نوف الموسى (دبي)  

الانطلاق من سؤال «إكسبو 2020» حول الأنظمة العلمية والبيئية والمعمارية، بأبعادها المعرفية والثقافية والاجتماعية، ساهم بشكل استثنائي، في تنوع إبداعات أجنحة الدول المشاركة من مختلفة بلدان العالم، التي قام معظمها على مبدأ «الاستدامة»، من خلال قدرة كُل مبنى على إنتاج طاقته الحيوية، لذلك فإن التجوال في المساحات الداخلية للأجنحة، يتطلب عادةً، إدراك ماهية الربط لتشكيل المعماري والاكتفاء الذاتي للاحتياجات الرئيسية من توليد الكهرباء ودائرة التهوية الطبيعية، خاصةً أن ميزة «إكسبو 2020»، أنه يشكل معرضاً مفتوحاً لزوار عامة، لقراءة تلك التفاصيل كجزء من الأهداف الرئيسية نحو المساهمة في الوعي البيئي والمناخي، بل يحمل الزائر العادي مسؤولية المشاركة في بناء نماذج صحية، تكفل تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والطبيعة، بعد أن كانت حصراً على المتخصصين والمهندسين والباحثين العلمين، وأبرز تلك المشاركات المعرفية، هي إمكانية البحث عن «اللون الأخضر»، المنساب على أرضية الجناح الإيطالي، ضمن البرك المفتوحة المضيئة، المتصلة بين بعضها البعض، يشهدها الزائر تتحرك بدافع من مضخات هوائية، مشكلةً نوافير صغيرة جداً ممتلئة بذاتها، كما هي الانفجارات البركانية الصغيرة، وتظهر على أثرها فقعات ورغوة بيضاء على السطح، وقد يُعتقد في الوهلة الأولى، بأنها عنصر معماري لإضفاء حركة نوعية ضمن أجواء التصميم الداخلي للمبنى، إلى أن يصل الزائر أثناء سيره إلى غرفة تحيطها جدران زجاجية شفافة، تقع في زاوية الجانب المقابل للبحيرات الخضراء، تمثل مركزاً ومختبراً بحثياً، يحتوى على أجهزة متابعة وقياس دقيقة، تجلس فيها ميشيلا ألتيا، مديرة موقع وعالمة أحياء، في شركة «Tolo Green»، من تفاجئ الجمهور وتُطلع رواد الجناح بأن أبعاد «اللون الأخضر»، عبارة عن كتلة حيوية مستخرجة من «البكتريا الزرقاء»، يعتمد مبنى الجناح الإيطالي عليها للحصول على نسبة من «الأكسجين»، من خلال أنها تقوم بعملية التحويل من ثاني أكسيد الكربون الناتج من تنفس رواد الجناح، ممثلةً طحالب دقيقة يطلق عليها «السبيرولينا».

تتابع عالمة الأحياء ميشيلا ألتيا، بشرح برنامجها اليومي، طوال الـ 6 أشهر القادمة، ضمن فعاليات «إكسبو 2020»، وهي متابعة تطوير هذه التكنولوجيا المبتكرة والقابلة للاستبدال في 5 أحواض كبيرة ومفتوحة، تم فيها زراعة أنواع من الأعشاب البحرية، أبرزها «سبيرولينا» ، إلى جانب «دونالييلا»، و«هيماتوكوكوس»، حيث يقومون بإجراء اختبارات كيميائية، ومتابعة للطحالب الدقيقة بشكل يومي، وصولاً إلى المنتج النهائي: أكياس صغيرة من الطحالب الدقيقة، وبملاحظة مصابيح البناء الضوئي المصممة خصيصًا للتجربة العلمية، فإنها ستجعل الطحالب الدقيقة تنفجر، على الرغم من أنها في بيئة تشعيع منخفضة: المقصود به مستوى التعرض للإشعاع، وجميعها تصب في الهدف العام من إنشاء مبنى الجناح الإيطالي، لتوفير أفضل مكونات البناء والمصانع والتكنولوجية والسينوغرافية، القادرة على إظهار المهارات الأكثر ابتكاراً للعمل في مجال الاستدامة، وبالأخص في ما يسمى بـ «الاقتصاد الدائري»، في «العمارة الرقمية».
يعتبر «الاقتصاد الدائري، نظاماً اقتصادياً يهدف إلى القضاء على الهدر والحفاظ على الموارد وتحسين إنتاجيتها». وأوضحت ميشيلا ألتيا، كيف أن العمل في إكسبو 2020، يبدو استثنائياً، في أنك تلاحظ العالم وهم يتجولون للبحث عن أثر حضورهم في كل جناح، وبالنسبة لها، فإن مشاركتها في الحدث العالمي، أضفى حالة من الاكتشاف والتعرف على ثقافات علمية مختلفة، والأهم من ذلك بدأ طرح الأسئلة، ومحاولة الاستفادة القصوى من أبرز الابتكارات التقنية، ومحاولة نقلها إلى مستوى مختلف، مثلما ما يفعلوه الفريق الفني في المختبر فإنهم ينقلون ما لا يمكن مشاهدته بالعين المجردة، وتحديداً البكتريا الدقيقة إلى عوالم معمارية، وبذلك يهدون الزوار منظراً خاصاً، يفتح أفق جديدة للبحث والاكتشاف.

ربط التجربة العلمية بالثقافة العامة في المجتمعات، يعد من أهم الخطوات الأساسية، لإثراء تجربة الجمهور العلمية، فمثلاً الكشف عن «السبيرولينا»، في كونها مصدراً غذائياً لشعوب الأصلية في الأميركيتين، وبالذات مجتمعات حضارة «الأزتك»، يجعلنا لا نتوقف عند مسألة الاستفادة من غاز الأكسجين، وإنما الانتقال به إلى «مكمل غذائي» مهم، غني بـ «البروتين»، وبحسب الثقافات والحضارات المختلفة حول العالم، فإن الأنظمة الغذائية، تمثل طريقاً وطقساً مهماً في تكوين الجسد، الذي بطبيعته يبني المكون الحضاري والإبداعي لتلك المجتمعات، فلا يمكن الفصل بتاتاً بين الأطعمة وتأثيرها في إحداث الحالة الإبداعية والروحية في الثقافات القديمة، ولا تزال إلى هذه اللحظة تشكل خيطاً من الموروث الاجتماعي العميق في ذاكرة الموروث الإنساني، وأهمية السؤال عن تأثير  «السبيرولينا» على سبيل المثال، كغذاء يدعم الجهاز المناعي، وتحسين الصحة الداخلية للجسم، كوسيلة للتعبير عن الفن في حضارة «الأزتك»، المليء بالرسومات وتصويره للآلهة والمفاهيم الدينية، ما يفتح لنا استدلالات عديدة، عن السبب توقف استخدام «السبيرولينا» من قبل الأزتك كمصدر غذائي يومي بعد القرن 16، يُقال: إنه ربما بسبب تجفيف البحيرات المحيطة للزراعة والتنمية الحضرية، إلا أن إحدى التفسيرات تذهب بأن العلاقة الدينية التي كانت تجمع حضارة «الأزتك» و«السبيرولينا»، كانت محط مخاوف من قبل الغزو الأسباني على المكسيك، وبدوا باستنزاف تلك البحيرات التي تنتج «السبيرولينا»، وكان يطلق عليها «جبن الأزتك».

ذكر الكاتب جون بينت، عبر صحيفة «Mexico News Daily»، قصة طريفة لكيفية إعادة إنتاج سبيرولينا إلى المكسيك بعد قرون، ففي السبعينيات، كما يُذكر في المقالة، كانت شركة تدعى « Sosa Texcoco»، أكبر منتج لـ الصودا الكاوية أو الغسول في العالم، حيث إنه في مؤتمر دولي اشتكوا إلى زملاء آخرين في الأعمال التجارية، بأنهم كانوا يواجهون مشاكل في فصل الغسول عن مادة خضراء مزعجة تنمو في بحيرة شديدة القلوية، وعند سماع أحد علماء اليابان بذلك قال لهم: «أنتم حمقى! هذه المادة الخضراء أكثر قيمة من الغسول، إنه «Arthrospira maxima»، المعروف باسم سبيرولينا «لذلك، فإنه في أوائل السبعينيات، أنجبت «Sosa Texcoco» شركة «Spirulina Mexicana»، والتي سرعان ما أصبحت أكبر منتج للسبيرولينا في العالم، وكونها شركة تعاونية، فإنها عانت من مشاكل تنظيمية وغيرها وانهارت في النهاية.
ويذكر أن أحد أبرز الداعمين لسبيرولينا هو أستاذ التاريخ الفرنسي Jean-Paul Jourdan ومؤلف كتاب «Grow Your Own Spirulina»، المفتون بهذه الطحالب الدقيقة ويعتبرها معجزة، قضى جوردان في العمل على تطوير تقنيات منخفضة التكلفة لإنتاج «السبيرولينا» في إفريقيا، وهو مهتم جداً بالزراعة المنزلية لـ «السبيرولينا»، وكيف تكون حاضرة في أسلوب الأطعمة المنزلية، مقدماً تجربة الذاتية في بناء أنظمة زراعة لـ «السبيرولينا» في منزلة.

من الأخبار اللافتة جداً، أن وكالة ناسا الفضائية وجدت أن «السبيرولينا»، واحدة من أقوى الأطعمة المركزة المتاحة للبشرية لتقوية جهاز المناعة وإزالة السموم من الجسم، محملة بكل ما يلزم من «البوتاسيوم» و«الكالسيوم» و«المغنيسيوم» والأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها جسم الإنسان، حيث بمقدورها تزويد رواد الفضاء بكميات كبيرة من البروتين، فمحتواها من «الحديد» وحمض «الفوليك» يساعد على تعزيز مستويات الهيموجلوبين في الدم والحفاظ على وظيفة المناعة الصحية، حيث إنه أكثر قابلية للامتصاص من مكملات الحديد العادية، وبالنسبة لرواد الفضاء الذين يشرعون في مهمات فضائية طويلة الأمد، تعد «السبيرولينا»، داعم لأنظمة الحياة في الفضاء، إضافة إلى استخدامها كأداة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من محطة الفضاء الدولية وإطلاق الأكسجين النقي. 
بالإطلاع على جّل التجرية من الجناح الإيطالي ومناقشة أبعاد اللون الأخضر في تفاصيل العناصر المعمارية، نتوصل ثقافياً واجتماعياً، أن الحفاظ على البيئة الطبيعية على مستوى المناخ ومعالجة تحديات الاحتباس الحراري في الحياة البرية، لا تقل أهمية عن الأنظمة الداخلية لصحة الإنسان، فهي بمثابة سلسلة متصلة، تقود نفسها بنفسها نحو إنتاج كل ما يساهم في استمرارية الحياة الصحية على الأرض، وأهمية قراءة الأنظمة الغذائية في حياتنا كبشر، مرتبطة ارتباطاً وثيق بكيفية اهتمامنا بالمرحلة الحالية والمستقبلية من الابتكارات والإبداعات التي من شأنها أن تقلل من الأثر السلبي على البيئة الطبيعية، بالمقابل فإن استمرار ثقافة سوء الأنظمة الغذائية السريعة في أسلوب الحياة الحضرية، سيبقى تحدياً لا مناص منه، مهما طورنا من اهتمامنا بالبيئة الطبيعية على كوكب الأرض.