محمد المنى (دبي)

 اليوم الاثنين في إكسبو 2020 دبي، سيبتسم زوار ومرتادو المعرض الدولي الأكبر من نوعه في العالم، وهم يتابعون احتفال غامبيا، أو «ساحل أفريقيا المبتسم»، بيومها الوطني في إكسبو 2020. ففي منطقة «التنقل» من إكسبو سيقدّم هذا البلد الأفريقي الصغير في مساحته، الكبير بإرادته وآماله وطموحاته، ما له من تاريخ وتراث وإنجازات وإمكانات ورؤى مستقبلية. وستكون الحكومات والشركات والمستثمرون ومحبو الاستكشاف والمغامرة، على موعد مع بلد حافل بفرص الاستثمار والتطوير والمتعة. فغامبيا الواقعة في غرب القارة الأفريقية، ورغم ما يطبعها من هدوء وسكينة، هي أحد البلدان الأكثر حيوية وتحفزاً للنمو والازدهار وتوقاً إلى جديد مجالات السياحة والاستثمار والطاقة والنقل والبنية التحتية. ومنذ بداية العام الجاري زادت الوكالات السياحية في العاصمة الغامبية بانجول من عروضها على الحجوزات وتذاكر السفر والفنادق للمسافرين بين غامبيا والإمارات لزيارة إكسبو 2020 دبي، مما يعكس حيوية الاقتصاد الغامبي وتطلّع الغامبيين إلى مستقبل أكثر نماء وازدهاراً.  
تمثل غامبيا جيباً برياً تحيط به الأراضي السنغالية من ثلاث جهات، ويطل على المحيط الأطلسي من الجهة الرابعة، ويخترقه نهر غامبيا الذي يصب في المحيط، والذي أخذت منه البلادُ اسمَها قبل قرون. 

وتطرق المستكشف القرطاجي «هانو» إلى ذكر غامبيا في ما كتبه عن رحلاته خلال الثلث الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد. كما يذكر المؤرخون أن قبائل الولوف والمالينكي والفُلَّان بدأت تفد على غامبيا في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي لتستوطن سهولها وفي مناطق حواف نهرها. وفي القرن التالي غدت غامبيا جزءاً من إمبراطورية مالي الإسلامية. أما الأوروبيون ممثلين في البرتغاليين فقد وصولوا إلى غامبيا لأول مرة في عام 1455، ثم أقام البريطانيون والفرنسيون في القرن السابع عشر مراكز تجارية صغيرة على النهر، قبل أن تؤول السيطرة إلى بريطانيا بموجب معاهدة فرساي عام 1783. وظلت غامبيا مستعمرةً تابعة للتاج البريطاني حتى نيلها الاستقلال عن المملكة المتحدة في عام 1965.
وعلى مدى العقود الماضية استطاعت غامبيا، رغم موقعها ومحدودية مواردها وثرواتها الطبيعية، بناءَ اقتصاد حيوي ومتنوع، يمثل قطاع السياحة نسبة 49 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي، وقطاع الزراعة 30 في المئة، وقطاع الخدمات 19 في المئة وقطاع الصناعة 12 في المئة.   
وتتصدر غامبيا منذ زمن طويل لائحة وجهات السفر الرئيسية التي يحب زيارتَها السياحُ القادمون إلى أفريقيا، فهي بموقعها و مناخها وأوضاعها العامة الهادئة، واحدة من أكثر المناطق جذباً للسياح في منطقة الغرب الأفريقي. 
ويمثل المحيط بالنسبة لغامبيا الانفتاحَ على العالم وعلاقات التجارة الخارجية مع دوله، حيث يعمل ميناء بانجول مزوداً رئيسياً للبلاد ولبعض بلدان الجوار بالبضائع والسلع المصنّعة والمستوردة. كما يمثل الساحل الأطلسي بطوله البالغ 80 كيلومتراً السياحة التي يتركز أغلبها في المناطق المطلة على البحر، بما فيها العاصمة بانجول نفسها، حيث توجد الكثير من المنشآت والبنى التحتية السياحية، مثل الفنادق والشاليهات والمطاعم والاستراحات ومعارض الآثار والفنون والعديد من وسائل الراحة والاستجمام والترفيه التي يكثُر عليها الطلب من جانب السياح والزوار الأجانب. 

 وبدأت السياحة في غامبيا تزداد ازدهاراً منذ أواسط الستينيات، حيث استمر عدد السياح في التزايد على مر السنين، وبات القطاع السياحي مورداً رئيسياً لمداخيل الخزينة العامة للدولة من العملة الصعبة (بنحو 70 في المئة). كما أصبح القطاع السياحي يشغل ثلث القوى العاملة في البلاد، وترتفع هذه النسبة في فصل الشتاء لتقارب النصف.   والسياحة في غامبيا سياحة بيئية طبيعية في جانبها الأكبر، حيث يأتي السياح من ألمانيا وبريطانيا وأميركا وأستراليا والدول الاسكندنافية.. للاستمتاع بالشاطئ الغامبي شتاءً، ويأتون للاستمتاع أيضاً برحلات السفاري، أو لمراقبة هجرات الطيور النادرة.
كما يقوم كثير من الأميركيين بالسياحة الثقافية في غامبيا، حيث يأتون سنوياً في رحلات جماعية احتفاءً بشخصية أميركية أفريقية معروفة هي «كونتا كينتا» المولود في غامبيا، والذي صدر حوله كتاب عنوان «الجذور» (لحفيده أليكس هيلي)، ساهم في الترويج سياحياً لغامبيا، لاسيما بعد أن تحول إلى مسلسل تلفزيوني مشهور يتحدث عن الرق في أميركا. ولذا يأتي سنوياً أفواج من الأميركيين لزيارة الأماكن التي ولد وعاش فيها «كينتا» قبل اختطافه وبيعه عبداً في أميركا. وبالإضافة إلى ذلك ثمة بعض الأميركيين والبريطانيين، خاصة من المتقاعدين، ممن استهوتهم الحياة والبيئة الطبيعية في غامبيا، فاستقروا وعاشوا وأصبح لهم بيوت فيها. 
 وتجري في غامبيا التحضيرات والاستعدادات، البنيوية والتنظيمية واللوجستية، لاستضافة منظمة التعاون الإسلامي خلال العام القادم، مما سيساهم بقوة في تطوير القطاع السياحي وفي زيادة طاقته الاستيعابية مستقبلاً.   
 أما نهر غامبيا فيستقطب على ضفافه وفي حوضه معظم النشاط الزراعي في البلاد، حيث يساهم قطاع الزراعة بدور كبير في الحد من الفقر، ويمثل نسبة 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، وهو ثاني أكبر قطاع في الاقتصاد، ويشغّل حوالي 44 في المائة من قوة العمل النشطة.  

  ويتصدر الفول السوداني المحاصيل النقدية الغامبية بنسبة 80 في المئة من صادرات البلاد الخارجية ونسبة 5.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تمثل المحاصيل الأخرى مجتمعةً (مثل القطن والأرز وزيت النخيل) 8.3 في المئة. كما تمثل الثروة الحيوانية 4.4 في المئة، والصيد البحري 1.8 في المئة، وقطاع الغابات 0.5 في المئة، إضافة إلى التيتانيوم والقصدير كثروتين طبيعيتين مهمتين. 
 واهتمت غامبيا خلال السنوات والعقود الماضية باستكشاف واستخراج النفط والغاز الطبيعي، وذلك بهدف التوقف عن استيراد الوقود الأحفوري بحلول عام 2025، ووقعت عقود استكشاف واستخراج مع بعض الشركات، حيث بدأت الشركة النفطية الأسترالية «إف إيه آر» في عام 2018 حفر أول بئر بحرية غامبية منذ أربعين عاماً. وفي العام التالي وقّعت حكومة غامبيا اتفاقاً آخر مع «بي بي» البريطانية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية. 
 لكن في إطار التوجهات العامة لفلسفة التنمية المستدامة، أصبح تفكير غامبيا منصباً على البيئة ومواردها وتوازناتها الإيكولوجية الضرورية للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في بيئة نظيفة وموارد وفيرة. وفي هذا السياق بدأت غامبيا تهتم بوضع سياسات زراعية وبيئية جديدة، تُعنى بإدخال وتطوير تقنيات جديدة للري الزراعي تساعد على توفير المياه ومنع استنزافها، وباستقطاب الاستثمارات الخاصة في المجال الزراعي من أجل التوسع في القطاع وزيادة مخرجاته. وهكذا بدأت العمل على «إعادة التفكير» في الزراعة لمواجهة آثار التغير المناخي. وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، تحاول بانجول توطين استراتيجيات «الري الذكي مناخياً» بما يستجيب للاحتياجات المحلية، لاسيما أصحاب الحيازات الصغيرة من أجل تحسين إنتاجيتهم. وفي هذا ضمان للأمن الغذائي وللتخفيف من وطأة الفقر ولتحقيق الاستدامة البيئية.   
  وفيما يتصل بالبيئة، فقد كشف بحث جديد أجراه متتبعو الإجراءات المناخية، أن غامبيا من البلدان القلائل التي تسير على الطريق الصحيح نحو تلبية مستهدفات اتفاقية باريس المناخية، وأنها تتوافق في إجراءاتها الحكومية الرسمية، ومستهدفاته المدعومة دولياً، مع إبقاء الزيادات في متوسط درجة الحرارة العالمية أقل من 1.5 مقارنة بعصر ما قبل التصنيع. وعلى ضوء ذلك تعد غامبيا بلداً رائداً في مجال السياسات الخضراء، إذ طبّقت برنامجاً للطاقات المتجددة يتركز على الطاقة الشمسية، بغية زيادة قدرتها على إنتاج الطاقة المتجددة بإضافة 170 ميغاوات خلال الفترة بين عامي 2021 و2025، بتمويل مشترك من البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار.

هذه هي غامبيا على حقيقتها، بما حققته وما تطمح إلى تحقيقه.. والتي سيراها العالم من خلال جناحها في إكسبو 2020 دبي، الذي تشرف عليه لجنة حكومية برئاسة سفيرها في أبوظبي سعادة «سايبو تونكرا»، بالتعاون مع وزارتي «التجارة والصناعة» و«السياحة والثقافة» الغامبيتين وهيئة تطوير الاستثمار والتصدير الغامبية، وكل من مجلس السياحة في غامبيا وغرفة التجارة الغامبية. واليوم الاثنين 11 أكتوبر المخصص كيوم وطني لغامبيا في إكسبو، سيشهد عرضاً مميزاً يحضره وفد غامبي يضم وزراء ووكلاء ومديرين ومسؤولي قطاعات عدة، يتم خلاله تقديم فكرة وافية حول غامبيا، لاسيما في مجالات التنمية والسياحة والبيئة والطاقة والزراعة والبنية التحتية.. وكذلك حول رؤية غامبيا للمستقبل. وسيلقي الوفد الغامبي كلمات حول هذه الموضوعات. 
 وسيساهم وجود الجناح الغامبي في موقعه قرب المدخل الرئيسي لمنطقة التنقل، في جذب مزيد من الزوار والمستكشفين، لاسيما أنه يستخدم الملصقات والأفلام الوثائقية التي تصور الحياة في غامبيا، كما يحتضن فرقة فنية غامبية بقيادة الفنان الغامبي «جالي با كوياتيه» الشهير في أفريقيا وأوروبا وأميركا، والمعروف باستخدامه آلة «الكورا» الموسيقية ذات الـ21 وتراً. 
إنها غامبيا، ساحل أفريقيا المبتسم للمستقبل.. المنشغل بتحسين البنية التحتية وزيادة القدرة على التنقل، سعياً لإتاحة فرص متجددة ولزيادة الإنتاجية الزراعية، إلى جانب تحقيق الاستدامة في مجالات الطاقة والماء والغذاء والبيئة.