حسين رشيد (أبوظبي) 

في الثاني من ديسمبر 1971م، عقد حكام الإمارات اجتماعاً برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) وأعلنوا قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعد هذه التطورات في المنطقة، بدأت الدولة الجديدة في ممارسة صلاحياتها كدولة ذات سيادة، وأولى هذه الصلاحيات بناء جيش قوي يحافظ على الدولة الجديدة، وأصدر المغفور له الشيخ زايد قراراً بتاريخ 27 ديسمبر 1971 ينص على تشكيل قوة دفاع الاتحاد، وأنيطت قيادتها والإشراف عليها بوزير الدفاع، وفي عام 1974 وبقرار من وزير الدفاع تم تغيير مسمى قوة دفاع الاتحاد إلى «القوات المسلحة الاتحادية»، كما تم تغيير شعار وعلم القوة الجديدة لتواكب التحديث والتطوير في الدولة، مع إبقاء نفس الواجبات والمهام والتنظيم ومرتبات القوة البشرية والتسليح والمعدات ونفس مواقع التمركز لقيادة القوة والسرايا ومركز التدريب، وبقيت هذه القوات تحت إشراف وزارة الدفاع لدولة الإمارات.

القرار التاريخي وحديث زايد
في السادس من مايو 1976م، وفي هذا اليوم التاريخي، أعلن المجلس الأعلى للدفاع، دمج القوات المسلحة تحت علم واحد وقيادة واحدة، وأصبح للدولة جيش واحد، تحت راية وقيادة واحدة. وبناءً على هذه الخطوة المباركة، اتفق أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى على أن يكون رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، القائد الأعلى للقوات المسلحة بجميع أسلحتها البرية والبحرية والجوية، وأن تبدأ رئاسة الأركان في مباشرة مسؤولياتها واختصاصاتها وتنفيذ المسميات والارتباطات القيادية الجديدة.
وأدلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بتصريح لـ«الاتحاد» تحدث فيه عن الخطوة التاريخية التي اتخذها مجلس الدفاع الأعلى بدمج القوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة.. قائلاً: «إننا بالصبر والمثابرة حققنا وإخواني أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد بهذه المناسبة أملاً طالما كنا نحلم به، وإننا لن نألو جهداً في سبيل تدعيم الكيان الاتحادي وتعزيز تقدمه واستقلاله». وأوضح المغفور له أن «الأمل الذي كان يراودنا منذ البداية هو العمل على إقامة الاتحاد بجمع الشمل وتوحيد الكلمة، والتآزر بين إخوة تربطهم أواصر الدم والجوار والقربى من أجل رفع مستوى أبناء هذا الشعب وتحقيق ما يصبو إليه من الخير والعزة والرفاهية».
وأضاف، أننا طيلة الخمس سنوات التي مرت على قيام الاتحاد، استطعنا بفضل الله أن نكسب الخبرة ونستوعب الدروس الكفيلة بتصحيح مسيرتنا. وأشار إلى أن بناء القوات المسلحة في أي بلد إنما هو عمل عزيز على أبنائه، ومن هذا المنطلق دعتنا الحاجة الماسة للعمل على دمج قواتنا المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد «زايد» أن أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد كانوا على مستوى الأحداث والمسؤولية، مقدرين عبء الأمانة التي يحملونها، وأبدوا استعداداً وترحيباً لكل ما يحقق صونها ورفعتها ودعم كيانها الاتحادي.

افتتاحية «الاتحاد» 
كتبت صحيفة «الاتحاد» في عددها الصادر في السابع من مايو افتتاحيتها بعنوان «الحمد لله» جاء فيها: الحمد لله... قالها الشعب أمس في كل بقعة من بقاع هذا الوطن، واتجه بها إلى السماء، وبدا وكان الشعب كله يسجد في صلاة شكر لله عز وجل، الذي يحقق لنا كل يوم المزيد من الآمال، والذي يبارك خطانا ويرعى اتحادنا ويهدينا ويرشدنا إلى ما فيه خير الوطن والشعب.

الحمد لله
قد اجتمعت الإرادة وصدقت وتساندت الأكتاف وتشابكت السواعد وتعضد أمل الجيش الواحد. وأصبح للوطن سياجه القوي الذي يحميه، وصار للأمة العربية درعها التي كانت ترجوها عند جناحها الشرقي. وولد شقيق جديد لجيوش العرب اسمه جيش اتحاد الإمارات، وبرز في الساحة في مواجهة كل عدو وطامع في ثروة هذه الأمة، رمح عربي جديد يدرك مسؤولياته، ويعرف إلى أين ينطلق إذا دق ناقوس الخطر.

الحمد لله
قلناها جميعاً.. ونرددها كثيراً، نعم علينا بعد ذلك أن ندرك المعنى العظيم وراء قرار الأمس المجيد، فهذا القرار معناه أن المسيرة تتقدم إلى أهدافها، وإنها لم تتوقف أبداً كما أرجف المرجفون. وهذا القرار معناه أن أهداف الاتحاد قضية لم تعد تقبل الجدل، وأن الاجتهاد فقط هو في تفاصيل الوصول إلى هذه الأهداف، وهذا القرار معناه أن الاتحاد هو في المكان الأعز من كل قلب وكل ضمير، وإن كل تحرك يهدف إلى تدعيمه وتوطيد أركانه، وإن كل خطوه تأتي بعد استماع جيد وتلبية مخلصة لرأي الشعب ونبضه، وهذا القرار أيضاً هو دعوة لنا جميعاً في كافة مواقع العمل والمسؤولية، أن نضاعف من جهدنا من أجل الوطن، وأن نقدم المزيد من العمل والعرق حتى يرتفع البناء وتتحقق كل الآمال. لقد كان يوم أمس من أيام التاريخ، بل من أعزها وأغلاها بكل ما يستحق من إكبار وإجلال، إنه (يوم الجيش) الذي يحب أن يأخذ مكانه اللائق على خريطة أعيادنا الوطنية، نحتفل به كل عام وندرس معناه العظيم لأبنائنا في المدارس، ونتخذه منطلقاً للمزيد من الإنجازات الباهرة وصولاً إلى الوحدة الكاملة بإذن الله.

دعم وتطور مستمر
منذ سنوات الاتحاد الأولى، شهدت القوات المسلحة قفزات نوعية كبيرة في التطور والتحديث على المستويات كافة، كما حظيت بعد رحيل المؤسس بمتابعة ودعم من القيادة الرشيدة للدولة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة أول نائب للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

جيش الإمارات.. استقرار للمنطقة
تمكنت القوات المسلحة في الإمارات وخلال زمن قياسي، وبفضل التخطيط والتنظيم والإدارة بأسس علمية سليمة، من التعامل مع أحدث التقنيات في مجال العتاد والسلاح وبناء جيش عصري قوي قادر على مواجهة التحديات والدفاع عن الوطن وحماية المكتسبات الوطنية.

وحظيت القوات المسلحة في عهد المغفور له الشيخ زايد، في جميع مراحل بنائها وتطويرها، بتوفير كافة الإمكانات لها وتزويدها بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة في العالم، وأكد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، هذا التوجه بقوله: «لقد عمدنا لبناء جيش قوي ذي كفاءة قتالية عالية لا نعده من أجل غزو أحد، وإنما ليحمي الأرض، ويصون العرض، ويذود عن حياض الوطن، ويحقق لأبنائه العزة واطمئنان المواطنين على عيشهم في أمن واستقرار».
وحققت القوات المسلحة في مجال التأهيل والتدريب تطورات عسكرية مهمة على طريق استكمال بناء قواتها الذاتية إلى جانب قوتها الدفاعية، وذلك بتخريج دفعات متوالية من شباب الوطن من مختلف الكليات التابعة لها، حيث عمدت القوات المسلحة على إنشاء المعاهد والمدارس والكليات العسكرية التي تقوم بتدريب وتأهيل الشباب تأهيلاً عسكرياً يلائم متطلبات العصر ومستجدات الأوضاع.
وعبر المراحل المختلفة التي مرت بها والتحولات والأحداث والأزمات التي عاشتها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط والعالم، أثبتت القوات المسلحة الإماراتية أنها قوة استقرار إقليمي تدافع عن الحق وتعزز منظومة الأمن الجماعي الخليجي والعربي، وتمثل سنداً للأشقاء وإضافة إلى قوتهم وصانعاً للسلام ومد يد العون في مناطق عديدة حول العالم، وهذه هي عقيدتها الراسخة التي تستمدها من سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة القائمة على الوقوف دائماً إلى جانب الحق والإسهام في كل ما يحقق أمن العالم واستقراره.

نصب تذكاري للشهيد
من منطلق حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على تخليد ذكرى شهداء الوطن الأبرار تقديراً ووفاء لما قدموه من تضحيات، بعدما جادوا بأرواحهم الطاهرة تأدية للواجب الوطني، أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في 27 سبتمبر 2015 بإنشاء نصب تذكاري للشهداء في مدينة أبوظبي، لتظل ذكرى شهداء الوطن البواسل وبذلهم وتضحياتهم بأرواحهم الغالية، خلال مشاركتهم مع قوات التحالف العربي للدفاع عن الشرعية في اليمن الشقيق بقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة مثلاً وقدوة لنا جميعاً في التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عن مكتسبات دولة الإمارات الحضارية، وباعتبار أن أمن الإمارات جزء لا يتجزأ من أمن منظومتنا الخليجية والعربية، وحتى تستلهم الأجيال الحاضرة والمقبلة عطاءهم وبذلهم وأعمالهم الجليلة، لتبقى راية وطننا الغالي عالية خفاقة في سماء العز والمجد والرفعة والرقي.