تامر عبد الحميد (أبوظبي)

ركزت سلطنة عمان، ضمن مسيرة خطة التنمية التي بدأت عام 1975، على الاهتمام بالجوانب الثقافية والفنية، وإبراز الفنون الشعبية وتأسيس المهرجانات الفنية والسياحية، التي اختزلت الحضارة العمانية وعراقتها من خلال فعالياتها المتعددة، من أجل الغوص في عبق الماضي وأصالة التراث وروح الحاضر وتطور المستقبل، حتى أصبحت سلطنة عمان «ملتقى الفكر والثقافة والفنون».
 «الاتحاد» تستعرض تطور المشهد الفني في سلطنة عمان في يومها الوطني الخمسين، واحتفائها بيوبيلها الذهبي، من تأسيس مهرجانات فنية وحركة سينمائية ودرامية ومسرحية حافلة.
كانت بداية كتابة النص الدرامي الإذاعي والتلفزيوني في السبعينيات، على يد فنانين متحمسين لفكرة تأسيس الدراما الإذاعية والتلفزيونية في السلطنة، مع افتتاح الإذاعة والتلفزيون، منهم الفنان الراحل جمعة الخصيبي، والفنان صالح زعل، والفنان والمخرج أمين عبداللطيف، ومجموعة من الفنانين العمانيين، الذين كتبوا النص الدرامي، الإذاعي والتلفزيوني والمسرحي والسينمائي، وصنعوا تاريخاً مشرفاً للدراما العُمانية، حيث توالت المسلسلات والتمثيليات الإذاعية والتلفزيونية بأقلام عمانية لخلق مشهد ثقافي تنويري، يجسد الحياة العمانية بكل أطيافها وحالاتها الثقافية والحضارية، ومن أبرز تلك الأعمال «زيد وعبيد» و«طيبة وسلامة» و«جديد الصوف» و«يوميات سعيد وسعيدة» و«جمعة في مهب الريح» و«خيوط العمر» و«انكسار الصمت».

جيل جديد
في عام 1988 بدأت ملامح السينما العمانية تظهر بوضوح من خلال 3 تجارب ناضجة استعان مخرجها حاتم الطائي بكاميرات احترافية، وهي «السقوط» و«الوردة الأخيرة» و«شجرة الحداد الخضراء».
ومع ظهور كاميرا الديجيتال ظهر جيل جديد، وحدثت طفرة في تقنية الفيلم العماني، وبرزت في هذه المرحلة أسماء مثل يوسف البلوشي وجاسم البطاشي وعبدالله البطاشي الذين قدموا أفلاماً ذات جودة بصرية عالية، وحدثت نقلة نوعية في السينما العمانية، حيث تم تأسيس مهرجان مسقط السينمائي 2001، وبعد ذلك تم إشهار الجمعية العمانية للسينما عام 2006 التي نالت دعماً كبيراً من الدولة لإيمانها بدور السينما في النهوض بوعي المجتمع، واستغل صناع السينما في عمان ارتفاع سقف الإبداع في تقديم قضايا مهمة مثل إدمان المخدرات والنقاب وحرية المرأة، وكان أول فيلم روائي طويل يحمل توقيع المخرج خالد الزدجالي، بعنوان «البوم» إنتاج عام 2005، وشارك في العديد من المهرجانات والمحافل الدولية، وشارك في بطولته صالح زعل وأمينة عبدالرسول وطالب محمد وسالم بهوان وزهى قادر والفنان المصري الراحل سعيد صالح.

  • فرقة تواصل المسرحية
    فرقة تواصل المسرحية

المسرح العماني
عرف المجتمع العماني النشاط المسرحي من خلال 3 مدارس كانت تحمل اسم «المدارس السعيدية» التي تأسست في مسقط عام 1940 وصلالة 1951 ومطرح 1959، واستغل المعلمون شغف الطلاب بالتمثيل وقاموا بتقديم عروض فنية في ساحات خالية داخل حدود المدارس، واعتمدت في أغلبها على نصوص تاريخية مستوحاة من المناهج التعليمية. ثم ظهر ما يسمى المسرح الصيفي، وداخل النادي الأهلي ازدهرت الحركة المسرحية في الفترة من 1971 إلى 1975، ورغم الإمكانيات المحدودة إلا أن حماس الشباب كان السبب الرئيسي للنجاح، وبذكاء شديد اشتبك المسرح العماني مع التجارب العربية، حيث اهتم الشباب بتقديم عروض مهمة لكتاب من مصر، مثل «سد الحنك» لسعد الدين وهبة 1973 و«مجلس العدل» لتوفيق الحكيم.
وفي فترة الثمانينيات شهد المسرح العماني طفرة كبيرة وتنوعت العروض بين الكوميدي والاجتماعي والتاريخي، وتم السماح للفتاة العمانية بالصعود على خشبة المسرح، وأدركت الجهات المعنية أهمية هذا الفن، وقامت بتأسيس فرقة «مسرح الشباب»، وأحدثت هذه الفرقة نقلة كبيرة في النشاط المسرحي، وبفضل مشاركاتها الدولية نجحت في إفراز مواهب حقيقية في التمثيل والإخراج والديكور والإضاءة والتأليف.
ومع تزايد حضور الحركة المسرحية في عمان ظهر العديد من الفرق الأهلية مثل «الصحوة» و«الرستاق» و«فكر وفن» و«مزون المسرحية» و«ظفار» و«تواصل»، ولاشك أن تعدد الفرق وتنوع اهتماماتها خلق منافسة قوية، ومن هنا تأصلت ملامح المسرح في عمان، التي ساهم فيها عدد من الرواد الأوائل مثل محمد بن إلياس فقير ورضا عبداللطيف، وفي عام 1990 تم افتتاح قسم للدراسات المسرحية في جامعة السلطان قابوس، ويتضمن أفرع التمثيل والإخراج والنقد المسرحي والديكور، كما تم إنشاء الجمعية العمانية للمسرح عام 2009 بهدف جمع شمل كل العاملين في المسرح ورعاية مصالحهم والحفاظ على حقوقهم المادية والأدبية.

مهرجانات
وتم تأسيس عدد من المهرجانات العمانية التي أسهمت في إثراء الحركة الفنية في السلطنة، ومن أبرزها مهرجان صلالة، حيث احتضن العديد من الفعاليات الفنية والثقافية التي جذبت عدداً كبيراً من السياح والزوار إلى السلطنة، ومزجت مناسباته بين التراث والحاضر والمستقبل، ويقام المهرجان في مركز البلدية الترفيهي في منطقة إيتين القريبة من الجبل، ويتميز بعروضه الموسيقية والثقافية، ويشتمل أيضاً على عروض حية من الفن العماني والرقصات الشعبية المحلية والفنون التراثية، إضافة إلى الحفلات الغنائية الساهرة التي يشارك في إحيائها نخبة من نجوم الغناء والموسيقى من كل أنحاء الوطن العربي.
كما يعتبر مهرجان مسقط بوابة ثقافية بين الشعوب، إذ يهدف المهرجان إلى تنشيط السياحة داخل وخارج السلطنة، حيث يضم العديد من الأنشطة والفعاليات والأحداث الثقافية والفنية والسياحية، مع إقامة أجنحة خاصة بكل دولة تعرض فيها فنونها الشعبية والغنائية من الفرق الزائرة، بالإضافة إلى الحفلات الشاطئية التي تجتذب مشاهير مطربي العالم العربي، ويُعد إحدى الوجهات السياحية للسلطنة حيث يتعرف الزائر خلاله على الحضارة العمانية، ومدى تنوع الفنون، والحرف المتنوعة التي مارسها الإنسان العماني منذ القدم.
أما مهرجان الأغنية العمانية فيعتبر، منذ انطلاقته في عام 1994، محطة فنية مهمة عملت على استقطاب المواهب الغنائية والموسيقية وشعراء الكلمة المبدعة، ووضعها أمام مسارها الصحيح في سعي حثيث لإيجاد قاعدة فنية راسخة تعمل على تطوير الأغنية العمانية، وتأمين سبل انتشارها ونجاحها، من أجل الارتقاء بالأغنية العمانية والوصول بها إلى العالمية.

  • احتفالات مهرجان مسقط
    احتفالات مهرجان مسقط

مسقط السينمائي
وللاحتفاء بصناع السينما ومبدعي «الفن السابع»، تم تأسيس مهرجان مسقط السينمائي، الذي يجمع عشاق السينما تحت سماء عمان، ليدعم الفيلم العماني والفيلم العربي بشكل عام، من خلال العديد من المسابقات الخاصة بنوعيات مختلفة من الأفلام منها الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، وقد شارك فيه نخبة من أبرز الفنانين العمانيين، منهم صالح زعل وأمينة عبدالرسول وطالب محمد وزهى قادر والراحل سالم بهوان.
وبهدف إحياء الموروث العماني الأصيل، وإظهار الفنون التراثية المعروفة في السلطنة، أسست جمعية هواة العود «ليالي عمان»، التي تنظم حفلات غنائية يشارك فيها نخبة من المطربين والموسيقيين العمانيين المشهورين، ومن أبرزهم محمد المخيني وماجد المرزوقي وهدى الخنبشية ومحمود النوفلي ونوال البوسيعيدية ومحاد المشيخي وعبدالله العبري.

انتعاشة سينمائية
المخرج العماني خالد الزدجالي، الذي شارك منذ فترة بفيلمه الأخير «زيانة» بإنتاج مشترك مع الهند، في عدد من المهرجانات السينمائية في لبنان والسويد ومصر والمغرب، كما شارك في المسابقة الرسمية في الدورة الثانية من مهرجان العين السينمائي في أبوظبي، أكد، بعد إنشاء مهرجان مسقط السينمائي، أن العالم أصبح يعرف التطور الكبير الذي وصلت إليه عمان، وأصبحت تجتذب أيضاً شركات إنتاج أجنبية لتصوير أعمالها الفنية في أغلب مناطقها، وأصبح هناك حراك وإنتاج سينمائي كثيف.

نهضة فتية
الفنان العماني إبراهيم الزدجالي الذي شارك في بطولة أكثر من 61 عملاً درامياً، أبرزها من عمان «الشعر ديوان العرب» و«قراءة في دفاتر المنسي» و«عمان في التاريخ» و«في منتصف الطريق» و«ألوان من الحب والحزن»، هنأ الشعب العماني بمناسبة اليوم الوطني الخمسين لسلطنة عمان، واليوبيل الذهبي للنهضة المباركة الحديثة، لافتاً إلى أن عمان أصبحت دولة حديثة تمزج بين الأصالة والمعاصرة والتطور في شتى المجالات، ومع هذه النهضة كان لابد أن تنهض معها الحركة الفنية في السلطنة من إذاعة ودراما ومسرح وسينما، فمنذ بداية السبعينيات، أسست الدولة العديد من المهرجانات التي أسهمت في دعم الصناعة لخلق أعمال تضاهي النهضة التي وصلت إليها عمان من تطور وتقدم وازدهار.