محمد المنى (دبي)

تشارك الجزائر في «إكسبو 2020 دبي» بجناح يستقبل زوار ومرتادي أعظم تظاهرة عالمية تشهدها المنطقة الجغرافية الكبرى التي تشمل قارةَ أفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط وجنوب آسيا.. بغرض جذبهم لاستكشاف معالم الجزائر وتاريخها وثقافتها تحت عنوان «رحلة عبر تراث الجزائر الغني» تتخللها رحلات وفق مواضيع التواصل والطاقة والماء والتنقل. وتماشياً مع الموضوع الرئيسي لـ«إكسبو 2020 دبي»، أي «تواصل العقول وصنع المستقبل»، تنتظم مكونات الجناح الجزائري حول فكرة التواصل بين الماضي والمستقبل، بين الشمال والجنوب، عبر جولة سينوغرافية تسلط الضوء على مناطق عدة في عمق الصحراء الجزائرية، وتنطلق في رحلتها عبر التاريخ من الموقع الأثري في «عين بوشريط» بالشمال الشرقي الجزائري، بما يعكسه من أصالة وعمق تاريخيين، وصولا إلى المستقبل مجسَّداً في المدينة الجديدة «بوغزول» المصممة وفق مفاهيم التنمية المستدامة ورهاناتها الكبرى في مجالات البيئة والطاقة والماء والتنقل والاتصال. 
وعلى ضوء معطيات الجغرافيا الاقتصادية الإقليمية والقارية الراهنة، تعدُّ الجزائرُ البلدَ الأول أفريقياً وعربياً ومتوسطياً من حيث المساحة، كما أنها ثاني أكبر بلد نفطي في قارة أفريقيا، وتاسع بلد في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي لديها. وعلى أرضية هذه المعطيات الجيواقتصادية الكبرى، ظلت صادرات الطاقة العمود الفقري لاقتصاد الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث مثّل النفط والغاز الطبيعي المسال نحو 97% من مداخيل الخزينة العامة للدولة الجزائرية من العملة الصعبة، وبالتالي كان لهما التأثير المباشر على التوازنات المالية والاقتصادية للبلاد. لكن السياسات الاقتصادية الجزائرية بدأت منذ أعوام عدة تضع كهدف لها تنويعَ الاقتصاد وزيادة حصص القطاعات غير النفطية في الهيكل القطاعي لاقتصاد البلاد وناتجها المحلي الإجمالي، مما دفع نحو الأخذ بسياسات التنمية المستدامة في مجالات الطاقة والبيئة والزراعة والمياه والتنقل والاتصالات. 

واتضح أن الاعتماد كلياً على الطاقة الأحفورية يساهم في الإخلال بالتوازن الاقتصادي وفي إلحاق الضرر بالبيئة الطبيعية للإنسان، لذلك بدأت الطاقات البديلة أو المتجددة تطرح نفسها كخيار لا مفر منه، كما أصبحت تَلقى اهتماماً كبيراً من الحكومة والمجتمع الجزائريين، لاسيما أن الجزائر تتوافر على المقومات الضرورية لاستخدام وتطوير هذه الطاقات كبديل للبترول والغاز غير القابلين للتجدد. وبدأت الجزائر العملَ بالفعل على استغلال الطاقات المتجددة، لاسيما طاقة الشمس وطاقة الرياح، وبدأت إنجاز مشاريع للطاقة النظيفة لتزويد بعض القرى المعزولة بالكهرباء، وكانت خطوتها الأولى في هذا المجال عام 2011 حين أنشأت المحطةَ الهجينة لتوليد الكهرباء في «حاسي الرمل»، لتتبعتها بإنشاء 33 محطة، في مناطق مختلفة من البلاد، لتوليد الطاقة المتجددة وللإسهام في تغطية الطلب الوطني على الطاقة الكهربائية. كما أنشأت الجزائر برنامجاً وطنياً ينصب فيه الاهتمام على تنمية الطاقة القائمة على الخلايا الكهروضوئية والطاقة الشمسية المركَّزة وطاقة الرياح. ويعد الجنوب الجزائري بيئة جد مناسبة لاحتضان مشاريع الطاقة الشمية وطاقة الرياح، لتوفره على كميات هائلة من أشعة الشمس وعلى رياح تصل سرعتها في تمراست على سبيل المثال إلى 8 أمتار في الثانية. 
وتمثل الاستجابة للطلب المتزايد على المياه أحد التحديات الرئيسية بالنسبة لكثير من بلدان العالم، وهو طلب يُعزَى أساساً إلى النمو السكاني الكبير، والهجرة من الريف إلى الحضر، وتوسع الأنشطة الصناعية والزراعية، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب الناتجة عن أنابيب شبكات التوزيع القديمة. ولمواجهة أي عجز مائي محتمل عملت الجزائر على تحديث خرائط المياه الجوفية وأهم بحيراتها في البلاد، كما اهتمت بإنشاء وصيانة السدود بغية تعظيم الإفادة من مياه الأمطار، إلى جانب اعتماد أساليب التحلية الموفِّرة للطاقة من خلال اعتماد وتطوير تقنية «التناضح العكسي» الذي يرسل الماء المضغوط عبر سلسلة من الأغشية تتطلب ضغطاً أقل وبالتالي تستهلك طاقةً أقل. كما عملت الجزائر على إعادة الاعتبار إلى النظم التقليدية لنقل ومشاركة المياه، مثل نظام «الفقارة» بوصفه أحد أنظمة الري القديمة التي تنقل الماء من مكامنه الجوفية إلى السطح.. وهي طريقة يعود استخدامها إلى ألفي عام قبل الآن، وتشتمل على وجود سدود وقنوات صغيرة لتوزيع المياه على عدد كبير من الحقول والحدائق. وهذا إلى جانب تقنية الري بالرش المحوري، وهي إحدى أكثر تقنيات الري الزراعي حداثةً واستدامةً. 


ويؤكد الجناح الجزائري من خلال الرسالة، الضمنية والصريحة معاً، في معروضاته وتصاميمه على أن «الجزائر متصلة بالعالم» ومندمجة بإيجابية في تفاعلاته الخلاقة، ومن مؤشرات ذلك إطلاقها عمليةً طموحةً لتطوير أنظمة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وتعزيزها في مختلف المجالات، عبر تبنّيها برنامجاً فضائياً وطنياً بقيادة وكالة الفضاء الجزائرية التي تشكل الأداة الرئيسية لتنفيذ وتصميم السياسة الوطنية لترقية وتطوير النشاط الفضائي في الجزائر. وعلى مدى العقدين الماضيين أصبحت الجزائر ضمن البلدان الأفريقية الأكثر كفاءةً في مجال الفضاء والاتصالات، وذلك بفضل إطلاقها ستة أقمار اصطناعية للرصد الأرضي والبث التلفزيوني واتصالات الهاتف والإنترنت. وقد باتت البنية الاتصالية الجزائرية جزءاً من المنظومة التنموية الوطنية ككل. 
 وتجسيداً لفكرة منطقة «التنقل»، حيث يقع الجناح الجزائري في «إكسبو 2020»، تم اختيار موضوع الرحلة من جنوب الجزائر إلى شمالها بواسطة «الطريق العابر للصحراء»، وهو مشروع تنموي بدأ في ستينيات القرن الماضي بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتنشيط التجارة البينية، وقد ساهمت الجزائر في إنجاحه بالتنسيق مع خمس دول أفريقية أخرى (تونس، النيجر، مالي، التشاد، ونيجيريا). ويبدأ الطريق الذي يبلغ طوله 4800 كم من الجزائر العاصمة وينتهي عند مدينة لاغوس النيجيرية. لكن الطريق يعبر التراب الجزائري كله من الشمال إلى الجنوب، حيث تأخذ في الجناح الجزائري بـ«أكسبو 2020» كلُّ رحلة في الطريق تسميتَها الرمزيةَ ذات الدلالة والمعنى؛ ومنها تمراست التي تمثل «رحلة التواصل»، مروراً بمنطقة عين صالح التي تجسد «رحلة الطاقة»، ثم مدينة غرداية التي ترمز لـ«رحلة الماء»، وبعدها مدينة بوغزول الجديدة التي تجسد النظرة المستقبلية كمدينة ذكية قائمة على فكرتي الابتكار والاستدامة في مجالات الطاقة والماء والتنقل.. وصولاً إلى الجزائر العاصمة كنقطة للقاء، حيث تضح خريطة الإمكانات السياحية والثقافية والبشرية والتنموية للجزائر ككل، وما تزخر به من فرص الاستثمار والشراكة في عالم الاقتصاد والأعمال.

العراقة والحداثة
في الجزائر تتعايش العراقة والحداثة في انسجام ووئام تامين، وهو التعايش الذي حاول جناحُها في «إكسبو 2020 دبي» ترجمتَه، فجاء تصميمه الخارجي مستوحىً من تراثها العميق وهندستها المعمارية المميزة، فكان قريباً من الطراز الهندسي لمدينة القصبة العتيقة، وهي واحدة من المدن التاريخية التي اتصفت تصاميمها الهندسية بمرونة التكيف مع المعطيات المناخية المتغيرة، أي باعتماد أساليب الاستدامة قبل أن يعرف العالم وعياً بيئياً ومناخياً استدعى منه الابتكارات الجديدة لصالح الاستدامة والمستقبل. وهذا ما توضحه الرحلة عبر باقي التراث الغني لجزائر الماضي والحاضر والمستقبل، أي من «عين بوشريط» إلى «بوغزول».

المؤثرات
تمتلك الجزائر تاريخاً غنياً تفاعلت فيه المؤثرات الأفريقية والمتوسطية والشرقية، وعرفت خلاله العديد من الإمبراطوريات والدول والحضارات، بما فيها حكم النوميديين والفينيقيين والبونيقيين والرومان والوندال ثم البيزنطيين.. ثم الأمويين والعباسيين والأدارسة والأغالبة والرستميين والزيريين والحماديين والمرابطين والموحدين والحفصيين والعثمانيين، وصولاً إلى مرحلة الاحتلال الفرنسي بدايةً من ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وفي مرحلة ما قبل التاريخ، كانت الجزائر - بوصفها جزءاً أصيلا من أفريقيا- موطناً للإنسان القديم الذي نشأ واستوطن في القارة السمراء لينتشر منها نحو باقي مناطق وقارات العالم الأخرى. وتُعد «عين بوشريط» في ولاية صطيف شمال شرق الجزائر إحدى المستوطنات البشرية الأولى في العالم، حيث كشفت عمليات التنقيب من قبل علماء آثار المركز الوطني الجزائري للبحوث، في عام 2018، وجود عظام وأدوات يعود عمرها إلى 24 مليون سنة خلت. واعتباراً لأهميته التاريخية فقد قررت الحكومة الجزائرية رسمياً فرض الحماية القانونية على موقع «عين بوشريط»، لكي ينضم إلى مواقع جزائرية أخرى مصنّفة لدى «اليونسكو» بوصفها مواقع أثرية تاريخية عالمية، مثل تيمقاد وجميلة وقلعة بني حماد وطاسيلي ناجر وقصبة الجزائر ووادي مزاب وتيبازة.