شروق عوض (دبي) 

رغم توجه المجتمع الدولي الحالي ضمن إطار العمل من أجل المناخ، إلى الوصول لعالم خالٍ من الكربون، التزاماً بأهداف اتفاق باريس للمناخ بخصوص «حيادية الكربون»، فإنّ دولة الإمارات كانت سباقة في هذا التوجه، حيث تبنته ولعبت دوراً رئيساً في هذا المجال طيلة السنوات الماضية، عبر اتباع سياسات وإجراءات اقتصادية أكثر صداقة للبيئة، مبنية على حيادية الكربون، وبما يحقق في الوقت ذاته معدلات نمو اقتصادية أفضل، وها هي اليوم تحصد إنجازات عدة في هذا المجال من خلال كبريات مؤسساتها الحكومية والخاصة.
ولم تأتِ هذه الإنجازات البيئية بخفض الانبعاثات والوصول إلى عالم خالٍ من الكربون من فراغ، ولكنها ثمرة عمل الدولة الدؤوب على نشر واستخدام حلول الطاقة الشمسية لتصل إلى قدرة إنتاجية تقارب 9 جيجا وات بحلول 2030، وتوظيف الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في إنتاج الطاقة الكهربائية عبر مشروع براكة، الذي سيوفر عند دخوله الكامل للخدمة 25% من احتياجات الكهرباء، ما يساهم في تحقيق معدلات عالية لخفض انبعاثات الكربون.
كما أطلقت العديد من المبادرات البيئية لزراعة ملايين الأشجار، وأهمها «المانغروف» ذات القدرة العالية على امتصاص وتخزين الكربون، علاوة على إطلاق مشروع «الريادة»، والذي يثبت أن تقنية التقاط وتخزين الكربون تمثل حلاً تجارياً مجدياً للحد من الانبعاثات الصناعية لغاز ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى الاعتماد في الاستراتيجية الصناعية على توظيف التقنيات الحديثة والطاقة النظيفة كأساس لتحقيق أمن واستدامة الماء والغذاء، وتعزيز النمو الاقتصادي بشكل عام، ما يسهم بشكل كبير في خفض معدلات الانبعاثات الكربونية الناجمة عن أي نشاطات اقتصادية، وتعزيز التوجه العالمي نحو حيادية الكربون.
وضمن الجهود من أجل البيئة والمناخ ونشر حلول الطاقة المتجددة، فقد وضعت الإمارات خططاً مستقبلية لخفض البصمة الكربونية لقطاع الطاقة، وتطوير أول شبكة تجارية في المنطقة لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، بما يعزز تحقيق حياديته وزيادة حصة الطاقة النظيفة، لتصل إلى قدرة إنتاجية 14 جيجا وات بحلول 2030، و50% من إجمالي مزيج الطاقة المحلي بحلول 2050.

مطار الشارقة
يعد مطار الشارقة أحد نماذج القطاع الحكومي الذي يؤكد الإنجازات التي حققتها دولة الإمارات في ملف حيادية الكربون، حيث نجح المطار في أغسطس عام 2020 أن يكون المطار الأول في دول مجلس التعاون الخليجي، والثاني على مستوى الشرق الأوسط، في اجتياز متطلبات المستوى النهائي «3+»، والمعروف بتحييد الكربون الذي يحدث عند صافي انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون على مدار سنة كاملة بمعدل صفر، ضمن برنامج «الانبعاثات الكربونية للمطارات»، الصادر عن مجلس المطارات الدولي (ACI)، الأمر الذي يعكس تميز استراتيجيته في تنفيذ العديد من المشاريع والمبادرات لتطبيق أعلى معايير الاستدامة، كما يمثل هذا الإنجاز علامة فارقة في رحلة المطار نحو الوصول إلى مستوى الحيادية في الكربون، من خلال الالتزام بتنفيذ استراتيجية فعالة لإدارته تضمن عمليات تشغيلية صديقة للبيئة.

المدينة المستدامة
من نماذج مؤسسات القطاع الخاص التي تؤكد الإنجازات التي حققتها الإمارات في شأن حيادية الكربون، انضمام المدينة المستدامة في دبي إلى تعهد المناخ في أبريل الماضي، حيث تعد أول جهة في منطقة الشرق الأوسط تنضم إلى هذا التعهد العالمي الذي يرتكز على ثلاثة عناصر، الأول: قياس انبعاثات غازات الدفيئة والثاني: تنفيذ استراتيجيات إزالة الكربون، وأخيراً تحييد الانبعاثات متبقية.
هذا، وتمثل المدينة المستدامة في دبي، تجسيداً واقعياً لمفهوم الاستدامة بأبعادها الثلاثة، الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، حيث تعتمد مساكنها كلياً على ما تنتجه من الطاقة النظيفة، عبر تركيب الألواح الشمسية على واجهات وأسطح الفلل والمباني لتوليد الطاقة، كما يتم اتباع نهج متكامل لمعالجة مياه الصرف الصحي والنفايات المنزلية واستخدام مواد التنظيف العضوية والمنتجات الخضراء، التي لا تلحق الأذى بالبيئة للاستفادة منها في ري المساحات الخضراء الشاسعة فيها، مع وجود استراتيجية متكاملة للزراعة العضوية يشارك بها الجميع، بينما يحيط بالمشروع حزام أخضر يبلغ عرضه 30 متراً، مشكلاً موئلاً بيئياً مهماً للطيور والزواحف، يساعد في تقليل تلوث الهواء والضوضاء وغيرها الكثير من الفوائد.

مدينة مصدر
تعد «مدينة مصدر» إحدى أكثر المجتمعات الحضرية استدامة في العالم، تتضمن مجمعاً متنامياً منخفض الكربون، قائماً على التقنيات النظيفة ومنطقة حرة وحي سكني ومطاعم ومتاجر تجزئة ومتنزهات خضراء، وتستند فلسفة المدينة فيما يتعلق بالتطوير العمراني المستدام على الركائز الثلاث للاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كما تشكل المدينة «بصمة خضراء» للتنمية العمرانية المستدامة في المدن، مقدمةً حلولاً واقعية في مجال المياه وكفاءة استخدام الطاقة والحد من النفايات.

«الاتحاد للطيران»
أعلنت «الاتحاد للطيران»، الناقل الوطني لدولة الإمارات، خلال يناير 2021، تعزيز برنامجها لتعويض الكربون بالتعاون مع شركة شل، والذي بدأته مع مشروع «ماكامي سافانا ريد» في تنزانيا، ليضم حديقة «كوردييرا أزول» الوطنية في البيرو و«مشروع كاتينغان مينتايا» في إندونيسيا، ما يجعل جهود «الاتحاد للطيران» متنوعة جغرافياً للترويج لحماية البيئة والمناخ، وقد حاز المشروعان الجديدان ترخيصي «معيار الكربون المعتمد» و«معيار المناخ والمجتمع والتنوع البيولوجي»، ويعملان على خفض مستويات الكربون بشكل كبير، مع تقديم منافع إضافية للمجتمع والتنوع البيولوجي ودعم أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وقد اختارت «الاتحاد» العمل مع شركة شل، حيث تقيم الأخيرة شراكات متنوعة في القطاع لتوفير حلول أكثر استدامة لقطاع الطيران، علاوة على كونها شركة رائدة في برامج تعويض الكربون، حيث تعتبر مزوداً مهماً لوقود الطيران المستدام، وتعمل على تعزيز توفير واستخدام وقود الطيران المستدام على مستوى دول العالم أجمع.

مسيرة الدولة
بدوره، قال معالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي وزير التغير المناخي والبيئة في تصريحات لـ «الاتحاد»: «إنّ الحفاظ على البيئة وحمايتها وضمان استدامة مواردها الطبيعية، شكل نهجاً وتوجهاً رئيساً رافق مسيرة دولة الإمارات منذ تأسيسها مطلع سبعينيات القرن الماضي، وعلى مدار العقدين ونصف الماضيين، ومنذ انضمامها للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ، قدمت نموذجاً عالمياً في جهود مواجهة التحدي الأكثر خطورة على مستقبل كوكب الأرض، وساهمت بمبادرات وبرامج ومشاريع عدة في خفض حدته وتعزيز قدرات العديد من القطاعات على التكيف مع تداعياته».
وأوضح أن نموذج العمل من أجل المناخ الذي طبقته الدولة يعتمد على مجموعة واسعة من الركائز، وفي مقدمتها التعامل مع كافة التحديات، باعتبارها فرص نمو لكافة القطاعات والمجالات، ودعماً لهذا النهج اعتمدت العديد من التوجهات والسياسات، مثل التحول نحو الاقتصاد الأخضر، والتوسع في نشر واستخدام حلول الطاقة النظيفة والمتجددة واعتماد سياسة الإمارات للاقتصاد الدائري، لافتاً إلى كون تعزيز إشراك فئات المجتمع كافة وبالأخص القطاع الخاص في العمل المناخي، يمثل أحد أهم الركائز التي حرصت عليها الدولة في مسيرتها لمواجهة تحدي التغير المناخي. وأشار معاليه إلى أنّ متطلبات مواجهة التحدي المناخي تشمل العديد من البنود والأهداف، أهمها العمل على خفض معدل الانبعاثات الكربونية أو الوصول إلى حيادية الكربون - وفقاً لأهداف اتفاق باريس للمناخ 2015 - بوصف تلك الانبعاثات المسبب الرئيس وراء تغير المناخ وتفاقم حدة تداعياته، وتعزيزاً لخفض الانبعاثات والوصول إلى عالم خالٍ من الكربون، قامت الدولة بالتوسع في نشر واستخدام حلول الطاقة الشمسية وتوظف الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في إنتاج الطاقة الكهربائية، وإطلاق العديد من المبادرات البيئية لزراعة ملايين الأشجار القادرة على امتصاص وتخزين الكربون وغيرها الكثير.