سيد الحجار (أبوظبي)

تلعب دولة الإمارات دوراً محورياً في الحد من الانبعاثات الكربونية والحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان استدامتها لأجيال المستقبل، وبما يدعم الجهود الدولية للحد من ظاهرة التغيير المناخي، لاسيما مع استضافة الدولة لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا». 
وكان للإمارات السبق في الاستثمار بقطاعات الطاقة النظيفة والمتجددة، والطاقة النووية، بجانب الاهتمام بإنتاج النفط والغاز بأقل قدر ممكن من الانبعاثات، والاستثمار في تقنيات التقاط الكربون، واستكشاف أنواع جديدة من الوقود الخالي من الكربون مثل الهيدروجين الأزرق والأخضر، فضلاً عن التوسع في مجالات جديدة بقطاعات الطاقة النظيفة التي تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية، مثل توليد الطاقة من نفايات، ومشاريع تحلية المياه، وتطوير حلول تنقل صديقة للبيئة.
وتستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 خفض الانبعاثات الكربونية من عملية إنتاج الكهرباء بنسبة 70% خلال العقود الثلاثة المقبلة، كما تستهدف توليد 50% من الطاقة عبر مصادر خضراء، مع تحقيق التوازن بين جانبي الإنتاج والاستهلاك، والالتزامات البيئية العالمية.
كما تهدف استراتيجية الإمارات للطاقة أيضاً إلى تنويع مصادر الطاقة، عبر مضاعفة نسبة مساهمة مصادر الطاقة النظيفة، وتعمل على تحقيق استدامة موارد الدولة وحفظها للأجيال القادمة، حيث سيتضمن خليط الطاقة في الإمارات، حسب الاستراتيجية، الفحم النظيف والغاز والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي، بحيث يكون الاعتماد على الطاقة النووية بما نسبته 6%، و12% للفحم النظيف، إلى جانب 38% من الغاز، و44 % من الطاقة المتجددة.

طاقة نظيفة
وبدأت الإمارات استثماراتها بمجال الطاقة النظيفة مبكراً، مع إطلاق مبادرة «مصدر» عام 2006، حيث استطاعت أن تستشرف التحول القادم في مشهد الطاقة، وراهنت على التقنيات والحلول الناشئة، والتي أثبتت جدواها مع مرور الزمن، واليوم، تقوم دولة الإمارات بتشغيل ثلاث من أكبر محطات الطاقة الشمسية وأكثرها تنافسية من حيث التكلفة في العالم.
والتجربة الإماراتية في مجال الطاقة النظيفة، تم تتويجها باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» عام 2009، ما كرس المكانة العالمية للدولة بقطاع الطاقة النظيفة، لاسيما مع تنفيذ «مصدر» عدداً من المشاريع الرائدة في مجال الطاقة الشمسية والرياح وتحلية المياه ومعالجة النفايات داخل الدولة، وفي أكثر من 30 دولة حول العالم.
كما شهد عام 2008 تأسيس جائزة زايد للاستدامة تخليداً لرؤية الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، والذي أرسى ركائز التنمية المستدامة، وحماية البيئة في الإمارات، حيث باتت الجائرة تحتل مكانة عالمية رائدة في مجال تحفيز الإبداع والابتكار وتشجيع المبتكرين بمجال الطاقة النظيفة، ودعم الجهود العالمية لمواجهة تحديات التغيير المناخي.

محطات شمسية
وتحتل الإمارات مكانة بارزة على صعيد مشاريع الطاقة الشمسية، مع تطوير مشاريع رائدة مثل محطات «شمس»، و«نور أبوظبي»، ومجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية، كما يتم تطوير محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية، وهي أكبر محطة مستقلة في العالم لإنتاج - الكهرباء من الطاقة الشمسية، بقدرة 2 جيجاواط.
وستبلغ القدرة الإنتاجية لمجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية 5000 ميجاوات بحلول عام 2030، وسيسهم المجمّع عند اكتماله في خفض أكثر من 6.5 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.
وتسهم محطة «نور أبوظبي»، والتي بدأ التشغيل التجاري لها أبريل 2019، بطاقة إنتاجية قدرها 1.177 ميجاواط، في تقليل الانبعاثات الكربونية بمقدار مليون طن متري سنوياً، أو ما يعادل إزالة 200 ألف سيارة من شوارع الإمارة.
كما ستسهم محطة الظفرة، في تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الإمارة بأكثر من 2.6 مليون طن متري سنوياً، أي ما يعادل إزالة نحو 470 ألف سيارة من الطرقات.
وحققت محطة شمس للطاقة الشمسية المركزة، التي دشنتها «مصدر» في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، في شهر مارس عام 2013، نتائج مميزة على مدار سنوات عملها الثماني، إذ نجحت في تفادي إطلاق 1.4 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل زراعة 12 مليون شجرة أو إزالة 120 ألف سيارة من الشوارع، وهو ما يدعم الجهود التي تبذلها دولة الإمارات للمساهمة بالالتزام العالمي للحد من تداعيات التغير المناخي.

مستقبل مستدام
وبمناسبة الذكرى السنوية الـ 15 لتأسيس «مصدر»، أطلقت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» الأسبوع الماضي حملة عالمية تحت عنوان «لمستقبلٍ مستدام».
وتعكس مسيرة «مصدر» الممتدة على مدى 15 عاماً من المساهمة في نمو قطاع الطاقة المتجددة، التزام دولة الإمارات بممارسة دور ريادي في دعم جهود المجتمع الدولي في مواجهة تحديات التغير المناخي.
وارتفعت القدرة الإنتاجية لمشاريع الطاقة المتجددة التي تشارك فيها «مصدر» بأكثر من الضعف على مدى العامين الماضيين وذلك من 4 جيجاواط إلى 11 جيجاواط، أي ما يكفي لتوفير الكهرباء لأكثر من 4 ملايين منزل، في حين تبلغ القيمة الإجمالية لهذه المشاريع 19.9 مليار دولار.
وتساهم مصدر حالياً في دعم مجتمعات محلية تنتشر في أكثر من 30 دولة حول العالم، ولدى «مصدر» مشاريع بارزة تنتشر في مختلف أنحاء العالم، والتي تسهم في تفادي إطلاق ملايين الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

طاقة نووية
ويعد برنامج الإمارات للطاقة النووية نقلة نوعية في قطاع الطاقة بالإمارات، حيث يسهم هذا الإنجاز في تسريع عملية خفض البصمة الكربونية لقطاع الطاقة.
وتتكون محطات براكة من 4 محطات، وتقع في منطقة الظفرة على بُعد نحو 280 كم عن أبوظبي، وتصل القدرة الإنتاجية للوحدات الأربع مجتمعة إلى 5600 ميجاواط «حيث ستقوم كلّ وحدة بتوليد 1400 ميجاواط من الطاقة»، حيث سيتم توفير 25% من احتياجات الدولة من الطاقة الكهربائية عند تشغيل جميع الوحدات في محطة براكة، كما ستحد من 21 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً، وهو ما يعادل التخلص من عوادم 3.2 مليون سيارة من طرق الدولة كل عام.
وفيما بدأت المحطة الأولى في العمل، وتم استكمال عمليات البناء بالمحطة الثانية، تصل نسبة الإنجاز بالمحطة الثالثة إلى 94%، والرابعة 88%.
وتعد الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط تدير محطة لإنتاج الطاقة النووية السلمية الخالية من الانبعاثات الكربونية، ومن المتوقع أن تصل قدرة الدولة في إنتاج الطاقة النظيفة، التي تجمع بين الطاقة المتجددة والنووية، إلى 14 جيجاوات بحلول عام 2030.
وخلال شهر ديسمبر الماضي، أعلنت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية نجاح شركة نواة للطاقة، في تحقيق إنجاز جديد تمثل بوصول مفاعل المحطة الأولى في براكة إلى 100% من طاقته الإنتاجية، فيما تم الإعلان الشهر الماضي عن إصدار رخصة تشغيل الوحدة الثانية لمحطة براكة.

النفط والغاز
ورغم التوسع في التحول نحو الطاقة النظيفة، إلا أن العالم سيبقى بحاجة إلى النفط والغاز لعقود عديدة قادمة، ما يزيد أهمية إنتاج الكميات التي نحتاجها من النفط والغاز بأقل قدر ممكن من انبعاثات الكربون، وتمتلك دولة الإمارات ميزة طبيعية جعلت استخراج موارد النفط والغاز لدينا الأقل عالمياً من حيث انبعاثات الكربون، وتعد كثافة الكربون لخام مربان، الذي يشكل نصف إنتاج الإمارات من النفط، أقل من نصف المتوسط العالمي لقطاع النفط.
وتعمل «أدنوك» على تنفيذ خططها للنمو، مع الالتزام بخفض انبعاثات الكربون بنسبة 25% إضافية على مدى السنوات الـ10 المقبلة، كما تسعى الشركة لاستكشاف الفرص والإمكانات في أنواع الوقود الجديدة، مثل الهيدروجين، الذي أظهر إمكانات كبيرة وواعدة باعتباره وقوداً خالياً من الانبعاثات الكربونية يمكن إنتاجه على نطاق واسع، كجزء من سلسلة القيمة الهيدروكربونية الحالية لـ«أدنوك». 

الهيدروجين الأخضر
وبات استخدام الهيدروجين مصدراً بديلاً للطاقة، على رأس اهتمام الكثير من الدول في الآونة الأخيرة، باعتباره أحد المصادر المهمة للطاقة النظيفة، نظراً لأهميته في خفض انبعاثات الكربون والحد من ظاهرة تغير المناخ.
وتتواصل خطط الإمارات لإضافة الهيدروجين إلى مزيج الطاقة، فخلال شهر يناير الماضي، أعلنت مبادلة للاستثمار «مبادلة»، وشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» وشركة القابضة - ADQ - توقيع مذكرة تفاهم لتأسيس «ائتلاف أبوظبي للهيدروجين»، بهدف ترسيخ مكانة أبوظبي مُصدِّراً موثوقاً للهيدروجين الأخضر، الذي يتم إنتاجه من خلال توظيف تكنولوجيا الطاقة النظيفة، والأزرق، والذي يتم إنتاجه من خلال الغاز الطبيعي، ووضع خريطة طريق لتسريع تبني واستخدام الهيدروجين في القطاعات الرئيسة بالدولة، مثل المرافق والنقل والصناعة.
وتنتج أدنوك حالياً حوالي 300 ألف طن سنوياً من الهيدروجين لعملياتها في مجال التكرير والبتروكيماويات، وتخطط لرفع إنتاجها إلى 500 ألف طن سنوياً. 

تبريد المناطق
وعلى صعيد متصل، توسعت شركات تبريد المناطق في الإمارات على مدى السنوات الماضية في توفير حلول التبريد المستدامة، والصديقة للبيئة والتي تساهم في تحقيق المبادرات الرامية إلى الحدّ من الانبعاثات الكربونية على مستوى المنطقة، والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وكشفت الشركة الوطنية للتبريد المركزي «تبريد»، مؤخراً عن قيام الشركة خلال 2020، بتشغيل 6 محطات جديدة لتبريد المناطق، وإضافة أكثر من 50 ألف توصيل لعملاء جدد، مما رفع إجمالي توصيلات الشركة إلى 1.4 مليون طن تبريد عبر عملياتها، وكانت النتيجة الصافية المترتبة عن ذلك تجنب انبعاث أكثر من 1.35 مليون طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أي ما يعادل إزالة 193 ألف مركبة من الطرق على مدار العام، بالإضافة إلى توفير 2.26 مليار كيلوواط/‏‏ ساعة أي ما يكفي لتزويد 128 ألف منزل بالطاقة سنوياً.

«النقل» المستدام
كما تواصل الإمارات التوسع في تطوير حلول تنقل صديقة للبيئة، في إطار استراتيجية الدولة لتعزيز النقل المستدام.
وشهدت السنوات الأخيرة التوسع في استخدام الحافلات والسيارات الكهربائية، وخلال شهر فبراير الماضي، أعلنت شركة الإمارات جلوبال للسيارات الكهربائية وشركة ينلونج إنرجي عن استعدادها لإطلاق أسطولٍ من الحافلات الكهربائية الصديقة للبيئة، ويتوقع أن تسهم هذه الحافلات الصديقة للبيئة في تحقيق وفورات كبيرة في الطاقة، وتخفيض انبعاثات الكربون في الإمارات، حيث إن استبدال حافلة ديزل واحدة بأخرى كهربائية سيعادل إزالة الانبعاثات الضارة الناجمة عن 27 سيارة ركاب لمدة عامٍ كامل، إلى جانب إلغاء الحاجة لاستهلاك 12175 جالون ديزل على مدى 10 سنوات.
كما أعلنت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» عام 2019، عن تسيير أول حافلة ركاب مستدامة تعمل بالكهرباء بالكامل على مستوى المنطقة، وذلك بالتعاون مع دائرة النقل بأبوظبي، وشركة «حافلات للصناعة»، وشركة «سيمنز الشرق الأوسط».
ومن ناحية أخرى، يستفيد ملاك السيارات الكهربائية من المبادرات المهمة، التي أطلقتها دولة الإمارات لتشجيع التحول إلى استخدام السيارات الكهربائية، حيث كان لتلك المبادرات أثر إيجابي في زيادة عدد تلك السيارات في الدولة.