محمد عبدالسميع (الشارقة)

بكلّ معاني الوفاء والصدق العاطفي المشغول بأحزان الفقد، يبثّنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، آلامه الإنسانيّة وأحزانه الكبيرة لفقد أخيه وعضيده الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، في قصيدة موشّاة بوجع الذكرى ومرارة الغياب، وتساؤلات الشّاعر الذي لا يجد بدّاً من الإيمان بقضاء الله والتسليم لأمره، لخبرٍ هزّ الدنيا وهزّنا جميعاً في كلّ بيتٍ من أبيات القصيدة، للمرحوم الذي كان مضرباً للمثل، وفارساً سبق عصره، وسيبقى اسمه بيننا إلى الأبد، ومحفوراً في الذاكرة عبر الأجيال.
والقصيدة المتدفّقة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الإنسان والأخ والشاعر، تُستهلّ بخبر رحيل العضيد وارتحاله إلى دارٍ أخرى، ولن يكون في نفس الأخ له بديلٌ، فهو صاحب الرأي السديد والصائب، وهو الذي لا يمكن أن نجد في حكمته ومشورته خللاً، خصوصاً في الصعيبات من الأمور، والتي نحتاج فيها إلى عون أهل الحكمة والتجربة والمشورة.. فهو خبرُ الفقد الذي اهتزت له الثّريا، وكادت الأرض تميد من وقعه وقوّة تأثيره.

فقيد الوطن
فقد غاب النجم ولم نشبع من مرآه بعد، ولذلك ففي وداعه، رحمه الله، وهو يترك في قلوبنا الأسى، وهذا الطوفان الهادر من الأحزان، ندعو مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لفقيد الوطن الشجاع وصاحب العقل الرشيد، وأخي المكارم والخير وسداد الرأي، وليس أدلّ على منزلته العالية في النفوس من أن تشهد له الدّولة كلّها بكمال دوره واكتمال رأيه، وقد فرض اسمه وترك بصمته التي لا تُمحى وفعله الحميد الذي لا يزول.
هذه الشخصيّة التي نحزن لفقدها جميعاً، بها وبأمثالها تقوم الدّول وتنهض، وبها ينال الأخ من أخيه حظّاً سعيداً لندرة صفاته وعظيم مكانته.. أمّا اليوم فالفقيد هو في ضيافة ربّه الكريم وفي جوار رحمته، فله أجر الشهيد، وهو الصّادق في كلامه وفعله، والواضح الذي لا يتخفّى برأيه أو أقواله، فكلمته واحدة ومقرونة بالعمل، فهو منذورٌ لطريق الحقّ الذي لا يحيد عنه.
ولكنْ، مع الإيمان بالله والتسليم لإرادته، تبقى أحزان الفراق والفقد غالبةً وتنزّ من أبيات القصيدة التي ينعى فيها إلينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أخاه الطّود الذي ودّع الحياة، وكان لم يزل فيه بعدُ الأمل والعطاء للدّار والأهل، وللمعالي التي ارتقاها منذ طفولته، فاعتاد تشييدها، فهو الشهم والبطل الذي جاوز من هم في سنّه إلى الفرادة مبكّراً وسار إليها محبّاً. ومثل هذا الفارس الذي تنفطر على رحيله القلوب يُفتقد وتُكتب في رثائه أجمل الأشعار، ويُستذكر في كلّ حرفٍ من حروفها بأطيب الذّكريات وأصدق العبارات، فسمعته الطيّبة وذكره الذي ملأ الأسماع سيكونان في مقبل الأيام محطّةً بل محطّاتٍ للاحتفال والاستذكار، وسيظلّ اسمه المنقوش على صفحات المجد باقياً في النفوس والقلوب اليوم وغداً وأبد الدّهر.

ارتحل إلى العلياء
هذه معاني القصيدة ومواضيعها التي لا تحتمل التأجيل، إذ سرعان ما بادر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى مشاركة أهله والوطن والمحبين في الأحزان التي حطّت فجأةً على قلب الأخ، فكانت هذه الشهادات التي يقدّمها تباعاً في قصيدته المؤثّرة التي شكّلت أمواجاً من الحزن وآلام الفقد لرحيل «حمدان العضيد».
وحين نقرأ فنيّة القصيدة وسرعة مؤدّاها في النفوس، فإنّ الأحزان الزاخرة في أبياتها المترادفة، هي ما ندخل من خلاله إلى قوّة الصّورة وتأثيرها، فعلى أحزان بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن فاعلن)، يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قصيدته، وعلى قافية الشّطر اللاميّة في أبيات القصيدة، وقافية الدّال في العجز من هذه القصيدة، تتخللنا الأحزان، إذ تفجعنا صورة العضيد الذي ارتحل إلى العلياء، وصورة الرأي الذي ينتقيه المرحوم الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم عن بصيرةٍ وفراسة ورؤية وسعة تجربة، وكذلك صورة العقل الراجح الذي كان يمتلكه، رحمه الله، ومعرفته بما ينبغي عليه عمله لحلّ الإشكاليّات والقرار السريع فيما يبعث من الأمور الصعبة والعسيرة على الحيرة والتفكير.
أمّا الصّورة الشعريّة القويّة، فهي صورة الخبر المحزن الذي حلّ فجأةً، فهزّ الثّريا عند قدومه كخبرٍ حزين لا يحتمله أحد أو يقدر عليه الصّبور من الرجال، لتأتي صورة الأرض التي كادت تميد بأهلها حزناً عليه ووجعاً بسبب غيابه، وهي صورة من الموروث المعرفي والثقافي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وهو يرثي أخاه، ويعزز هذا الرثاء بصورة النجم الذي أفل، وصورة الأخ «القرم» و«الرشيد الذي لم نشبع منه بعد»، وقد استخدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لهذا أسلوب التساؤل والتعجّب من هول الخبر والفاجعة: «كيف عنّا تسير يا نجمٍ إفل.. ما شبعنا منك يالقرم الرّشيد؟!».

باقٍ في الذاكرة
أمّا صورة الدعاء للفقيد المرحوم بالعيش: «عشت يا حمدان منّك ما حصل.. غير فعل الخير والراي السديد»، فأسلوبٌ قوي يدلّ على بقاء المرحوم في الذّاكرة، فهو باقٍ ولم يرحل عن دنيانا بعد، حتى وإن رحل شخصه البهيّ عن أبصارنا، كما نكون أمام صورة البصمة التي لا تمحوها الأيّام، مثلما تتعزّز الصورة بأن الفقيد، عليه رحمة الله، به وبأمثاله تقوم الدّول أو هم عماد وأساس قيامها وبنائها، ولذلك كانت الصّورة للدلالة على هذا الثبات بوصف الإرادة التي كان عليها الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم كإرادة من حديد، وليس ذلك بغريب، فهو أخو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو المثال الذي كان يتمثّله صاحب السّمو ويضرب به المثل ويعتزّ به، فكان محظوظاً به وسعيداً بأن يكون له هذا الأخ الذي غادر مبكّراً، ولكن، إلى حيث رحمة ربّه وضيافته وغفرانه، وهنا تبرز حالة اليقين بالله حتى أمام الحزن الشديد، وهذه صفاتٌ نبيلة للأخ الذي يثق بالله ويعلم أنّ رحمته شملت كلّ البشر، وخاصّةً عباده الذين يجازيهم برحمته كما يفعل مع الشهداء، فهي صورة الشهيد التي تحيلنا إلى استعارة المعنى من الموروث الديني لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وإيمانه بأنّ للشهيد صوراً كثيرة، منها صورة الصابرين على قضاء الله وإرادته وحكمته التي لا تُناقش في كيفيّة تصريف الحياة والموت وتسيير الأمور.

سابق عصره
في القصيدة، نحن أمام تعبير يدلّ على ثبات المرحوم الشيخ حمدان بن راشد ووضوحه: «كنت واضح لا تعيد ولا تزيد»، وهذا التعبير يضعنا أمام رجل لم تكن أفعاله ورؤيته إلا انعكاساً لشخصيّته، رحمه الله، في صدقه وعدم تقلّب فكره أو رأيه، فهو لا يحيد عن طريق الحقّ، وقد رحل وما يزال لأهله ولداره -أي لوطنه- أملٌ في استمرار نهجه، لاسيّما وهو المعروف عنه أنّه ومنذ بواكير حياته ونعومة أظفاره كان يشيّد المعالي، وهي صورة قويّة للمخلص الصادق في العطاء والمتفاني في خدمة بلاده في كلّ مجال.
وتتعزّز صورة المرحوم الفارس، بتعبير قوي من الفارس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «يا محبّ الخيل يا شهمٍ بَطَل.. سابقٍ عصره وله ماضي مجيد»، فأن يحب المرء الخيل تعبيرٌ قويٌّ يحيلنا إلى فروسيته، رحمه الله، وصفاء نفسه، فالخيل معقودٌ بنواصيها الخير، وهو ما يستشف من قصيدة يعرف صاحبها جيّداً معنى الفروسيّة، وكيف يسبق المرء عصره وجيله، ويحقق الماضي المجيد الذي يدوم ذكره في الأذهان.