ناصر الجابري (أبوظبي)

تحيي دولة الإمارات، يوم زايد للعمل الإنساني، والذي يمثل استحضاراً لإرث الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، وأعماله الإنسانية الخالدة التي شملت مختلف دول العالم على مدى عدة عقود، عبر العديد من المشاريع الضخمة والبرامج والمبادرات التي استهدفت بناء الإنسان وتنميته ودعم المحتاجين والمعوزين، وتوفير متطلبات ومقومات الحياة الكريمة لهم، انطلاقاً من قيم البذل والعطاء والمنح.  وتزخر السيرة العطرة للوالد المؤسس، بالعديد من الشواهد التاريخية والأعمال الإنسانية الجليلة، التي شكلت إرثاً إنسانياً لدولة الإمارات، ونهجاً يسير عليه الأبناء والأحفاد، لما تضمنتها من مبادئ إنسانية راقية وصفات وخصال حميدة، وما تجسده من قيم التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية، نظراً لاستنادها إلى الأخوّة البشرية التي تجمع الشعوب كافة، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الخلفية الثقافية. 
ورسخ الوالد المؤسس مفهوم «لغة الإنسانية» التي تجمع دول العالم كافة، عبر حرصه على تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لدعم الدول المتضررة جراء الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، ودعم الحكومات في توفير الغذاء والدواء لشعوبها، وتوجيهاته الحكيمة بضرورة العمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات والهيئات الإغاثية الدولية في الحملات العالمية المتعلقة بدعم الدول والشعوب، إيماناً منه بأهمية العطاء، وانطلاقاً من القناعة الراسخة بأن الدور الإنساني يمثل ركيزة أساسية وأحد ثوابت دولة الإمارات. 
واستمراراً على هذا النهج، جاء اعتماد يوم زايد للعمل الإنساني عام 2012، ليكون في التاسع عشر من شهر رمضان كل عام، تخليداً وإحياءً لذكرى وفاة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، رائد العمل الخيري والإنساني، وتقديراً لمسيرته الطويلة في العطاء الإنساني الذي امتد إلى مختلف أصقاع الأرض، حيث شهدت السنوات الماضية إقامة العديد من الفعاليات وإطلاق مجموعة من المبادرات تزامناً مع هذا اليوم. 
ويعد يوم زايد للعمل الإنساني رمزاً وتجسيداً لقيم العطاء والإنسانية التي غرسها الوالد المؤسس في عقول ووجدان الشعب الإماراتي، حتى أصبحت دولة الإمارات «أيقونة الإنسانية»، ومنارة لتقديم العون والمساعدة لكل من يحتاجها دون النظر إلى العرق أو الجنس أو الدين، ونموذجاً فريداً في عالمنا من حيث تحقيق السعادة والاستقرار والتسامح والمحبة بين الشعوب.
وتلألأت العقود الماضية، بمحطات مضيئة تضمنها الدور الإماراتي الفعال في منح المساعدات الإنمائية لمختلف دول العالم، وبتأسيس العديد من المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات وتهيئة الشوارع، وبناء المرافق العامة والمساجد، وغيرها من المشروعات التي حرصت خلالها الإمارات على إعلاء مفهوم الإنسانية أولاً، وهو المفهوم الذي جاء بتوجيه من الوالد المؤسس الذي آمن بأن للدولة دوراً مهماً في دعم الشقيق والصديق والقريب والبعيد، وهو ما حرص عليه عبر تأكيده المستمر على أهمية المضي قدماً في مسار المساعدات الإنسانية، وتقديم كافة أشكال الدعم للمتضررين من حول العالم. 
وعُرف عن الوالد المؤسس طوال حياته حب الخير والاهتمام بالأعمال الإنسانية والخيرية وقدم «طيب الله ثراه» عطاءات كثيرة وصلت كل أصقاع العالم، وسجل الكثير من الإسهامات البارزة في مجال العمل الإنساني، حيث قال طيب الله ثراه: «إننا نؤمن بأن خير الثروة التي حبانا الله بها يجب أن يعم أصدقاءنا وأشقاءنا»، وهي المقولة التي تجسد نهج سياسة دولة الإمارات ومنطلقاتها الاستراتيجية وركائزها الأساسية في التعامل مع دول العالم وشعوب المنطقة، والقائمة على المشاركة والتعاضد والتعاون والتآخي في مواجهة التحديات وتجاوزها، للوصول إلى مستقبل أكثر إشراقاً. وتتعدد المواقف الإنسانية في صفحات تاريخ دولة الإمارات المشرقة، والتي توالت بعد قيام الاتحاد مباشرة، ومنها توجيه المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالتبرع بـ 3 ملايين دولار لحل مشكلة العطش في السودان عام 1972، وفي عام 1973 افتتح الوالد المؤسس، مدينة الشيخ زايد في الإسماعيلية بمصر بهدف توفير الحياة الكريمة لأهالي المحافظة، وانطلاقاً من أواصر الأخوة والشراكة التي تجمع البلدين الشقيقين، كما تكفل بمساعدة مصر على إعادة إعمار مدن قناة السويس وتشمل السويس والإسماعيلية وبورسعيد، وذلك بعد حرب أكتوبر عام 1973. 
وشهد عام 1974، افتتاح مستشفى الشيخ زايد للنساء والأطفال في مدينة لاهور بباكستان وهو المستشفى الذي أصبح نواة لاحقاً لمجمع الشيخ زايد الطبي في باكستان، حيث بدأ بـ 360 سريراً وتنامت سعته لتبلغ 1050 سريراً، كما شهد العام ذاته افتتاح الوالد المؤسس والعاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، سد أبو الرقراق والذي يبعد عن الرباط بمسافة 24 كيلومتراً، كما شهد عام 1982 توجيهه، طيب الله ثراه، بتقديم مساعدة عاجلة قدرها 3 ملايين دولار لتخفيف آثار الفيضانات والسيول التي اجتاحت جمهورية اليمن الشقيقة، وعقب ذلك وقع على اتفاقية بناء سد مأرب الجديد لتجنيب اليمن أي كوارث طبيعية أخرى، حيث تم إعادة بناء السد بتكلفة إجمالية بلغت 80 مليون دولار. 
وشهد عام 1990، تبرع الوالد المؤسس، بمبلغ 20 مليون دولار خلال الاحتفال التاريخي العالمي في مدينة أسوان بجمهورية مصر العربية، لإحياء مكتبة الإسكندرية القديمة، إسهاماً من دولة الإمارات في إحياء المكتبة التي تعد من أكبر مكتبات عصرها.
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حريصاً على أن تمتد يد المساعدات إلى شعوب العالم من أقصاه إلى أقصاه، حيث تبرعت دولة الإمارات في عام 1992 بـ 5 ملايين دولار لصندوق إغاثة الكوارث الأميركي لمساعدة منكوبي وضحايا إعصار «أندرو» الذي ضرب ولاية فلوريدا، كما شهد عام 1999 التوجيه بتقديم مساعدات إنسانية ومواد إغاثية إلى اليونان لمساعدة المتضررين من زلزال ضرب مناطق واسعة من البلاد حينها، كما قدمت الدولة 145 طناً من المساعدات الغذائية للمتضررين من المجاعة في القرن الأفريقي عام 2000، كما تم تقديم حزمة مساعدات لمنكوبي الزلزال الذي ضرب غواتيمالا.
وتعد هذه المساعدات، جزءاً يسيراً من العديد من القرارات الإنسانية الخالدة والمبادرات الخيرية التي جسدتها دولة الإمارات، حيث يشير تقرير لوزارة الخارجية والتعاون الدولي، تحت عنوان « إنجازات الدبلوماسية الإماراتية في مجال المساعدات الإنسانية»، إلى أن قيمة المساعدات التنموية والإنسانية التي أمر بتوجيهها الوالد المؤسس، منذ عام 1971 حتى 2004 بلغت نحو 90.5 مليار درهم، استفادت منها 117 دولة.

على النهج
استمرت دولة الإمارات في سيرها على نهج الخير والعطاء بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث  أسهمت المساعدات الإماراتية في سد الفجوات الكبيرة في تمويل مشاريع البنية التحتية في العديد من الدول النامية، من خلال البرامج الموجهة للتنمية الحضرية والبنية التحتية للنقل وقطاعات الصحة والتعليم والطاقة المتجددة، كما تعد ثقافة الخير والعطاء الإنساني من الدعائم الأساسية التي تقوم عليها دولة الإمارات، وتشكل هويتها وتراثها.
وتمثل برامج المساعدات الإماراتية جسوراً للتواصل مع العالم ومنهجاً قويماً تسعى دولة الإمارات من خلاله لمساعدة الناس أينما كانوا.

رسالة
يشير التقرير إلى أن الوالد المؤسس، أدرك مغزى رسالة الإسلام السامية وهي تقديم العون الإنساني للمحتاجين، فكانت جسور العون والمساعدة والإغاثة العاجلة والاستجابة القياسية السريعة التي قدمتها الإمارات للإنسان، أياً كان موقعه أو دياناته أو جنسيته، راية خفاقة تعلو معها قيم العطاء وإغاثة المكروبين والمتأثرين من الأزمات الإنسانية، ويعلو معها اسم الإمارات لتتشارك القمة مع الدول الأكثر عطاء إنسانياً ومنحاً للمساعدات في العالم، كما وجه طيب الله ثراه، بإطلاق مبادرات هدفت لمأسسة قطاع المساعدات الخارجية للارتقاء بالجدوى، وتعزيز المسؤولية وتصويب مسيرة العطاء، لتنطلق من الإمارات اليوم أكثر من 40 جهة مانحة ومؤسسة إنسانية وخيرية تغطي مساعدتها كافة دول العالم والشعوب المحتاجة والمتأثرة. وقام الوالد المؤسس، بتأسيس العديد من الجهات المانحة والمؤسسات الإنسانية والخيرية في عهده، وكان صندوق أبوظبي للتنمية هو المتصدر لقافلة العطاء والخير لتلك المؤسسات، حيث وجّه، طيب الله ثراه، بإنشائه في 15 يوليو من العام 1971 بهدف تقديم المساعدة إلى الدول النامية الشقيقة والصديقة ومساندتها في جهودها الرامية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك أصبح الصندوق ذراع الإمارات التنموية خارج الدولة.
ومن خلال تأسيس الصندوق، استطاعت الإمارات أن تجعل من سياساتها الرامية إلى مساعدة الدول النامية تتخذ شكلاً مؤسسياً يعمل على تقديم هذه المساعدات التنموية بصورة كفؤة ومنتظمة وبما يعظم من النفع الذي يعود على الدول المتلقية لهذه المساعدات.
وتميزت حقبة الثمانينيات بتأسيس هيئة الهلال الأحمر الإماراتي في عام 1983 لتكون ذراع الدولة لتقديم المساعدات الإغاثية، فقد عملت الهيئة على تقديم المساعدات في عدد كبير من الدول المتضررة من حالات طوارئ حسب توجيهات الوالد المؤسس، طيب الله ثراه، كما قامت بتلبية النداءات الدولية التي تصدر عن المنظمات الدولية.
وتشير الأرقام إلى أن إجمالي إسهامات المؤسسات المانحة بالدولة خلال الفترة الممتدة من العام 1971 وحتى العام 2004 تخطت حاجز  التسعين مليار درهم، وتشكل المساعدات الحكومية النسبة الأكبر بما يزيد على  الـ73 مليار درهم، تليها إسهامات صندوق أبوظبي للتنمية وهو الصندوق المعني بتقديم القروض للدول النامية، بالإضافة لإدارة المنح بالإنابة عن الحكومة لتصل إلى 15.3 مليار درهم.