منى الحمودي  (أبوظبي) 

أكد معالي محمد بن أحمد البواردي وزير الدولة لشؤون الدفاع أن تجربة دولة الإمارات لإدارة أزمةِ جائحة «كوفيد - 19»، أثبتت أن الاستقرار الوطني في المستقبل لم يعد مجرد حماية ووقاية من المخاطر الاعتيادية أو الهجمات التقليدية، بل يمكن للتهديدات غير المألوفة أن تأتي بأشكال وتأثيرات مختلفة يصعُبُ التنبؤ بها، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز تأثيرها المحسوس.
جاء ذلك خلال كلمة معاليه في افتتاح المؤتمر السنوي لوزارة الدفاع «القادة لحروب القرن الواحد والعشرين» تحت عنوان (دور الدفاع في المرونة الوطنية ما بعد 2020)، والذي تم عقدُه افتراضياً عبر تقنية الاتصال المرئي أمس، بمشاركة عددٍ من الخبراء المحليين والإقليميين والدوليين.

  • خلال فعاليات المؤتمر (من المصدر)
    خلال فعاليات المؤتمر (من المصدر)

مرونة وطنية
وقال معالي محمد بن أحمد البواردي: نرى أن النهج الجديد للمرونة الوطنية لا بد أن يرتكز على أربعة اعتباراتٍ أساسية هي وحدة الأراضي والسيادة، الحماية العامة والسلامة، التماسك والترابط الاجتماعي والاستقرار الاقتصاديِ والأمني، وذلك لتطوير القدرة على حماية المواطنين من التهديدات المستقبلية.
وأضاف: «لا بد من تعبئة وتنسيق جميع جهود الاستجابة الوطنية متضمناً كافة الجهات الفاعلةِ ومستنداً على الركائز الأربع بهدف تحقيق المرونة، ولهذا الغرض تأتي مشاركة البيانات وتبادل المعلومات بين جميعِ الأطراف المعنية على رأس الأولويات، وينعكس النجاح لتحقيق المرونة الوطنية من خلال قدرة الدولِة والمجتمع على التكيف مع الأوضاع الناشئة عن الأزمات حتى بعد انقضائها». 
وأكد معاليه أن الخبرة العملية للمؤسسة العسكرية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في أوقات الأزمات الوطنية المشابهة لجائحة «كوفيد 19»، وذلك من خلال استجابة مستحدثةٍ للطوارئ، حيث تمتلك القوات المسلحة مجموعةً من المنشآت والموارد التي يمكن استخدامها في العديد من المهام بما يتناسب مع الحالات الطارئة، وقد يكونُ الوقت قد حان لتحديد دور فاعلٍ للقوات المسلحة في جميع الدول لمواجهة حالات الطوارئ غير القتالية، وذلك لما يتميز به العسكريون من خبرات وقدرات في التعامل مع حالات الطوارئ.
وثمن معاليه كافة الجُهود الوطنية في إدارة هذهِ الأزمة ومُكافحة جائحة «كورونا» مُتمثلة فِي المجلس الأعلىَ للأمنِ الوطني، ووزارة الصحة ووقاية المُجتمع التي قادت لواء خط الدِفاع الأول ببسالةٍ منقطعة النظير، وخاضت معركة شرسة فِي مواجهة «كوفيد - 19» والحد من انتشاره، والنجاحات التي حققتها خير شاهد على هذه الجهود المقدرة، وذلك بالتنسيق معَ جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية والمحلية.

التعبئة الوطنية
وأشار الدكتور مئير إلران، رئيس برنامج الأمن الداخلي في معهد دراسات الأمن الوطني في جامعة تل أبيب، إلى أهمية استراتيجية المرونة، كونها تُمثل قدرة النظام على العودة بعد حدوث اضطراب كبير، وأن المرونة هي السمة الأساسية في الاضطراب البشري وتدعو إلى استمرار التعبئة الوطنية.
وقال: في ظل انخفاض مستوى المرونة، هناك أمور عدة يجب تنفيذها لتحقيق ارتفاع في مستوى المرونة، وهي القيادة الشاملة على جميع المستويات، الإدارة المتزامنة للأزمات مع الاستعداد في الوقت نفسه للتعافي من فيروس كورونا، إضافة إلى التعاون والفرصة والتي تعتبر أمراً رئيسياً يجب النظر إليه، وكيف يمكن أن نتحسن» وأضاف: «يجب تشكيل معايير جديدة وأفضل، من شأنها أن تساعدنا في المستقبل لمواجهة الأوبئة والأزمات المستقبلية، وأقترح على الجميع البحث الآن عن تعاون جديد ومبتكر، ونحن في إسرائيل مستعدون للسير على هذا المنوال».
وحول وضع الوباء في إسرائيل أفاد د. مئير إلران، إلى أن الوضع في إسرائيل جيد مثل دولة الإمارات، وأنها في مرحلة الخروج من حالة الإغلاق الثانية ضمن الإجراءات الاحترازية للقضاء على الوباء.
وأشار إلى أن مسألة الاستعانة بالجيش تصاعدت في النقاش العام، حيث إن الوضع مريع بدرجة كافية لاستدعاء الجيش لتحمل المسؤولية، وحتى الآن، تتمثل الاستراتيجية الشاملة في الاستفادة من الأصول العظيمة التي تمتلكها الوزارة مع إبعادها عن المسؤولية الكاملة، والسبب هو أننا لا نتعامل فقط مع الوضع الصحي ولكن الأزمات المعقدة، حيث يلعب الاقتصادي والاجتماعي دوراً كبيراً فيها وعندما نحاول معالجتها بطريقة مشابهة لتحقيق التوازن الصحيح، فهذا ليس شيئاً يجب أن يقرره الجيش، 
وستكون المسؤولية على عاتق الحكومة، وسيساعد القادة التابعون لوزارة الصحة والجيش والحكومة في ذلك.
وذكر د. مئير أربعة عناصر رئيسية في الجيش تجعله مساهماً أساسياً، وهي القوى العاملة، حيث إنهم يتمتعون بكفاءة عالية والاستعداد بشكل دائم، عنصر اللوجستيات، قدرة تكنولوجيا المعلومات والقيادة والسيطرة، لافتاً إلى أن الوباء يعتبر فرصة للتعلم، والحاجة إلى مزيد من التفكير في المستقبل الذي يتسم بأهمية قصوى.

استراتيجية واضحة
ورأى مايك بوش، رئيس العمليات في فريق الاستجابة الحكومي الشامل لجائحة «كوفيد - 19» التابع لمجلس رئاسة الوزراء النيوزيلندي، أن الاستجابة للوباء. تتطلب جهداً كبيراً على مستوى الحكومة وعبر قطاع الأعمال والقطاع الخاص. وأنه يجب أن لا يكون هنالك تهاون في النظام مع ضرورة الاستمرار في تطوير كيفية التعامل مع هذا الوباء العالمي. وأكد أن النجاح في مواجهة الوباء يأتي بوجود استراتيجية واضحة وتحسين النقاط المركزية الحقيقة وبناء ذلك إلى مستوى التشغيل.
وحول الاستعانة بالجيش في مجابهة الوباء، أشار مايك بوش إلى المهارات المهمة التي يتمتع بها الجيش من حيث التخطيط الخاصة بهم أو الخدمات اللوجستية، لافتاً إلى أنه منذ اليوم الأول للوباء في نيوزيلندا تمت الاستعانة بالجيش للمساعدة في التخطيط واللوجستيات، كما لعب الجيش دوراً رائداً في إدارة مواقع العزل.

  • محمد البواردي خلال لقائه وزيرة القوات المسلحة الفرنسية (وام)
    محمد البواردي خلال لقائه وزيرة القوات المسلحة الفرنسية (وام)

بحث علاقات التعاون المشترك مع وزيرة القوات المسلحة الفرنسية
استقبل معالي محمد بن أحمد البواردي وزير الدولة لشؤون الدفاع بنادي ضباط القوات المسلحة، أمس، معالي فلورنس بارلي وزيرة القوات المسلحة الفرنسية والوفد المرافق لها بحضور مطر سالم الظاهري وكيل وزارة الدفاع وعدد من كبار ضباط ومسؤولي الوزارة. ورحب معالي وزير الدولة لشؤون الدفاع بوزيرة القوات المسلحة الفرنسية في بداية اللقاء، وثمن العلاقات الثنائية المشتركة التي تجمع البلدين الصديقين، وبحثا علاقات التعاون الدفاعي المشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية فرنسا وسبل تعزيزها. واستعرض الجانبان خلال اللقاء جهود البلدين الصديقين في التصدي لجائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19» وأهمية توحيد الجهود لاحتواء تداعياته، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

حلقة نقاشية
أكد المشاركون في الحلقة النقاشية التفاعلية حول دور الدفاع في المرونة الوطنية ما بعد 2020، أهمية المرونة الوطنية في سياق التهديدات المعاصرة وكيفية بنائها وتعزيزها، ودور المؤسسات الدفاعية في إعداد القدرة الوطنية وتسليحها بالمرونة لدعم الاستجابة ومواجهة التهديدات غير العسكرية.

قدرات المنظومة الصحية في أفضل مستوياتها
أكد معالي عبد الرحمن بن محمد العويس، وزير الصحة ووقاية المجتمع، في كلمته، أن الرؤية الاستشرافية لحكومة دولة الإمارات، والدعم الكبير الذي أولته القيادة الرشيدة للقطاع الصحي، وكافة ما تم استثماره فيه، أثبت أن قدرات المنظومة الصحية في أفضل مكوّناتها ومستوياتها. 
وقال: تبنت الدولة بكافة قطاعاتها نموذجاً إماراتياً فريداً بقيادة المجلس الأعلى للأمن الوطني والذي أدار الأزمة بحرفية عالية، من خلال اتخاذ إجراءات احترازية وتدابير وقائية استباقية لاحتواء فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19».
وأشار إلى أن الأزمة الحالية برهنت مرونة أنظمتنا الصحية والأمنية والتعليمية والاقتصادية، وقدرتها على مواكبة جميع المتغيرات والتعامل مع حالات الطوارئ والأزمات بكفاءة واقتدار. ولا يخفى على الجميع الدور الحيوي الذي قامت به وزارة الخارجية والتعاون الدولي من خلال التنسيق بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول العالم الأخرى في تبادل المعلومات والخبرات في مجال السيطرة على وباء كورونا «كوفيد ـ 19». 
وقال: حرصنا على التعامل بحنكة مع هذا التحدي الذي واجه العالم برمته، التزمنا بمعايير الشفافية وأشركنا المجتمع بجميع فئاته في جهود احتواء الجائحة؛ كونهم الشريك الأساس، من خلال التوعية لكافة القطاعات، كل وفق اختصاصه، لنعزز المسؤولية المجتمعية.
وأكد معاليه أن دولة الإمارات تمتلك رؤى استراتيجية واضحة، وخريطة طريق مُحددة المعالم، تستشرف المستقبل، وتهدف لتعزيز القطاع الصحي للدولة والتكامل الحكومي المشترك بشكل مستدام وتحقق إنجازات نوعية وشاملة، وفقاً لأعلى معايير الرفاه وجودة الحياة لمجتمع دولة الإمارات. وقدم معاليه تحية شكر وإجلال للأبطال في خط الدفاع الأول، الذين شكّلوا نماذج رائدة في العطاء الإنساني من خلال دورهم، وجهودهم في التصدي لجائحة كورونا، والشكر موصول لوزارة الدفاع ولجميع المؤسسات والهيئات الاتحادية والمحلية.

متى تلجأ الدول لجيوشها في مكافحة الوباء؟
في سؤال لـ«الاتحاد» حول متى قد تلجأ الدول للجيش في مكافحة الوباء، أجاب الدكتور مئير إلران، رئيس برنامج الأمن الداخلي في معهد دراسات الأمن الوطني في جامعة تل أبيب، أن الجيش يجب أن يتولى زمام الأمور فقط في حالة بالغة الصعوبة من الانهيار التام للهيئات المدنية، أما دورهم الآن فهو المساعدة، وهم يقومون بذلك بنجاح كبير.
 وفي سؤال آخر حول أبرز الأدوار التي يمكن أن تؤديها الجيوش في مواجهة الوباء، أوضحت العميد الركن الدكتورة عائشة الظاهري، قائد سلاح الخدمات الطبية في القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة، أن المؤسسات العسكرية لا تؤمن بأخذ دور الريادة في التعامل مع هذه التحديات الطبية، حيث توجد مؤسسات تقوم بهذا الدور، ولكن للمؤسسات العسكرية دور داعم في مثل هذه الأوقات. 
وأضافت: يمكن للمؤسسات العسكرية أن تؤدي دوراً في الخدمات اللوجستية، وتوفير الكوادر البشرية من المسعفين المدربين الذين لديهم القدرة على العمل في أي ظرف من الظروف، وطاقم طبي تم تدريبه على العمل تحت الضغط ولساعات أطول بموارد محدودة، وذلك لامتلاك المؤسسات العسكرية خبرات ميدانية في ظروف صعبة.
وقالت: «نؤمن بالتكامل مع المؤسسات الوطنية، ولكن ليس لوزارة الدفاع الدور القيادي في مجابهة مثل هذه الأزمات».

دعم الاستجابات الوطنية للتهديدات غير العسكرية
أكدت العميد الركن الدكتورة عائشة الظاهري، قائد سلاح الخدمات الطبية في القوات المسلحة للدولة، أن المؤسسات الدفاعية تؤدي دوراً مهماً في دعم الاستجابات الوطنية للتهديدات غير العسكرية، وأن القوات المسلحة تعتبر مساهماً في المرونة الوطنية للجائحة، حيث عملت لمعالجة المتطلبات الطبية واللوجستية والأمنية ضمن الجهود الحكومية لدولة الإمارات في مكافحة جائحة «كورونا». 
وأشارت إلى أن الجائحة ساهمت في إعادة تشكيل الدور المستقبلي لمؤسسة الدفاع في دعم التصدي للتهديدات غير العسكرية من خلال مراجعة الأدوار الحالية للحد من المخاطر، والاستجابة للكوارث وتعزيز التعاضد الدولي لتطوير القدرات. بالإضافة إلى الاستفادة من القدرات الدفاعية للوقاية من التهديدات غير العسكرية والتخفيف من حدتها يُمكِّن العالم من استباق الأزمات وتحقيق الاستقرار والأمن.
وقالت: «هدفنا هزيمة هذه الجائحة، وتحسين المرونة الوطنية، والتعاون على نطاق عالمي لضمان السلام والصحة والأمن». وأضافت «في مواجهة الفيروس، شاركت القوات المسلحة الإماراتية بشكل كبير منذ اليوم الأول، وذلك من خلال الكوادر الطبية واستحداث 5 مراكز فحص والبدء بتفعيل اللقاحات في القوات المسلحة، حيث تم تطعيم أكثر من 30 ألفاً من المدنيين والعسكرين ومنتسبي الخدمة الوطنية في القوات المسلحة». وذكرت العميد الركن د.عائشة الظاهري أهمية ثلاثة مجالات مستقبلية لمواجهة الأوبئة، وهي الاستجابة المرنة، تعزيز القدرة والبحوث الدولية، مشيرةً إلى أنها فخورة بكيفية استجابة الإمارات للوباء حتى الآن، لكن هناك مجالاً للتحسين دائماً والاستفادة من القدرات الطبية.
وحول تطعيم أكثر من 30 ألف فرد وماذا فعلته القوات المسلحة الإماراتية لحماية القوة، أكدت أن حماية القوة هي مفتاح أي جيش، وأن القوات المسلحة الإماراتية توفر الحماية كل يوم لقواتها وعائلاتهم، مشيرةً إلى إشراك الجميع من القادة إلى الأفراد ودمج الجميع في الجهود مع التوعية الصحية بلغات متعددة.