أحمد عاطف (القاهرة) 

مع انتشار جائحة فيروس كورونا «كوفيد- 19» على مستوى العالم، وتقدم الأطباء والأطقم الصحية حول العالم للصفوف الأمامية لمواجهة المرض، وثقل كاهلهم بساعات عمل إضافية حولتهم من أشخاص طبيعيين إلى ما يشبه روبوتات بشرية، ويعملون تحت ضغط وبفترات مضاعفة تحتاج لمجهود مضاعف وتحملهم مسؤولية مجتمعية وإنسانية وأخلاقية تجاه البشرية، صاحب ذلك مخاوف من تعرضهم لما يسمى «الاحتراق»، أي الانهيار الذاتي والسقوط جراء كل ذلك، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى اللجوء لعلماء الطب النفسي لتقديم الدعم النفسي كخط دفاع لانهيار المنظومات الصحية والمجتمعية من بعدها.  يتزامن ذلك مع فرض الكثير من الدول والمؤسسات تدابير وقائية، أهمها إلزام الموظفين بالعمل من المنازل، في ظل خوض عدد كبير من الموظفين تجربة «العمل عن بُعد» لأول مرة بشكل فعلي، وما يصاحب ذلك من عزلة اجتماعية زائدة من معدل الخوف والتوتر والقلق على حياتهم، وعلى أسرهم وأحبائهم، ومع دخول العالم في مرحلة ركود اقتصادي، أصبح الموظفون يتلهفون للحصول على دعم نفسي من قادة مؤسساتهم وحكوماتهم.  «الاتحاد الأسبوعي» في هذا الملف تحدثت لأطباء وخبراء في مجال الطب النفسي والمجتمعي، لبحث كيفية حماية المجتمع والانهيار وإيجاد الطرق المناسبة لكي لا يتم ترك الأطقم الطبية والمصابين بفيروس كورونا ومن يعملون من المنزل، عرضة لأمراض نفسية ربما تكون أكثر فتكاً من كورونا. 

المجتمع العالمي يتحول للأفضل 
الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع تحدثت عن ضرورة الدعم النفسي في ظل أزمة كورونا، مؤكدة أن الأزمة اجتماعية ونفسية أكثر من كونها أزمة عضوية وجسدية، خاصة أن الأزمات النفسية هي التي تؤدي لحدوث أمراض بدنية بعد تراكمها. واعتبرت أستاذ علم الاجتماع أن جائحة كورونا والأوبئة التي سبقتها، أمراض اجتماعية، خاصة أن البشرية بمحاولة الفرار من كوارثها لا تتخلى عن وصم المصابين بالمرض، مؤكدة أن التاريخ في العصور القديمة يقول إن من كان يصاب يتم نفيه في جزيرة نائية وكان العقاب لأي من يخالف القرارات بضمه مع المنفيين، لأنه لم يكن هناك علاج، وتم استخدام ذلك سياسياً واجتماعياً، وكانوا يطلقون عليهم «جزر المجذومين». ولفتت إلى أن التاريخ يعيد نفسه الآن، فالإنسان القديم يعود بشكله العصري، وظهر ذلك في بعض المظاهر، مثلما يفعل سائقو السيارات التاكسي والتوصيل الآن برفضهم الوقوف أمام المستشفيات أو للأطباء والممرضات خوفاً من الإصابة بالعدوى، مؤكدة على أن قطاعاً كبيراً يعتبرون الأطباء والمصابين موصومين اجتماعياً، وهو ما يثبت تحول المجتمع العالمي لأفضل مما قبل. وأشارت أستاذ علم الاجتماع إلى أن النظر الآن للحياة داخل الجدران تغير مع استيعابها للطاقة الإنسانية وإعادة تقسيم الأدوار من جديد للمشاركين مع أسرهم في المنازل، كما أن الكثير من علماء النفس في المنازل الآن يعيدون اكتشاف أخطائهم مع أسرهم وأبنائهم من جديد. وتوقعت أن نهاية أزمة كورونا ستحول المجتمع العالمي لأفضل مما قبل خاصة أن الشدائد تعطى دروساً في ظل ظروف الدائرة المقربة خلال الأزمة وظهور الأصدقاء والأعداء والأحباء ومناطق القوة والضعف.

الراحة النفسية ومضادات الاكتئاب ضرورة 
يقول الدكتور محمد المهدي استشاري الأمراض النفسية وأستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة القاهرة، إن مهمة تقديم الدعم النفسي للأطقم الطبية أصبحت ضرورة تفرضها الأزمة الحالية بشكل ملح، خاصة مع الضغط الشديد عليهم خلال متابعاتهم للمصابين على مدار 24 ساعة، لافتاً إلى أن ذلك جنباً إلى جنب مع تخوفهم من خطر العدوى وقلق من مصير زملائهم الذين لقوا حتفهم، بعدما انتقلت لهم العدوى من المرضى.  وأوضح المهدي لـ «الاتحاد الأسبوعي»، أن أطقم الصحة أصبحوا يعيشون بشكل كامل ويقيمون بأماكن العزل والحجر الطبي، بل إن كثيراً ممن يعرفهم من الأطباء في دول أوروبية وعربية أصبحوا يخافون العودة لمنازلهم لسببين الأول: القلق من انتشار وتضاعف أعداد الإصابة، أما الثاني، فيكمن في خوفهم من أن يكونوا حاملين للفيروس - رغم فحصهم ووقايتهم - وينقلون العدوى لأسرهم، مؤكداً أنهم يتعرضون لضغط نفسي وعصبي كبير في ظل الإمكانيات الضئيلة في الأجهزة والأسرة والأدوات الطبية أمام الإصابات الكثيرة، ويكونون في حيرة «لا يستطيعون أن يحصلوا على كمامات وأدوات حماية ولا يستطيعون أن يتركوا أماكنهم». وكشف استشاري الطب النفسي عن الطرق التي تتبعها الآن الكثير من الدول لتقديم الدعم النفسي للجميع، بداية من الأطقم ونهاية بالأفراد في المنازل والأطفال، مشيراً إلى أنها أمور تتعلق بالتوتر والاضطراب التي من شأنها السقوط في بئر الاكتئاب، لا سيما أن الحلول تكون عبارة عن توفير فترات للراحلة تحت أي ظرف، وتوفير أماكن للنوم أو إعطائهم مضادات اكتئاب أو تهيئ ظروف العمل، ويكون ذلك بطرق إعلامية مباشرة أو رسائل موبايل أو فيديوكونفرانس أو محادثات من المسؤول في المنظومة لهم. 

الصحة العقلية
بحسب دراسة حديثة نشرتها مجلة «ذا لانسيت» الطبية، فإن التأثير النفسي للحجر الصحي يمكن أن يكون كبيراً، مما يؤدي إلى مجموعة من المخاوف حول الصحة العقلية، مثل تزايد القلق والغضب واضطرابات النوم والاكتئاب والأهم «اضطراب ما بعد الصدمة»، مؤكدة في أبحاث منفصلة لها حول مرضى الحجر الصحي لمرض «سارس»، وهو تفشي سابق من سلالات كورونا الفيروسية، حدث عام 2003، كشفت أن ما بين 10% و29% يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
ولفتت الدراسة إلى أن مخاوف الصحة العقلية يمكن أن تتفاقم بسبب الضغوطات المرتبطة بالحجر الصحي، مثل مخاوف العدوى، والإحباط، والملل، وعدم كفاية الإمدادات، ونقص المعلومات، والخسارة المالية والوصم المرتبط بالإصابة بالمرض، وهذا يمكن أن يمثل مشكلة ليس فقط للأشخاص الذين لديهم مخاوف تتعلق بالصحة العقلية من قبل، ولكن أيضاً لأولئك الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة على ما يبدو. 

«العلاج بالمعنى»
استعان الأطباء الذين تحدثوا لـ «الاتحاد الأسبوعي» بما أسموه نظرية بـ «العلاج بالمعنى» من الحقبة السابقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ المعالجون النفسيون في الانجذاب إلى الفلسفة الوجودية والاسترشاد بمبادئها، والذي أسسها الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل، والتي تحولت بعد ذلك لمدرسة للعلاج بالمعنى في العشرينيات على يد فيكتور فرانكل الشهير بتجربته المريرة في معسكرات الاعتقال النازية بألمانيا لعمال المناجم، وبحث عن إجابة لسؤالهم «لو لم يعطهم معنى للحياة سيموتون منتحرين».

تدريب الأطباء النفسيين أولاً 
يعتبر الدكتور محمد صديق اختصاصي الطب النفسي، وأحد المشاركين بالحملة القومية المصرية التي أعلنتها الصحة المصرية لتقديم الدعم النفسي لجميع فئات المجتمع في ظل أزمة كورونا، أن سبب اهتمام المجتمع الدولي بالطب النفسي الآن، والاستعانة به خلال الأزمة الحالية بعدما كان يعتبره البعض أنه خرافات وكلام فلسفي غير قابل للتطبيق لأن المشهد كان يتصدره مجموعات تمارس ذلك من دون علم، وهو ما حاول إبعاد الناس عن الدعم النفسي، خاصة أنه يعد من العلوم الحديثة التي لا تتخطى تاريخها العملي الطبي نحو 80 عاماً، بخلاف القطاعات الطبية الأخرى التي هي من قديم الأزل. 
وأوضح صديق لـ «الاتحاد الأسبوعي»، أن المجتمع كان يتعامل مع من يتعالج نفسياً بأنه ضعيف، وهو ما دفع الكثير للعلاج بشكل سري وتصدير الإعلام لهم بأنهم مصابون بالفصام ويتمتعون بالجنون والغرابة والتطرف، لافتاً إلى الأزمة الحالية التي تمثل خطراً لم تواجهه البشرية من قبل، بل أكبر حدث تاريخي، وقدرت البشر على التكيف معه وكيفية تسيير أحوالهم في ظل المكوث في المنازل، خاصة أنهم قبل ذلك كانوا يتمتعون بمرونة خلال عملهم خارج المنازل وبدأ البحث عن تحقيق تكل المونة، ولكن في المنازل لتغيير نمط السلوك.
وفسر اختصاصي الطب النفسي أن أطقم الطب النفسي تحاول منع «احتراق الأطباء والأفراد من الداخل»، قائلاً: «نعالجهم نفسياً كي لا ينتشر الفيروس بشكل أكبر وتزيد الوفيات بصورة أضخم». كما أنهم يستعيون بنظرية «العلاج بالمعني» لإعطائهم أملاً في الحياة ومعنى سامياً لما يفعلونه وخاصة لأطقم التمريض الذين يعتبرهم البعض درجة ثانية ولكنهم يقومون بمجهودات خرافية، مطالباً الحكومات بتدريب الأطباء النفسيين قبل تعاملهم مع الأزمة.
وأكد صديق أنه من المتعارف عليه أن الخروج من الأزمات يصاحبه أمراض نفسية وتوتر ورد فعل عكسي، مشيراً إلى أن النقاشات الدائرة الآن أن من كانوا مصابين بالوسواس القهري كان يتوقع لهم أن ينتكسوا، إلا أنهم فوجئوا بأنهم تحسنوا جداً خلال أزمة كورونا لشعورهم بأن الجميع أصبح مثلهم ولديهم شعور بالخوف، فيما يتوقعون بعد مرور الأزمة بانتكاسات كبرى لعدد كبير، موضحاً أنهم في سياق آخر يتبعون طريقة علاج «هنا والآن» بأقسام رعاية طب نفس المسنين الذين يسمعون ليل نهار أنهم الفئة الأكثر عرضة للمون إذا أصيبوا بـ «كوفيد- 19» من خلال توضيح أن القدر يمنحنا نفسنا فرصة للحياة وعلينا الاستمتاع واستذكار الإنجازات، كما أن الشباب والأصحاء معرضون أيضاً للموت ولا يضمن أحد مستقبله.