سريعاً كلما أثر ذلك إيجاباً على الاقتصاد.
التفوق في إدارة الأزمات 
ويرى الخبير المالي والاقتصادي أسامة آل رحمة، أن البنية التحتية للاقتصاد الإماراتي مؤهلة وقادرة على التأقلم السريع مع المستجدات والتحديات التي تفرضها الأزمات العالمية والصدمات الكبيرة في أسعار النفط.
ولفت إلى أنه رغم شدة الأزمة الراهنة والتي لا تزال تداعياتها مستمرة، إلا أن تجارب الأزمات العالمية السابقة والتفوق في نهج إدارة تداعياتها من قبل حكومة دولة الإمارات، أثبتت مستويات عالية من المرونة والديناميكية في اتخاذ القرارات والحلول المناسبة لاحتواء تلك الأزمات.

استراتيجية ما بعد النفط
بدوره، قال الخبير الاقتصادي الدكتور كمال الوصال: عند النظر إلى قوة التداعيات التي أفرزتها أزمة تقلبات أسواق النفط العالمية، نجد أن الاقتصادات النفطية التي تمتلك مساحة كبيرة من التنويع الاقتصادي وتتمتع بوضع مالي سليم وقوي ستكون هي الأكثر قدرة على احتواء هذه الآثار التي طالت جميع القطاعات الاقتصادية في مختلف دول العالم.
وأوضح الوصال أن دولة الإمارات تأتي في صدارة الدول النفطية التي تتمتع باقتصاد أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على العائدات النفطية، وهو ما تعكسه المؤشرات والبيانات الاقتصادية التي تشير إلى انخفاض مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي للدولة إلى أقل من 30%، في حين تقود القطاعات غير النفطية النمو الحقيقي للاقتصاد، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من آثار التذبذبات الحادة لأسعار النفط بالأسواق العالمية، ويؤهلها لأن تكون الأسرع في استعادة التوازن المالي بين دول المنطقة التي تسجل عجوزات متباينة في موازناتها نتيجة تراجع الإيرادات النفطية الإجمالية لديها.
وأشار إلى أن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول النفطية في المنطقة التي اتجهت إلى خيار التنويع الاقتصادي كركيزة أساسية لاستدامة النمو، ووضعت استراتيجية مستقبلية لاقتصاد ما بعد النفط، الأمر الذي من شأنه أن يعزز من قدرات الاقتصاد على المحافظة على مكتسباته.
وأكد أهمية أن تتوسع عملية التنويع للتركيز على القطاعات الأقل انكشافاً على الأزمات العالمية، خاصة أن أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19» بينت العديد من القطاعات التي يمكن أن تشكل محركات مهمة للنمو في المستقبل.

الأوضاع المالية
وأكد الوصال أنه إلى جانب التنويع الاقتصادي تبرز قوة السلامة المالية لدولة الإمارات العربية المتحدة ودورها في ترسيخ قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الخارجية وامتصاص تداعياتها، خاصة مع امتلاك الدولة لمصدات مالية ضخمة، لافتاً إلى أن سلامة الوضع المالي لدولة الإمارات تتجسد في انخفاض نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك تدني نسبة الدين الخارجي إلى الناتج.
وأشار إلى أن المتانة المالية لدولة الإمارات لا تقتصر على صحة الوضع المالي فحسب، بل تمتد إلى قدرتها على الولوج إلى أسواق الائتمان العالمية في حال الحاجة إلى ذلك والحصول إلى السيولة التي تطلبها بأفضل الشروط والأسعار.

لاعب مؤثر في حركة التجارة العالمية
تمكنت دولة الإمارات خلال العقود الأخيرة من تسخير موقعها الجغرافي وإمكانياتها المادية والبشرية للتحول إلى محور مؤثر في حركة التجارة العالمية، ولتحل وفقاً لأحدث تقرير صادر عن منظمة التجارة العالمية المركز الـ 20 عالمياً لقائمة الدول المصدرة للسلع مكرسة مكانتها كأهم سوق للصادرات السلعية على مستوى دول الشرق الأوسط وأفريقيا. كما تبوأت المرتبة ذاتها في قائمة الدول المستوردة للسلع وبقيت محافظة على مكانتها كأهم سوق للصادرات والواردات السلعية على مستوى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والدول العربية.
وشكلت الصادرات السلعية للدولة التي بلغت 280 مليار دولار نحو 1.5 % من إجمالي صادرات العالم السلعية خلال عام 2019، فيما بلغت قيمة الواردات السلعية نحو 262 مليار دولار، شكلت نحو 1.4% من إجمالي الواردات السلعية على مستوى العام خلال العام الماضي.

الوضع المالي
وفقاً لمعهد التمويل الدولي، تمتلك دولة الإمارات خيارات متعددة لتعزيز الوضع المالي، واستدامة نموها الاقتصادي عند مستويات جيدة بالمقارنة بالاقتصادات النفطية الأخرى الأقل تنوعاً في المنطقة في حال استمرت أسعار النفط على انخفاضها لفترة أطول.
وأشار المعهد إلى أن اقتصاد الإمارات يعد الأكثر قدرة على امتصاص الهزات المالية والاقتصادية الخارجية، بفضل جهود التنويع وما تتمتع به الدولة من استقرار سياسي وبنية تحتية ممتازة ونظام مصرفي عالي الشفافية ومعزز تشريعياً. ونوه المعهد بنجاعة استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة، التي تعد الأسرع خليجياً منذ أكثر من عقد والتي أفرزت تراجعاً ملحوظاً في مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة، لتصل إلى أقل من 30%، مشيراً إلى أن التنوع الاقتصادي وجهود توسعة قاعدة النمو في الإمارات تخدم الاقتصاد بشكل لافت.