أبوظبي (الاتحاد) 

ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الأدب والتأدب مع رسول الله صلى الله عليه، وامتثلوا لما أمرهم به الله جل وعلا، ويقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات: 1-3]. 
هذه آياتٌ كريمات تبين مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون تجاه نبيهم مِنَ التَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَامِ، والتبجيل والإعظام، والأخذ بسنته، وعدم التقدم بين يديه بأمر، ولا نهي، ولا تصرف، ولا اقتراح، حتى يأمر وينهي ويأذن -عليه الصلاة والسلام-.
كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ففي الآية نهي للصحابة أن يتكلموا بين يدي كلامه صلى الله عليه وسلم، فامتثلوا أمر الله فما عاد بعد نزول هذه الآية من يقترح أمراً دون الرجوع إلى الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: [الله ورسوله أعلم]، خشية أن يكون في قولهم تقديم بين يدي الله ورسوله.
قال ابن عباس -رضي الله عنه-: لما سألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ»؟ قُلْنَا: بَلَى...» الحديث. 
فهذه صورة من الأدب التي انتهى إليها الصحابة  بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى تقوى الله السميع العليم.
ومن هؤلاء الأخيار: ثَابِت بْن قَيْسٍ -رضي الله عنه-، فإنه لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) وكان جهوري الصوت، وكان خطيب الأنصار، فخشي على نفسه من ارتفاع صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتزل الناس في بيته، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوْا النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: «لَا، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فكانت هذه بشارة عظيمة له، قَالَ أَنَسٌ -رضي الله عنه-: وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ومن توقير الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، أنه سبحانه نهانا أن نناديه باسمه فقال: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً) [النور: 63]. أي لا تجعلوا أيها المؤمنون دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعوتموه، ونداءكم له إذا ما ناديتموه كدعاء أو نداء بعضكم لبعض؛ فلا تنادوه باسمه مجرداً، فلا تقولوا: يا محمد. بل تنادوه: يا نبي الله، أو يا رسول الله. فإن مولاه لم يناده باسمه مجرداً كسائر الأنبياء والمرسلين؛ كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فقد كان يناديه بقوله: يا أيها النبي، يا أيها الرسول تكريماً له وتشريفاً. لأنه سبحانه هو الذي أمرنا بتوقيره واحترامه ومناصرته بقوله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح: 9].
وكان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زَبَرَه، أي قطعه، وقال: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).
ومن الأدب مع النبي عليه الصلاة وأتم التسليم، الصلاة عليه عند ذِكْرِهِ، قال -تعالى-: (إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً). ومن توقير النبي صلى الله عليه وسلم والتأدب معه، الانقياد لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقبول حكم الله بالرضا، فمن فعل ذلك كله فهو من السعداء في الدنيا والآخرة. وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- أشد الناس حُباً وتوقيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقديراً لمكانته.