محمد المنى (دبي)

أخذت ساحل العاج، أو «كوت ديفوار» باللغة الفرنسية اسمها من مادة عاج الفيل التي كان التجار الأفارقة يجمعونها ويعرضونها للبيع على ساحلها الأطلسي للتجار الأوروبيين في بدايات العصر الصناعي الحديث. وفي أواسط القرن الماضي، ومباشرةً عقب نيلها الاستقلال عن فرنسا، انطلقت ساحل العاج في عالم العصرنة والتحديث والبناء الوطني، حتى عُرفت عاصمتُها الاقتصاديةُ آبيدجان باسم «باريس غرب أفريقيا». وكما كان من قراراتها المبكرة منع الاتجار بعاج الفيل وتجريم استخدامه، حفاظاً على حيوان الفيل من الانقراض، فهي تتطلع في الوقت الحالي إلى تغيير صورتها من مجرد بلد زراعي اشتهر بإنتاج وتصدير القهوة والكاكاو إلى بلد مساهم بقوة في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والسياحة والطاقات المتجددة.. أي الصورة التي يراهن جناحها في «إكسبو 2020 دبي» على تقديمها للعالم بأفضل الطرق وأكثرها جاذبية.
في أكتوبر من العام الماضي، أي قبل عام من موعد انطلاق «إكسبو 2020 دبي»، دشّن وزير التجارة والصناعة الإيفواري سليمان ديارسوبا، فعاليات الهيئة العامة المكلفة بالتحضير لمشاركة «كوت ديفوار» في المعرض الدولي الذي يُقام لأول مرة في المنطقة الكبيرة التي تشمل أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. وفي كلمته يومئذ شدد الوزير على الشعار الذي اتخذه إكسبو 2020 دبي عنواناً له، وهو «تواصل العقول وصنع المستقبل»، ودعا جميع الفاعلين الاقتصاديين والثقافيين للإسهام في إنجاح المشاركة الإيفوارية من أجل تحقيق رؤية الرئيس الحسن واتارا حول النهوض بساحل العاج من خلال التنمية الشاملة والمستدامة، والعمل على الاستفادة من الموارد والاستثمارات المالية الإسلامية كبديل للتمويلات البنكية التقليدية. وترَأَّسَ المفوضيةَ المعنيةَ باستقطاب وتسجيل الجهات العاجية المشاركة في «إكسبو 2020 دبي» إيسيس إيمانويل الذي هو أيضاً مدير «مركز تشجيع الاستثمارات» والوزير المسؤول عن النهوض بالقطاع الخاص. وكان إيمانويل ترأس الجناح الإيفواري في «إكسبو 2015 ميلانو»، حيث أحرز مع فريقه نجاحاً ملحوظاً أثار ارتياحاً رسمياً وشعبياً، ثم تم استدعاؤهم، العام الماضي، لإنشاء الجناح الإيفواري في «إكسبو 2020 دبي» والإشراف عليه طيلة الأشهر الستة للمعرض الدولي. وأصبح إيمانويل المسؤول الوحيد عن مشاركة بلاده، فوضع لفريقه هدفاً هو تعبئة وجمع ما لا يقل عن ملياري دولار كاستثمارات جديدة لتنفيذ سياسات الحكومة الإيفوارية الخاصة في مجال النهوض بالاقتصاد وتطوير البنى التحتية وزيادة التكامل الإقليمي.   
واختارت كوت ديفوار لجناحها شعار «ساحل العاج.. الطريق إلى أفريقيا جديدة»، وذلك لما تراه ياموسكرو في هذا المعرض العالمي الضخم من أهمية لها ولقارتها السمراء، كي تعرض لملايين الزوار ما لديها من إمكانيات هائلة، بما في ذلك إنجازاتها وابتكاراتها وما تزخر به من فرص اقتصادية وتقاليد ثقافية وفنية واجتماعية مذهلة، ومن موروثات حضارية وموارد سياحية متنوعة.. وكل ذلك لتوسيع الآفاق المستقبلية ولزيادة الفرص الاقتصادية ولتبادل الأفكار الملهمة من أجل مواجهة التحديات وتحفيز طاقات التغيير الإيجابي والخلاق. ويفتح إكسبو دبي 2020 لدول العالم كله، بما فيها الدول الأفريقية، أسواقاً جديدةً وفرصاً لا تضاهى في الوصول إلى جمهور عالمي واسع وأسواق بامتداد الكرة الأرضية، وللحصول على استثمارات وتشكيل شراكات جديدة من شأنها تنشيط اقتصاداتها وتحسين نوعية الحياة فيها. وللمرة الأولى في تاريخ إكسبو الدولي الممتد منذ 170 عاماً تشارك كل دولة أفريقية بجناحها الخاص. كما يشارك الاتحاد الأفريقي نفسه بجناح خاص في إكسبو 2020 دبي، مسلِّطاً الضوء على إمكانيات القارة وطموحاتها الهائلة في مجالات الزراعة والنقل والطاقة والعلم والتقنية والسياحة والصحة العامة. وباختصار فإن رهان أفريقيا، بما فيها ساحل العاج، في إكسبو 2020 دبي، هو تغيير الصورة وجذب الاستثمار دعماً لسياسات وخطط التنمية المستدامة.

الميْكنة
هيمن القطاع الزراعي تاريخياً على اقتصاد ساحل العاج، بفضل مناخها الاستوائي الحار والرطب، ثم ترسخت هيمنته مجدداً بعد دخول الميْكنة، بداية من مطلع القرن العشرين والانتقال نحو مرحلة التصدير الواسع، حيث باتت المحاصيل النقدية بمثابة القاعدة الرئيسة لاقتصاد البلاد، ما أسهم في الازدهار القوي الذي حققته خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، حين أصبحت درّةَ التاج في عملية التطور والتحديث والعصرنة على امتداد منطقة أفريقيا الغربية الفرنسية. ورغم أهمية القطاع الزراعي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لساحل العاج، حيث ظل يشغل حوالي 70 في المئة من القوة العاملة فيها، فقد سعت إلى تغيير الصورة وتنويع الاقتصاد وتوسيع القطاع الصناعي لتصل مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي نحو 20٪ حالياً، وذلك بفضل الاستثمارات الأجنبية في القطاع، وعلى رأسها الاستثمارات الفرنسية والأوروبية الأخرى. 
وقد تعثّرت مسيرة التطور العاجي بدايةً من أواخر الثمانينيات بسبب الزيادة الكبيرة في النمو السكاني ثم نتيجة للاضطرابات التي عرفتها البلاد في مطلع الألفية. لكن النخبة العاجية استطاعت إخراج بلادها من نفق الحرب الأهلية، لكي تستأنف مسيرة نموها الاقتصادي، إذ شهدت أحد أقوى وأسرع معدلات النمو في العالم، خلال الفترة بين عامي 2012 و2019، وبلغ معدل نموها 8.2 ٪ سنوياً، ما جعلها تساهم بثلث الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، كما أصبحت أغنى دولة في منطقة الغرب الإفريقي ككل، بمتوسط نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي يصل 2286 دولاراً في نهاية عام 2019، متقدمةً على كل من نيجيريا الغنية بالنفط وغانا الغنية بالنفط والذهب أيضاً.

بنية تحتية
تتمتع ساحل العاج ببنية تحتية متطورة نسبياً، من طرق وموانئ ومطارات، إضافة إلى شبكات مياه وكهرباء وهاتف واتصال بالإنترنت.. كما أن ميناءها الرئيس في آبيدجان (العاصمة الاقتصادية) يعد أكثر موانئ المنطقة نشاطاً وأفضلها تجهيزاً. 
وتعطي خطة الاستثمار الحكومية العاجية أولويةً للاستثمار في رأس المال البشري، وتخصص إنفاقاً كبيراً على البنية التحتية اللازمة لاستدامة النمو، لاسيما في مجالات مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والطاقة المتجددة، على أمل أن يقوم القطاع الخاص بتغطية التكاليف والاحتياجات الاستثمارية في هذه الحقول، دون أي تدخل حكومي مباشر. ومتسلحاً بهذا الأمل، يخوض جناح ساحل العاج في إكسبو 2020 دبي معركة التعريف بالبلاد وبما تقدمه للمستثمرين من فرص استثمارية واعدة ومتنوعة وكثيرة للغاية.   
وفي إكسبو 2020 دبي حصلت ساحل العاج على موقع جيد ومناسب في منطقة التنقل، أقامت عليه جناحها الخاص في مساحة تناهز 500 متر مربع، وفي مبنى مكوّن من طابقين تم تصميمه من الداخل والخارج وفق الأشكال والألوان والتقاليد الأفريقية العاجية الأصيلة، بحيث تكون كوت ديفوار من خلاله قادرةً على تقديم نفسها للعالم، إن من خلال تاريخها وفنونها وقيمها في مختلف المجالات والحقول، أو من خلال ما أنجزته منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960 كأنشط اقتصاد في منطقة غرب أفريقيا، أو من خلال ما تطمح إليه من آفاق ومستهدَفات مستقبلية. وتتطلع كوت ديفوار بشغف إلى تجاوز النظرة التي صنفتها دائماً كاقتصاد قائم على زراعة وتصدير البن والكاكاو والأناناس، إلى وضع اسمها على خارطة التصنيع والاتصالات والنقل والسياحة وتقنية المعلومات والطاقة البديلة والبنية التحتية. كما تتبنى مشروعاً طموحاً يهدف إلى تعزيز عملية التكامل الإقليمي والاندماج في نظام التجارة متعدد الأطراف، لتأكيد دورها كمحور اقتصادي وقاطرة للتنمية والتقدم في منطقة غرب أفريقيا. وهي التوجهات التي سيضطلع جناح ساحل العاج في إكسبو 2020 دبي بشرحها وتعريف العالمَ بها، فضلاً عن بيان الفرص التجارية والاستثمارية الكثيرة والمتنوعة في بلاد الشوكولاتة والبندق والكاكاو.