نوف الموسى (دبي) 

الرحلة إلى المذاق، نحو الشعور الفعلي بالمكان عبر الأطعمة، تمثل اللغة الرفيعة جداً للتاريخ، وذلك عندما تتحدث عن ذاكرة الجسد، باعتبارها مؤشراً سوسيولوجياً لتحولات الحضارية عبر العالم. هل تتخيل أن ترى «المكسيك»، الحاضرة في إكسبو دبي 2020، بكل تنوعها الثقافي، من مثل اكتشاف حضارة «الآزتك»، إحدى الشعوب الأصلية في الأميركيتين، من مثلوا أكبر مدينة في العالم عندما غزاها الأسبان في أوائل القرن الـ16، بينما أنت تكتشف نبات الذرة والفاصولياء في معظم المكونات الطبيعية لوصفات المأكولات المكسيكية.

وهل تتصور ما الذي يهديه عادةً ذلك التمازج المعقد للبهارات المستخدمة في المطبخ المكسيكي رغم بساطتها، من إمكانية سردها لمناجات الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث في قصيدته «إلهي أفتح الباب»: «أسمح للبذرة بأن تشق القشرة، القشرة التي تكونت من دمائي المتخثرة، عد بي ليلة الخلق الأولى، ومن ضلعك الحر، أجعلني كوكباً معتماً، من نورك يستضيء»، جميعها تصورات للتباين الاستثنائي للحياة المكسيكية، تطلبت منّا رحلة إلى أحد المطاعم المكسيكية هنا في دولة الإمارات وتحديداً بمدينة دبي، للسؤال والتأمل كما فعلت الفنانة المكسيكية الشهيرة فريدا كاهلو، عندما نظرت إلى المرآة المعلقة في سقف الغرفة لمدة سنة كاملة، لاضطررها للتمدد على ظهرها إثر حادث، واكتشفت على إثره شغفها الفني.

في مطعم «مارينا بونيتا» للمأكولات المكسيكية، كانت زيارة «الاتحاد»، وفي الموقع تماماً حضرت لوحات فريدا، لتشكل للزوار مرايا للحياة الخفية للأطعمة، لتلك الظلال الدفينة وتأثيرها في تشكيل هوية الشعب المكسيكي. 
 رغم الاختلاف الذي ينشأ بين المكسيكيين والباحثين من مختلف دول العالم، حول منشأ الأطعمة الشعبية من مثل «التاكو»، فإنه لم يتوصل أحد بشكل دقيق إلى فترة دقيقة تحدد استخدم المكسيكيون القدماء لخبز التورتيلا الطازج والطري والمسطح، عبر وضع حشوات مختلفة، حسب طبيعة الجغرافيا وما تحتويه من عناصر غذائية، فالمناخ على مستوى المكسيك يختلف من مدينة لأخرى، وبالتالي يحدد الأطعمة المستخدمة فيها، وبالنسبة لأستاذ لتاريخ بجامعة مينيسوتا جيفري إم بيلشر، من عمل خلال 20 عاماً بالتحقيق في تاريخ وسياسة وتطور الطعام المكسيكي، صاحب كتاب Planet Taco: A Global History of Mexican» Food»، من افترض أن عمال مناجم الفضة المكسيكيين ابتدعوا سندويشات «التاكو»، الشبيه بتلك القطع من الورق التي يلفونها حول البارود، ويدخلونها في الثقوب التي نحتوها في وجه الصخرة، كما هو الحاصل مع سندويشات التاكو التي تأتي ملفوفة على شكل حرف «U»، وأحد الأنواع الأولى من سندويشات التاكو الموصوفة يسمى «تاكو دي مينيرو» سندويشات التاكو الخاصة بعمال المناجم، ويوضح بيلشر كيف أنه لفترة طويلة كانت «التاكو» في أحياء الطبقة العاملة، وساهمت موجة الصناعات في هجرة المكسيكيين من مناطق عدة إلى مكسيكو سيتي، والتي جلبت معها النساء مهارات الطبخ الإقليمية من كل ولاية ومنطقة، ما جعل المدينة تمثل موقعاً للمطبخ المكسيكي الشعبي. 

تأثر المطبخ المكسيكي القديم بالعديد من التقنيات التي تطورت على مدى آلاف السنين عبر التاريخ، وبالأخص المكونات التي تم إضافتها من قبل الاستعمار الأسباني، من عملوا على إحضار الحيوانات الأليفة مثل الخنازير والأغنام والأبقار والدجاج والماعز، للحصول على مصدر مهم للبروتين، حيث كان يعتمد المكسيكيون للحصول على هذه القيمة الغذائية من نبات الفاصولياء بشكل أساسي، وتلك التأثيرات والمتغيرات، تنقلنا إلى مرحلة انتقال سندويشات «التاكو» إلى الولايات المتحدة الأميركية، ما جعلها تلقى شهرة عالمية، وذلك عندما بدأ فيها المهاجرون المكسيكيون بالعمل في المناجم والسكك الحديدية وغيرها، وكانت مرتبطة بمجموعة من النساء وعرباتهن، التي كانت تقدم تلك السندويشات التي لاقت اهتمام السياح القادمين في ثمانينيات القرن التاسع عشر باستخدام السكك الحديدية، وانطلق بذلك أبناء هؤلاء المهاجرين الذين قدموا في عام 1910 أو 1920 في التقدم الاقتصادي والحصول على الحقوق المدنية، ما جعلهم أميركيين محتفظين بثقافتهم المكسيكية ودمجها بالأنظمة الغذائية الأميركية. 

حدث انتشار فعلي لسندويشات «التاكو» على المستوى التجاري، من خلال سلسلة مطاعم أميركية للأكل المكسيكي بدأت في عام 1962 يطلق عليها «تاكو بيل»، لرجل الأعمال جلين بيل، والذي يعتقد أنه لم يكن طعاماً مكسيكياً أصلياً بشكل فعلي، إلا أنه استطاع النجاح في تأسيس موجة ربحية وتوسعة لسندويشات «التاكو» ذات القشرة الصلبة، على نطاق واسع في أميركا، فقد عرفت سندويشات «التاكو» بقشرتها اللينة الطرية، واللافت مؤخراً ما كتبه ديفيد فارلي عبر مقالة في صفحة السفر الخاصة بـ«بي بي سي» عنوانها: كيف «سرق» تاكو بيل التاكو؟، مبيناً أنه على الرغم من شهرة تاكو بيل العالمية، إلا أن هناك «مقهى ميتلا» الذي كان يقع على الجانب الآخر من الشارع من المطعم للهمبرغر والهوت دوغ الذي فتحه جلين بيل في أوائل عام 1948، هو من كان يمتلك تلك الوصفية بشكل أساسي، وقد حصل عليها جلين بيل خلال زياراته للمقهى وسؤاله عن كيفية صنع «التاكو» ذات القشرة الصلبة، تلك التي قررت لوسيا التي كانت مسؤولة عن المطبخ حينها، أن تصنعها، لأنها اعتادت أن تأكلها مع أسرتها في المكسيك في الصوم الكبير، محشوة بالبطاطا المهروسة، إلا أنها استخدمت المكونات المتاحة من لحم بقري مفروم، وجبن شيدر، وطماطم، وخس آيسبرغ، معتبراً الكاتب ديفيد فارلي في مقاله أن «مقهى ميتلا» يمثل مكانًا مهماً في تاريخ المطبخ الأميركي المكسيكي باعتباره أول مطعم يقدم سندويشات التاكو ذات القشرة الصلبة في الولايات المتحدة.

«يوم الموتى»
التفكير في القصة خلف انتشار سندويشات «التاكو» المكسيكية، يجعلنا نستحضر مجدداً القدسية التي بنى على أساسها المكسيكيون تفاعلهم مع الأرض والمكان، تمثلها الأطعمة التي تحضر في احتفالية «يوم الموتى» الشهيرة في الثقافة المكسيكية، والتي يحتفي بها المكسيكيون في نوفمبر بأقاربهم الذين فارقوا الحياة، والتي تعود جذورها إلى حضارات «الأزتيك»، «الناهوا»، و«المايا»، و«بيروبتشاس».
وفي مطعم «مارينا بونيتا» بمدينة دبي، وضعت تلك الأقنعة الصغيرة التي يرتديها المكسيكيون أثناء الاحتفال، وقد صاغتها بجمالية أخاذة الفنانة الإماراتية نجوم الغانم، في معرضها الأخير «ملامح» عبر عملها الفني «المقبرة» الحاضر في مركز مرايا للفنون بمدينة الشارقة، وبهذا التداخل الحضاري الإنساني نعود للبحث عن الارتباط الوجداني للمكسيكيين بأطعمتهم ما جعل لها تأثير يساهم انتقالها عبر مختلف القارات، بل وتصبح جزء من الأنظمة الغذائية لثقافات مغايرة.

مكونات شعبية للثقافة
في المطاعم المكسيكية، الموجودة خارج المكسيك، يحرص القائمون عليها، أن تحتفي بالمكونات الشعبية للثقافة المكسيكية، لذلك ساهم المغتربون المكسيكيون، وعلى مدى عقود طويلة في نقل ثقافتهم وخاصة الأطعمة أينما يرتحلون، ومن هنا في مدينة دبي نطرح أولى الأسئلة حول الشهرة المنقطعة النظير لسندويشات «التاكو» المكسيكية، على سبيل المثال، لا الحصر، الذي يجوب شوارع بلدان العالم، وبالأخص في الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن «التاكو» واكتشافه يمثل حديثاً مقارنة بأطعمة المطبخ المكسيكي القديم، والذي يعتقد أنه ترجع أساسياته إلى نحو 7000 قبل الميلاد، قبل مرحلة الاستعمار، كما عُرف المكسيكيون بوضعهم لنظام معالجة الذرة وغسلها من أجل طحنها وهو نظام يطلق عليه «Nixtamalization»، تم من خلاله صناعة «التورتيلا» المستخدمة في سندويشات «التاكو»، إلى جانب أنواع أخرى من الخبز القائمة على الذرة. وقد ظهر أول توثيق لهذا النظام، من خلال احتفالية «عيد تكويزا»، أو ما يطلق عليه «وليمة تاكو»، خلال فترة الغزو الإسباني، وفقاً لأحد المؤرخين الرئيسين لغزو المكسيك من قبل الإسبان، لبرنال دياز ديل كاستيلو في تأريخه «القصة الحقيقية لغزو إسبانيا الجديدة».