نوف الموسى (دبي)

الأرض تسري فينا، تُشكلنا، تمرر أسرارها الأولى عبرنا. في أغلب الثقافات بالعالم، ومنها الإمارات لا تزال رائحة التربة المليئة بالمطر، لها دلالتها الوجودية الخاصة، ولنا أن نتخيل مدى تأثير هذه التفصيلة البديعة في تشكيل فكرنا، وأنظمتنا الاجتماعية، وكيف تسري في سلوكياتنا العامة، كما يسري الماء بين أشجار النخيل في حالات الارتواء.
يقول المزارعون: إن بقاء الماء يؤذي الشجرة، لذا فالسريان والحركة جزء من الحياة الزراعية، مشكلاً فكراً ثقافياً متكاملاً، من اللغة الزراعية وغنى المفردة، إلى المعرفة العلمية وارتباطها بالعلاجات الطبية، مروراً بالمعمار والاصطفاف الهندسي للأشجار وبيئات الواحات في الصحراء والوديان والشلالات في أعالي الجبال، وصولاً إلى الأهازيج الموسيقية، لكل مرحلة من استقبال الحياة للثمر والمحصول هناك أغنية، كلمة يجب أن تُقال، احتفال لا بد من أن يُقام، ففي أعالي الجبال في الإمارات مثلاً يحتفى بمرحلة تسمى بــ «دق القمح»، يتحركون فيها الأشخاص عبر حركة دائرية منسقة ومنتظمة مرددين الأهازيج الخاصة بتلك المرحلة من زراعة القمح.

رحلة
في رحلة «الاتحاد الأسبوعي» هناك أسئلة، بحث مسترسل عن إمكانية الوعي بالبيئة الزراعية، باعتبارها جزءاً حيوياً كمورد للأمن الغذائي بالدرجة الأساسية، وكقيمة اجتماعية، تعزز حضور الأشجار والنباتات المحلية في صميم الهوية المُشكل للفكر، والسعي لحماية بعض الأشجار المهددة بالانقراض، والتي ترحل برحيل كبار السن من أهل الزراعة والمختصين في دولة الإمارات.

  • علي المحرزي
    علي المحرزي

شجرة النخيل
«أكملت سيرة والدي وأجدادي، الزراعة بالنسبة لنا كل شيء».. أول ما قاله علي المحرزي، من يملك مزارع في منطقة مسافي بإمارة رأس الخيمة، عند حديثه عن الأصناف الزراعية، التي حرص على زراعتها في منزله الحالي الكائن بمنطقة الخوانيج بمدينة دبي، والتي هي بمثابة امتداد للبيئة الزراعية التي نشأ فيها، يضع يده على شجرة النخيل، المتواضعة في باحة البيت الخارجية، وكأنه يستند من خلالها على ذاكرة المكان، قائلاً: «مسافي منطقة جبلية مرتفعة، أتذكر كيف كنت أمشي فيها قرابة 3 كيلو مترات، لأصل إلى المدرسة، حالة المشي على الأقدام مستمرة معنا، ونحن ذاهبون بعدها إلى مزارعنا، وهناك تلاحظ كيف أن الكل يعمل، والسؤال منّا دائماً حاضر، لأهلنا، في كيف التعامل والتعاطي مع الأرض، ومختلف أنواع الأشجار، وبالأخص شجرة النخيل، لأن ثمرها والاستفادة الزراعية والحياتية تستمر على مدار العام».

الإنسان والأرض
التشكل الأول للعلاقة الضمنية بين الإنسان والأرض، التي أسست لنظام اجتماعي متكامل، تحضر فيها النباتات والأشجار، في كونها كيانات خاصة، تتطلب الرعاية والفهم المتبادل بينها وبين الناس، يتحدث عنها الباحث الإماراتي أحمد محمد عبيد، بأنها تكاد تكون نظام الحياة الأول، باختلاف تضاريس البيئات الطبيعية، ومدى قابلية الزراعة فيها، بدونها سيكون هناك صعوبة في العيش، خاصة «التمر»، باعتباره مورداً غذائياً لسكان الجبال والصحراء والساحل، وأحد أسس الحياة الزراعية، في دولة الإمارات.
ويضيف الباحث أحمد، علنا نذهب لتلك الظلال التي شكلت بنفسها حياة اجتماعية، وتداخلات ممتدة للعلاقات الإنسانية، إلى جانب الاستفادة في إطعام الحيوانات، وأيضاً نباتات الطب الشعبي.

«الشعير» والقمح
يسرد الراوي علي المحرزي، أن القدماء قالوا: إنه لم يمكن في السابق لديهم أرز، ما يطلق عليه أهل الخليج بـ «العيش»، وإنما كان يزرع «الشعير» والقمح، ويأكلون منه، ويتابع: «يخرج الناس من مسافي إلى دبي، بالجِمال المحملة بالفندال والليمون والمانجو، وبعضهم يحمل الفحم والحطب، على مدى 3 أيام»، وفي مشاهدة عابرة عن جمالية صوت النافورة بقرب مجلس علي المحرزي، ينقلنا بحديثه إلى الأودية في منطقة مسافي، المتكونة من 7 أودية، مبيناً المحرزي توزيعاتها، فمنها يصل إلى الفجيرة، والطيبة وخورفكان ودبا ورأس الخيمة، وأبرزهم وادي سيجي، الذي يخرج من مسافي مروراً بالذيد وصولاً إلى إمارة أم القيوين. وأن وفرة الماء قديماً عبر الأمطار، ساهمت في دعم الأنظمة الزراعة المحلية في دولة الإمارات.

وعي أهل الأرض
«نحتاج إلى وعي أهل الأرض، بضرورة الحفاظ على الأشجار القديمة»، تأكيد للباحث أحمد محمد عبيد، من قدم كتباً متخصصة من مثل «النخيل في الحجاز في الجاهلية والعصور الإسلامية، وكتاب «النخلة في دولة الإمارات: مقدمة تاريخية تراثية لغوية»، مسترسلاً في بيانه أن الوعي بدأ يتلاشى مع رحيل كبار السن، وعدم اهتمام شريحة كبيرة من الشباب، بالعناية بالنباتات الأصلية، سواء من أصناف الزيتون، وحتى أصناف النخيل منها ما انقرض فعلياً، ومن الأشجار القديمة أشجار الجوافة التي تسمى «الزيتون البلدي»، وأنواع الحمضيات، من مثل «الموصلي» الذي كان موجود في مدينة العين، وشجرة «اللومي الحلو»، و«اللارنج»، وأنواع «الموز البلدي»، تتضمن 4 أنواع من الموز القديم، وأنواع من القمح القديم، هناك ما يقارب 7 إلى 10 أنواع من الشعير، بعضه أنقرض، قائلاً: «في الحقيقة، أن وجود رعاية رسمية، تبارك الأمر، وتدعم زراعة الأصناف الموشكة على الانقراض، يساهم بشكل كبير، في استمراريتها، أمام التركيز الكبير من قبل المزارعين على الأصناف التجارية المربحة، وإمكانية الاهتمام بالأصناف القديمة، وفتح آفاق للاشتغال على الاستفادة منها تجارياً أيضاً».

«الكسوة»
يوضح علي المحرزي، حضور أشجار النخيل كأساس في الأصناف الزراعية المتعددة في دولة الإمارات، تأتي بعدها شجرة المانجو ضمن الأصناف الرائجة في الزراعة، لأنها تباع لأهل «الساحل»، فالأخير كان يطلق قديماً على القاطنين من إمارة دبي إلى رأس الخيمة، بالمقابل فإن أهل مسافي يستفيدون من الأشياء التي تنتج في «الساحل»، أبرزها الملابس، يطلقون عليها «الكسوة». وفي التفاصيل البينية لحياة المزارعين، يكشف علي المحرزي أن الحياة الزراعية وارتباطها بالأرض، جعله يتوصل لكيفية صناعة الفخار، وعندما نقول الفخار، فنحن نقصد الطين والتربة، مشيراً إلى أنه من أوائل من أدخله إلى السوق وبالأخص في منطقة «مسافي»، حتى وصل عدد المصانع اليوم لنحو 300 مصنع في الإمارات.

تحولات الستينيات
من الموضوعات اللافتة للراوي علي المحرزي حديثه عن التحولات في الستينيات، فيما يتعلق بالبيئة الزراعية، من بينها حصول والده على «موتور» محرك، في عام 1964 لخبير إنجليزي يعرف بـ «منصور»، هو الشخص المعني وقتها بالزراعة في الإمارات، ويحتفظ فيها بالمتحف في منطقة مسافي برأس الخيمة، ولنا أن نتخيل الأبعاد التاريخية لاستشفاف حضور المحرك واستخداماته مولدات الطاقة في تلك الفترة، سواء في البيئات الزراعية والاستخدامات العامة. وإبان الحديث عن تلك التفاصيل التاريخية، أشار المحرزي إلى نقطة جوهرية يعكف عليها، وهي الزراعة المنزلية، ففي بيت أبنائه، ووسط أحفاده، يحرص على أن يكون في كل بيت هناك زوايا لزراعة النباتات المحلية والأشجار المثمرة، دعماً لاستمرارية حالة الاتصال النوعية للعلاقة فيما بينهم عبر الزراعة والأرض.

  • أحمد محمد عبيد
    أحمد محمد عبيد

1000 لفظ زراعي
يصف الباحث أحمد محمد عبيد جماليات حضور المفردة الزراعية، ومدى غزارتها، خاصةً أنه يعكف حالياً على إنجاز كتاب، يوثق أكثر من 1000 لفظ زراعي، بمختلف اللهجات في دولة الإمارات، والمتنوعة من مكان إلى آخر، من مثل «النخلة الصغيرة النابتة بالجذع تسمى «كاروب» والتي تنبت في «الغِدْر» رأس النخلة تسمى «سَقلوب» بلهجة دبا»، مضيفاً أن عمق العلاقة تعود إلى مرحلة اللغة الفصحى، وربما أقدم من ذلك بكثير، موضحاً أنه علنا نتوصل إلى لغة أثرية مختصة بالنخيل، والتي لم تصلنا إلى الآن، والتي قد تصل إلى 5000 أو 6000 سنة.

هوية 
الحياة الزراعية تُشكل هوية المفردة والشعور وأنماط الفكر، يستوقف هذا البعد الباحث أحمد محمد عبيد، ويتأمل مسألة الوجدانيات في الموروث الشعبي، وكيف يتعلم صاحب الشجرة منها الرحمة، فهو حريص جداً على حياتها، من خلال الاهتمام بأوقات السقاية، ومجابهتها ليلاً ونهاراً.
وفي أحد المرويات الشعبية، يسرد لنا الباحث أحمد محمد عبيد، ما يقال على لسان النخلة: «إذا أنا ملت، أعمل لي سند، وإذا طحت أبكاني»، ورجع من خلالها إلى مرحلة السبعينيات مع التوسع العمراني، وكيف أن في بعض القرى كانت لا توجد مساحات للبناء، إلا بإزالة النخيل، وكان كبار السن يبكون وهم يشاهدون الجرافات تزيل النخيل التي عاشوا عليها. ولفت إلى كيف أنه قبل 70 إلى 100 سنة كانت الأرض المزروعة بالنخيل، قيمتها أعلى من الأرض الجرداء، باعتبار أن الأشجار ثروة، ويضيف مروية أن أحد كبار المهتمين بالنخيل في الدولة، في الصباح عند خروجه من البيت، يطلب من العاملين سقاية النخيل، وعند رجوعه للبيت وشهد أنه لم يتم سقايتها، يمتنع عن تناول الغداء.