نوف الموسى (دبي)

تمثل الخيوط الخارجية للكتلة المعمارية، لبوابة الجناح الفنلندي في «إكسبو 2020»، حساً رفيعاً لإسقاط قماش «الخيمة العربية»، بشكلها الدرامي، كأنها ستارة العروض المسرحية، تسدل نفسها بخفة قرب الضوء، معلنة سيمفونية «الألف ليلة وليلة»، ولكن هذه المرة في جوف قطعة ثلج كبيرة، مليئة بالخشب القادر على أن يمتص الصمت، ويذيبه بتلاشٍ رهيف، محدثاً فعل رحيل الجليد في عوالم الزمن ودوامة حركة الفصول اللانهائية، فلا شيء فيها يبقى، سوى تلك الذرات البيضاء الهائمة، التي لا بد من أن تعود لدورة ولادة الثلج مرة أخرى، لتُلهم شعور «الوهج» الطاغي نحو كل ما هو بارد، على إحساس أهل الخليج، ومن يقطنون على أرضها في وسط الصحراء.
المناخ الجغرافي، إنما هو ثقافة خاصة، ينتج من خلالها الإنسان معرفته وأدواته الإبداعية، لتشكيل هويته، القادرة على ابتكار طرق اتصاله مع الكون والعالم، فهل يا تُرى استشف الفلنديون بدورهم، سحر رمال الصحراء الممتدة غرباً في دولة الإمارات، إلى بحرها المالح نحو الشمال، وصولاً إلى الافتنان بالجبال في المناطق الشرقية، بينما يتشاركون مناخها الحار نسبياً في الصيف، والمعتدل في الشتاء، في أول معرض للحدث العالمي في منطقة الشرق الأوسط، وهو استدلال يطرح من جهته، سؤالاً جوهرياً في كيفية الاستفادة الفعلية من تجربة فنلندا في ما يطلقون عليه بـ «فنون تصميم الثلج والجليد» عبر منهجية هندسة البيئة الباردة، عبر دراسة خصائص المكان الثقافية والاجتماعية، بناءً على طبيعة «المستخدم» للبيئة المصممة، وطبيعة الخدمة المقدمة في الفضاء المصمم، القائم على دراسة الطرق التفاعلية مع الفنون البيئة والمجتمعية، من خلال ربطها بأحدث المعلومات التقنية، ضمن أبحاث ودراسات علمية لمؤسسات تعليمية. 

إحداث التوازن البيئي
تستمر مختلف الهيئات والمراكز البحثية، في توثيق حضور الجليد وأهميته في إبقاء العديد من الكائنات الحيّة، ودوره في إحداث التوازن البيئي، ما يتطلب التفكير، في وسائط جديدة للمساهمة في خلق علاقة صحية بين سكان كوكب الأرض والجليد، واللافت في التجربة الفلندية، أنهم يمتلكون بعداً فنياً، في تشكيل فضاءات الجليد في الحياة اليومية للأشخاص، بأبعادها الجمالية والمعرفية، الداعمة للتجربة الفردية نحو الطبيعة، المتضمنة للحس الترفيهي والسياحي.
وتمتلك الإمارات، وتحديداً مدينة دبي، نموذجاً للتعاون في مجال تصميم بيئات الثلج، أو ما يدعى بـ «فنون الشتاء»، وهي التجربة الناجحة لـ مشروع «سكي دبي» في مول الإمارات، والذي تم تنفيذه من قبل خمسة طلاب تصميم، كانوا وقتها يدرسون درجة الماجستير في جامعة لابلاند الفنلندية، وهم: Farnaz Roudsari، Linus Schaaf، Roupen Bastadjian، Titta Jylkäs، Vaibhav Belgaonkar، مقدمين نموذجاً لتصميم مفاهيمي، حول الممارسات التشاركية في تخطيط المحتوى، والتنفيذ العملي لبناء بيئات الفن الشتوية، ممثلاً المشروع احتفاء بتقنيات البناء الجديدة للثلج والجليد، والبيئات التفاعلية وتصميم الإضاءة عبر «Lapland Snow Design»، وهو بمثابة مشروع يقوم على دمج خبرة الفن والتصميم في جامعة لابلاند كلية الفنون والتصميم مع «هندسة المناخ البارد» في جامعة لابلاند للعلوم التطبيقية، وذلك بالتعاون مع المؤسسات البحثية والتعليمية، لتطوير حلول التصميم الجديدة وطرق البناء بشكل منهجي، وشركات إنشاءات الثلج والجليد، للمشاركة بخبرة متخصصة في بناء هياكل الثلج والجليد. 

إبداعات فنية
ما هي حاجتنا الفعلية من قراءة تجربة «Lapland Snow Design»، إبان تأملنا لحضور الجناح الفنلندي في «إكسبو 2020»، السبب الفعلي هو أن الحدث يركز بشكل استثنائي على تعميق العلاقة بين الإنسان والطبيعة، من خلال ابتكارات علمية مستقبلية، وإبداعات فنية حاضرة، وبالنسبة لـ «فن التصميم»، وكما أكد القائمون على مشروع «Lapland Snow Design»، وذلك من خلال إصدارهم مقالات توثق أبعاد المشروع وأهدافه وآلية سير عملهم على تصميم البيئات الثلجية، وأوجه التعاون في المجال، والذي انطلق بتمويل من الصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية (ERDF)، بأن ميزة التصميم الوظيفي وطرق البناء الفعالة وتحسين المواد يؤدي إلى انخفاض كبير في تكاليف الطاقة أثناء نقل الإنشاءات، إضافة إلى أن تصميم الثلج، النابع من الفعل الفني للمنطقة المحلية، يُحسن من حركة النشاط المجتمعي، ويخلق نقاط التقاء ثقافي، من شأنها أن تساهم في ازدهار التنامي المعرفي والاشتغال السياحي، وفي هذا الصدد، يعرف لنا الفنان والمصمم البصري Antti-Jussi Yliharju، من يستخدم بشكل أساسي الثلج والجليد والخشب والمواد الطبيعية الأخرى في أعماله الخاصة بالموقع، وله اهتمام كبير بالزراعة المستدامة، مدير مشروع في «Lapland Snow Design»: «الثلج عبارة عن تراكم لبلورات الثلج المعبأة. يمكن تكديسها ومن خلال تطبيق الضغط يمكن تشكيلها في منحوتات أو مبانٍ أو بيئات مكانية كاملة. يمكن التفكير في هذه البيئات المؤقتة، كنوع من المجتمعات سريعة الزوال التي تنشأ لموسم الشتاء وتذوب عندما يحل الربيع، هذه الخاصية المؤقتة للبيئات الثلجية والجليدية تجعلها موضوعاً رائعاً لاستكشاف التصميم»، وأضاف كيف أن الثلج يعتبر مرادفاً لمنطقة القطب الشمالي وجزءاً من ثقافات الشعوب الشمالية، لذلك، يمكن للمرء أن يجادل في أن الماء في حالته الصلبة هو أكثر مادة تصميم القطب الشمالي تميزاً. 

فن الشتاء وتقاليد الشرق
أرجع البروفيسور تيمو جوكيلا، عميد كلية الفنون والتصميم في جامعة لابلاند ومدير معهد الثقافة الشمالية لاتحاد جامعة لابلاند، ويعمل أستاذاً للتربية الفنية في جامعة لابلاند، وهو فنان بيئي، وغالباً ما يستخدم المواد الطبيعية أو الخشب أو الثلج أو الجليد أو التراث الثقافي المحلي كنقطة انطلاق لأعماله، ومدير مشروع في «Lapland Snow Design»، فن الشتاء إلى تقاليد الشرق، مثلاً دفعت طقوس «Zen-Shinto» اليابانية، من خلال احترامها للحظات دخول فصل الشتاء عبر أعمال ثلجية، وكذلك تحول الاحتفال الكوري والصيني بالمنحوتات الجليدية إلى احتفالات حديثة لمهرجان فن الثلج والجليد النهاري المنتشرة في مختلف دول العالم، وبذلك جعلت أحداث الشتاء من «الفن الشتوي» معروفاً جزئياً، إلا أنها لها بعد غير صحي، في أن تلك الاحتفاليات عزلت بين الطبيعة وروح المجتمع، ما جعلهم في «Lapland Snow Design» يفكرون بتصميمات فنية تأخذ بالاعتبار الفن الخاص بالمكان، ويمكن أن يكون له صلة وثيقة بالأنشطة الفنية المجتمعية الشاملة، من مثل الأنشطة الفنية المتعلقة بثقافة «Lappish»، والعائدة إلى «ابّي (Lappi) بلغة السامي، منطقة جغرافية ثقافية تقطنها قومية السامي، وهي موجود في شمال أوروبا، مقسمة بين المناطق الشمالية لكل من النرويج، والسويد، وفنلندا، وشبه جزيرة كولا، وروسيا». 

تصدير تصميمات الثلج
فيما يتعلق بمشروع «سكي دبي» وعملية تصدير تصميمات الثلج إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث تم تنفيذ مشروع «سكي دبي» من «Lapland Snow Design» بالتعاون مع «SnowKemi»، أوضح القائمون في «Lapland Snow Design» على أحد  التحديات، وهو مسألة إيجاد نهج يربط بين الثقافتين المتميزتين، فالثلج مادة غريبة بالنسبة للشخص العادي الذي يعيش في دولة الإمارات، مثلما هي الكثبان الرملية بالنسبة لشخص من الشمال الفنلندي، ما جعلهم يشرعون في البحث الثقافي للموقع، من أجل فهم السياق الثقافي والقدرة على تقديم حل مناسب لهذه البيئة المحددة، وكان هذا ضرورياً لإنشاء تصميم وظيفي خاص بالمكان، وخلال العملية، أدركوا وجود علاقة بصرية قوية بين أشكال رقاقات الثلج، وصناعة الأنماط الهندسية الإسلامية، والخط الكوفي العربي، ما جعلهم يركزون على جعل الأشكال أكثر دراية للمستخدم، معتقدين أن الارتباط الرمزي ببيئة جديدة عديمة الخبرة من شأنه أن يساعد الزائر على الارتباط بها وتكوين روابط عاطفية، معتبرين أن مشروع «سكي دبي» سمح بإنتاج بيئات واسعة النطاق بالتعاون مع شركاء خارجيين، وهذا يتطلب تصميماً دقيقاً لأنواع جديدة من أساليب العمل والاستراتيجيات ونماذج التصميم، واستندت جميع أنشطة المشروع إلى التعاون بين طلاب الدرجات العلمية والتبادل الدولي للمؤسسات التعليمية وشركاء المشروع.