دبي (الاتحاد)

أعلن مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ أن «مسبار الأمل» قد أنهى بنجاح ثالث المراحل الست من رحلته التاريخية لاستكشاف الكوكب الأحمر، وهي «الملاحة في الفضاء» التي تعد أطول مراحل المهمة الفضائية الأولى التي تقودها دولة عربية لاستكشاف الكواكب، واستغرقت هذه المرحلة نحو 7 أشهر.
وكانت مرحلة «الملاحة في الفضاء»، قد بدأت عقب انتهاء مرحلتي الإطلاق والعمليات المبكرة، وبلغ متوسط سرعة المسبار خلالها نحو 121 ألف كيلو متر في الساعة، وشهدت ثلاث مناورات رئيسة لتوجيه المسار حتى يكون المسبار في المسار الصحيح صوب مدار المريخ.
وبعد إنهائه مرحلة الملاحة في الفضاء بنجاح، يبدأ مسبار الأمل في مرحلة الدخول إلى المريخ، وهي أصعب مراحل المهمة الفضائية وأكثرها خطورة، وتستغرق 27 دقيقة قبل وصول المسبار بنجاح إلى مداره المحدد حول الكوكب الأحمر، ويواجه المسبار في هذه المرحلة 5 سيناريوهات رئيسية، ثلاثة منها تكلل المهمة بالنجاح، والرابع يعد نجاحاً جزئياً للمهمة بوصولها إلى هذه المرحلة المتقدمة، والخامس قد يعني فقدان المسبار في الفضاء أو تحطمه.

«برمجة» تحدد مصير المسبار
وتكمن صعوبة هذه المرحلة في أن الاتصال يكون منقطعاً مؤقتاً بالمسبار، الذي يعمل طوال هذا الوقت بشكل ذاتي، إذ يكون الاعتماد في نجاحها كلياً على عمليات البرمجة التي قام بها مسبقاً فريق العمل عند بناء وتصميم المسبار، والتي يصعب تجربتها في ظروف مشابهة على كوكب الأرض، وفي هذه المرحلة يركز فريق العمل على إدخال «مسبار الأمل» في مدار الالتقاط حول المريخ بشكل آمن، ومن أجل إتمام هذه المهمة بنجاح، سيتم حرق نصف كمية الوقود الموجودة في خزانات المسبار لإبطائه إلى الحد الذي يسمح بإدخاله في مدار الالتقاط، وتستمر عملية حرق الوقود باستخدام 6 محركات للدفع العكسي (دلتا في) لمدة 27 دقيقة لتقليل سرعة المسبار من 121.000 كم/‏ ساعة إلى 18.000 كم/‏ ساعة، ونظراً لكونها عملية دقيقة، فقد تم تصميم المسبار لهذه المرحلة بحيث يتم تشغيله بشكل ذاتي ومستقل.
وبعد إتمام هذه العملية بنجاح ستتم إعادة فحص واختبار جميع الأنظمة والأجهزة العلمية الموجودة على متن المسبار قبل الانتقال إلى المرحلة العلمية التي سيتم خلالها إجراء أول اتصال مع المسبار مع المحطة الأرضية عبر شبكة مراقبة الفضاء العميق، من خلال محطتها الرئيسة في العاصمة الإسبانية مدريد.

الفضاء محفوف بالمخاطر
وأكد المهندس عمران شرف مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل»، أن مشاريع استكشاف الكواكب دائماً ما تكون محفوفة بالتحديات والمخاطر، وخصوصاً مهام استكشاف المريخ، حيث إن تحديات إرسال قمر اصطناعي إلى الكوكب الأحمر تعادل 5 أضعاف القيام بالمهمة نفسها حول كوكب الأرض.
وقال شرف: إن فريق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ كان قد درس كل التحديات المحتملة - الرئيسي منها والفرعي - التي يمكن أن يواجهها مسبار الأمل في رحلته لاستكشاف المريخ، وجرى أخذ جميع هذه الاحتمالات في الحسبان عند تصميم وبناء وبرمجة المسبار لمساعدته على تخطي التحديات التي قد يواجهها، ولكن هذا لا يمنع إمكانية تعرض المسبار لأية ظروف طارئة قد تؤثر على الجدول الزمني للرحلة، أو على فرص نجاحها، وخصوصاً في مرحلة الدخول إلى مدار الالتقاط حول المريخ، والتي تعد أصعب مرحلة في رحلة المسبار.

«الدقائق الـ 27 العمياء»
وأضاف: إن صعوبة مرحلة الدخول إلى مدار الالتقاط حول المريخ تعود إلى أن المسبار عليه أن يخفض سرعته البالغة 121 ألف كيلو متر في الساعة إلى 18 ألف كيلو متر في الساعة، خلال 27 دقيقة فقط، والتحدي الأكبر في هذه الدقائق هو انعدام تحكم مركز الخوانيج في دبي بالمسبار خلال هذه المدة الحرجة، والتي تسمى «الدقائق الـ 27 العمياء»، حيث إن المسبار يعالج كافة التحديات التي يواجهها في هذه الفترة بنفسه، وفي حال تعطل أكثر من اثنين من محركات الدفع العكسية، سيتسبب ذلك في أن يتيه المسبار في الفضاء العميق ولا يمكن استرجاعه.
وتابع شرف أنه في حال استطاع مسبار الأمل دخول مدار المريخ بنجاح، ستكون دولة الإمارات الخامسة في تاريخ البشرية التي تصل إلى الكوكب الأحمر، وهذا يؤكد حجم الإنجاز الذي يتحقق، وخصوصاً أن نسبة نجاح الوصول إلى المدار تاريخياً لا تتعدى 50 %.

مصير المهمة
وحدد المهندس عمران شرف قائد مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» 4 سيناريوهات رئيسة لعملية دخول مسبار الأمل إلى مدار الالتقاط حول المريخ، بالإضافة إلى العديد من الاحتمالات الفرعية المندرجة ضمن كل سيناريو رئيس، مشيراً إلى أن 3 من هذه السيناريوهات ستكلل مهمة المسبار بالنجاح التام في هذه المرحلة.
وقال: إن السيناريو الأول الذي عمل فريق المشروع على الاستعداد له طوال السنوات الماضية من عمر المشروع هو دخول المسبار بنجاح إلى مدار الالتقاط عبر قيامه ذاتياً بتخفيض سرعته من 121 ألف كيلو متر إلى 18 ألف كيلو متر، خلال الدقائق الـ 27 العمياء والتي يكون خلالها تأخر في الاتصال بحوالي 11 دقيقة مع مركز التحكم الأرضي في دبي، وذلك من خلال أن تعمل بكفاءة أجهزة الدفع العكسي التي برمجها فريق العمل سلفاً للقيام بهذه المهمة بشكل ذاتي ومن دون تدخل بشري، وحينها سيدخل المسبار بشكل آمن، وفي الموعد المحدد وفقاً للجدول الزمني، إلى مدار المريخ، وتكون هذه المرحلة قد كللت بالنجاح.
وأضاف: إن السيناريو الثاني هو فقدان واحد أو اثنين من محركات الدفع العكسي ما سيترتب عليه زيادة المدة الزمنية اللازمة للوصول إلى المسبار، وبالتالي حدوث تأخر طفيف في التأكد من إنجاز هذه المرحلة بنجاح.
وتابع: السيناريو الثالث والرابع الذي لا نتمنى حدوث أي منهما هو تعطل أكثر من اثنين من محركات الدفع العكسي الستة للمسبار وفشل عملية الدخول إلى مدار الالتقاط ما يمكن أن يترتب عليه تحطم المسبار بعد اصطدامه بالمريخ أو أن يتجاوز الكوكب الأحمر ويتيه في الفضاء ولا يمكن استعادته، أما الاحتمال الرابع والأخير، فهو وصول المسبار بنجاح إلى مدار الالتقاط حول المريخ مع فقدان الاتصال الدائم به، موضحاً أن ذلك سيعد نجاحاً جزئياً لمهمة «مسبار الأمل» بوصولها إلى هذه المرحلة المتقدمة.
وأكد شرف أنه رغم احتمالية حدوث أي من السيناريوهات السابقة أو غيرها إلا أن فريق المشروع كان قد عمل على وضع خطط بديلة في مراحل تطوير وبرمجة المسبار لجميع هذه السيناريوهات، ولذا نحن على ثقة أن جهود الفريق الدؤوبة طوال السنوات الماضية سوف تتكلل بالنجاح بإذن الله.

إنجاز 3 مراحل بنجاح
وكان مسبار الأمل أنهى بنجاح 3 مراحل في مهمته التاريخية الأولى من نوعها، منذ انطلاقه من مركز تانيغاشيما للفضاء في اليابان على متن الصاروخ «إتش 2 إيه» يوم العشرين من يوليو 2020 عند الساعة 01:58 فجراً بتوقيت دولة الإمارات، وهي: مرحلة الإطلاق ومرحلة العمليات المبكرة، ومرحلة الملاحة في الفضاء، ويتبقى أمام المسبار ثلاث مراحل أخرى هي الدخول إلى المريخ، والانتقال إلى المدار العلمي، ثم المرحلة العلمية التي سيقوم خلالها المسبار عبر أجهزته العلمية بجمع وإرسال البيانات حول الكوكب الأحمر، ولكل من هذه المراحل مخاطرها وطبيعتها الخاصة وتحدياتها النوعية التي تتطلب التعامل معها بكل دقة وكفاءة ومهارة من جانب فريق العمل.

تخطي التحديات
ويشار إلى أن مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» تخطى بنجاح منذ بدايته عام 2014 عدداً من التحديات كان أبرزها الظروف التي فرضتها جائحة «كورونا» حول العالم، وتمكن الفريق من نقل المسبار من دبي إلى اليابان وإطلاقه بنجاح من قاعدة تانغاشيما.
وقد استغرق تطوير مسبار الأمل 6 سنوات، في حين استغرقت مهمات المريخ المشابهة من 10 سنوات إلى 12 سنة، كما تم إنجاز المشروع بنصف التكلفة الاعتيادية للمشاريع العلمية الأخرى إلى كوكب المريخ، حيث بلغت التكلفة 200 مليون دولار، وتعتبر من بين الأقل في العالم قياسا بمهمات ومشروعات مماثلة وذلك بفضل جهود الكوادر الهندسية والبحثية والعلمية الوطنية.
ويعد مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ هو أول مشروع عربي لدراسة الكوكب الأحمر، و«مسبار الأمل» هو محط آمال مئات الملايين من 56 دولة «عربية وإسلامية». وهو مشروع طموح لتسجيل حضور علمي وبحثي عربي مشرّف في مجال استكشاف كوكب المريخ، وعند وصول مسبار الأمل بنجاح إلى مدار المريخ ستكون دولة الإمارات خامس دولة في العالم تحقق هذا الإنجاز التاريخي، ضمن مشروعها العلمي النوعي لاستكشاف كوكب المريخ، وهذا الوجود الإماراتي يمثّل تطلعات وطموحات دولة الإمارات.
ويخدم هذا المشروع البشرية بشكل عام والمجتمع العلمي بشكل خاص، ويضع المعلومات التي يجمعها من خلال أبحاثه في كوكب المريخ من دون مقابل في متناول أكثر من 200 مؤسسة علمية ومركز أبحاث حول العالم، كما يرسخ مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ اهتمام شباب الدولة والعالم العربي لدراسة العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا والتخصص فيها، كما يسهم مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ في بناء كوادر إماراتية عالية الكفاءة في مجال تكنولوجيا الفضاء والابتكار والأبحاث العلمية والفضائية. كما يسهم هذا المشروع العلمي الطموح في إحداث تحولات جذرية في تطوير قدرات دولة الإمارات والعالم العربي في مجال البنى التحتية الهندسية والصناعية والعلمية والبحثية.
ويتزامن وصول «مسبار الأمل» إلى مدار كوكب المريخ مع احتفالات دولة الإمارات العربية المتحدة باليوم الوطني الخمسين لإعلان الاتحاد.