طه حسيب (أبوظبي) 

سلط منتدى الاتحاد السنوي في نسخته الخامسة عشرة الضوء على أصداء معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل. وتحت عنوان «الإمارات.. رسالة سلام» وعلى مدار ثلاث جلسات، ناقش المشاركون محورية السلام والتعايش في سياسة الإمارات منذ التأسيس إلى الآن. وسرد المشاركون عبر 12 ورقة عمل محطات مهمة لعبت خلالها الدولة أدواراً وقدمت مبادرات ودشنت مؤسسات لتعزيز التعايش والمصالحة والحوار في مناطق عديدة. وتطرق المشاركون إلى دور معاهدة السلام في تحريك التسوية وإيجاد حل للقضية الفلسطينية. وخصص المنتدى جلسة حول أدوات تنشئة جيل جديد يؤمن بالسلام والتعايش. 
وافتتح حمد الكعبي رئيس تحرير «الاتحاد» المنتدى الخامس عشر، مرحباً بالمشاركين، ومنوهاً إلى عنوان المنتدى «الإمارات.. رسالة سلام»، مؤكداً أن السلام قيمة إنسانية كبرى ومبدأ راسخ للتعايش والتعاون والازدهار. وأضاف الكعبي أن  السلام فكراً وقولاً وفعلاً.. هو بوصلة الإمارات من أجل واقع أفضل لشعبها وأمتها ومحيطها الإقليمي وأيضاً عالمها كله. وأشار الكعبي إلى العلاقة الوثيقة بين السلام و«الأخوة الإنسانية» لدى الإمارات المتطلعة إلى مستقبل أفضل عبر معاهدة السلام مع إسرائيل بآفاق أرحب يسودها التعاون والشراكة. وأكد أن الإمارات تُقدم الآن -عبر السلام- نموذجاً جديداً للمنطقة والعالم، في المضي قُدماً نحو الانتصار للمشترك الإنساني، عبر مستقبل ينأى عن الكراهية، ويبتعد عن عداوات الماضي التي أهلكت الشعوب وعطّلت مسيرتها التنموية. وعرض الكعبي محتوى المنتدى ومحاوره التي تضمنت ثلاث جلسات: أولاها عن «السلام مبدأ راسخ في سياسة الإمارات الخارجية»، وثانيتها وعن «معاهدة السلام كخطوة لتهدئة توترات المنطقة»، أما الجلسة الثالثة فحول «تنشئة أجيال جديدة تؤمن بالسلام والتعايش». 
واستهلت الكاتبة والباحثة الإماراتية عائشة المري مداخلات الجلسة الأولى التي أدارها حمد الكعبي، رئيس التحرير، بورقة تتمحور حول «جهود الإمارات في الوساطة ونزع فتيل الأزمات»، مستنتجة أن مساهمة دولة الإمارات في نشر السلام والاستقرار نهج راسخ لا تحيد عنه؛ فهو الركيزة التي أسس لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأكمل المسيرة على خطاه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.

محطات في دعم السلام
وأشارت عائشة المري إلى أن دولة الإمارات منذ نشأتها كرست نفسها لاعباً رئيساً على الساحة الدولية وشريكاً مهماً في إنجاح مبادرات السلام على المستويين الإقليمي والدولي، كما ساهمت الإمارات في عمليات حفظ السلام. وسردت المري محطات مهمة في أدوار الإمارات الداعمة للسلام والمصالحة. كتلك التي ظهرت بوضوح في دبلوماسية الإمارات للسلام في القرن الأفريقي بين إثيوبيا وإريتريا، ودعمها في سبتمبر الماضي لاتفاق جوبا للسلام بين الحكومة السودانية والحركات السودانية المسلحة، وصولاً إلى بناء السلام  وتحقيق المصالحة بين دولة الإمارات وإسـرائيل. 
وسردت أدواراً إماراتية في حفظ السلام مثلما حدث في أفغانستان ضمن قوات «إيساف»، منذ بداية العام 2003، ودرع الجزيرة.. البحرين 2011 وبعد الأحداث التخريبية التي شهدتها البحرين ومحاولات فرض التدخلات الخارجية في شؤونها في مارس 2011، تحركت الإمارات مع دول مجلس التعاون. 
وأكدت عائشة المري أنه كانت للإعلان عن اتفاق دولة الإمارات وإسرائيل على إقامة علاقات ثنائية ردود أفعال إقليمية ودولية واسعة، كونه حراكاً إيجابياً هو الأكثر تأثيراً في مسار العلاقات العربية- الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين. وأكدت المري أنه بمعاهدة السلام مع إسرائيل أوقفت الإمارات خطة الضم الإسرائيلية لبعض أراضي الضفة الغربية وأحيت آمال سلام دائم بالمنطقة.
طريق بناء السلام 
وأكدت أن خطوة دولة الإمارات جاءت متسقة مع مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية. ومن المهم التأسيس على الخطوة الإماراتية كمنهجية للحوار والتفاهمات السلمية، وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية أن تنتهز اللحظة التاريخية لتعيد صياغة مفاهيم السلام والاستقرار خدمة للقضية الفلسطينية، وأن تتجاوز توظيفها سياسياً للقضية الفلسطينية. 

ثقافة التعايش والتسامح
وتحت عنوان «رؤية الإمارات للتعايش والتسامح»، تضمنت الجلسة الأولى مداخلة للدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، أشار في مستهلها إلى أن البابا فرنسيس أصدر رسالةً بابويةً جديدةً بعنوان: كلنا إخوة. وقد ذكر فيها أنه لا يزال يذكر باعتزاز وثيقة الأخوة الإنسانية التي أصدرها بأبوظبي مع شيخ الأزهر بعنوان: «وثيقة الأخوة الإنسانية للتسامح والعيش المشترك». وأضاف رضوان السيد: هناك عدة أمور ينبغي أن تُذكر لفهم رؤية الإمارات للتعايش والتسامح، أولاً: هذه الرؤى تحولت في الإمارات إلى سياسات في شتى المجالات في الداخل ومع الخارج. وهذا معنى اتفاق البابا وشيخ الأزهر على اللقاء بأبوظبي أوائل العام 2019 والذي رعته قيادة الدولة الإماراتية باعتباره إنفاذاً لسياساتها في الجانب الديني والإنساني.
أما النقطة الثانية، يقول رضوان السيد، فتتمثل في أن الدولة أسست للتعايش والتسامح منذ قبل أكثر من عقدين في المجال التربوي والتعليمي. وتلك التربية من أجل المستقبل وضعت لنفسها ثلاثة أهداف: رفع المستوى والكفاءة في كل المراحل التعليمية، والانفتاح على الآخر، والمعرفة الأعمق بالأديان والثقافات والحضارات. والنقطة الثالثة، يضيف السيد، تمثلت في الإقبال على بناء ثقافة التعايش والتسامح والأخوة لدى الأئمة والمدرسين وفي الخطاب الديني العام لدى الدعاة.وفي النقطة الرابعة، أكد رضوان السيد أن رؤى التعايش والتسامح صارت سياسات بعيدة المدى ومن أعمال الدولة بالداخل والخارج، ومن ذلك إنشاء وزارة التسامح، وإصدار قوانين ضد الكراهية وازدراء الأديان. ثم إنها مضت في السياسة الخارجية باتجاه التعاون. وتأتي النقطة الخامسة، في اتجاه الدولة إلى دعم عمليات استعادة السكينة في الدين، ومقاومة التطرف والإرهاب، وتشجيع الانفتاح على العالم. وقد تجلى ذلك في التعاون مع مشيخة الأزهر على إنشاء «مجلس الحكماء».

مبدأ التصالح
وخصصت الجلسة الأولى أيضاً مداخلة للكاتب البحريني عبدالله الجنيد، وتحت عنوان «الإمارات نموذج صانع للأمل والسلام» أكد الجنيد أن المغفور له الشيخ زايد أسهم مع إخوانه حكام الإمارات في تخليق فلسفة جديدة لماهية الدولة قائمة على التكافل السياسي والتضامن الاجتماعي كضمانة لنجاح واستقرار الدولة الاتحادية، والتأسيس لهوية وطنية متسامحة ومنتمية لعمقها الاستراتيجي ومنفتحة على العالم بمنهجية حداثية. وحسب الجنيد، فإن مبدأ الانفتاح عزز من قدرة الإمارات على تسريع تنمية رأسمالها البشري في كل الميادين، ويعد اليوم أحد أهم مسرعات التنمية الوطنية، وفي التحول من الاقتصاد الريعي (النفطي) إلى تنويع الاقتصاد.

صناعة السلام والأمل
وأكد الجنيد أن التصالح سمة لازمت اسم الإمارات عبر تاريخها الحافل بالإنجازات، ولذلك جاء قرار التصالح مع التاريخ في اعترافها بدولة إسرائيل، والذي احتكم إلى مبادئها الإنسانية دون المساس بمسؤولياتها الوطنية أو العربية، أو بما يتجاوز على مواثيق أو أعراف دولية.
وفي معرض تعقيبه على أوراق الجلسة الأولى، أعرب السفير أحمد الحوسني عن تقديره لورقة عائشة المري لتعدد مصادرها واعتبرها دراسة معمقة لجهود الإمارات للوساطة. واتفق معها تماماً في المبادئ التي تنتهجها دبلوماسية الإمارات في سياستها الخارجية التي تعبر عن روح قانون العلاقات الدولية وهي: التمسك بالسلام والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والتمسك برسالتها للسلام والتعاون مع المجتمع الدولي لتحقيق الأمن والاستقرار وما يعزز قيم التعايش المشترك.
فالورقة فصّلت بإسهاب مفيد لجهود الوساطة والمشاركة الإماراتية في حفظ السلام، في عدة دول مناطق كالبوسنة والهرسك وكوسوفو وغرب آسيا في أفغانستان ودول القرن الأفريقي. وشهدنا ثمار نجاح هذه الوساطات بين إثيوبيا وإريتريا بعد عشرين عاماً من الحرب بينهما، وأخيراً المشاركة في اتفاق السلام في جوبا بالسودان.
كما اتفق مع عائشة المرى على ما استخلصته من دراستها بأن «بناء السلام مطلب رئيس وحاجة تتطلع إليها الدول والمجتمعات الإنسانية».
وأشاد الحوسني بمداخلة الدكتور رضوان السيد لمنهجيتها العلمية في تناول رؤية الإمارات للتعايش والتسامح. والمقاربة الثانية من الدكتور رضوان لرؤية أخرى في الملف التربوي، ضمن «تربية المستقبل» من أجل الانفتاح على الآخر والمعرفة الأعمق بالأديان والثقافات والحضارات.
ويؤيد الحوسني كذلك خلاصة توصل إليها الجنيد مفادها أن الإمارات تستشرف استراتيجية خارج النموذج الإقليمي، اقتصادياً. وتنهج كل ما يطور الإنسان من خلال صناعة السلام والأمل، ولذلك قررت عقد معاهدة سلام مع إسرائيل، ما جعل إدارة الرئيس ترامب تقتنع بحيوية القرار الإماراتي.
 وانتقلت الكلمة للأستاذ علي العمودي الكاتب الصحفي بجريدة «الاتحاد»، ليدير الجلسة الثانية، مشيراً إلى أن المنتدى يتزامن انعقاده مع احتفالات «الاتحاد» بمرور 51 عاماً على صدورها.
وأضاف العمودي: كان السلام نهجاً واضحاً وملموساً من أركان السياسة الإماراتية منذ تأسيس الدولة العربية وهي تحرص دائماً على إعلاء ونشر قيم السلام والمحبة وحسن التعايش والتسامح. واليوم تشهد المنطقة والعالم «سلام السلام» بين الإمارات وإسرائيل وكذلك بين البحرين وإسرائيل ليؤرخ لحقبة جديدة من الأمن والاستقرار والتعاون في هذه المنطقة.
 وكانت الجلسة بعنوان «معاهدة السلام، خطوة لتهدئة توترات المنطقة»، وشارك فيها عبدالله بن بجاد العتيبي، وهو كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة، وإميل أمين، كاتب وباحث مصري، وعبدالوهاب بدرخان كاتب صحفي ومحلل سياسي يعيش في لندن. وعقب على أوراق الجلسة الأستاذ الدكتور أسعد عبدالرحمن: رئيس مجلس إدارة ومدير عام هيئة الموسوعة الفلسطينية، كاتب وباحث حاصل على  شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من كندا عام 1973.

قضية العرب الأولى
وفي هذه الجلسة الثانية قدم عبدالله بن بجاد العتيبي الباحث السعودي، ورقة بعنوان «استمرار القضية الفلسطينية دون حل فرصة للتنظيمات المتطرفة»، مؤكداً أن القضية الفلسطينية كانت وما زالت قضية العرب والمسلمين الأولى وستبقى دائماً حاضرة في السياسة كما في الفكر والثقافة وغيرهما، وإسرائيل أعاقت الكثير من الحلول، ولكن السؤال المهم حسب العتيبي هو: ما الحلّ؟ قيل إن الحل في الحرب واستمر هذا الحلّ هو الوحيد المطروح ولا شيء غيره، وبعد الفشل في كل الحروب مع إسرائيل تفشى خطاب الإسلام السياسي في مرحلة لاحقةٍ بشعاراته وخطاباته التي لا تختلف في فشلها عمّا سبقها.
وبعدما اتجهت القيادات الفلسطينية لخيار السلام -يقول العتيبي- كان الثابت في سياساتها جميعاً هو «تفويت الفرص» في كل مرةٍ.

 الإجماع على خيار السلام
وأكد العتيبي أن خيار السلام هو الخيار الذي يحظى بالإجماع، والبقية تفاصيل، وقد تم إيجاد المخرج الوحيد من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة البحرين، وهو إيجاد المعادلة الصحيحة بالنسبة للدول الخليجية والعربية، السلام مع إسرائيل ودعم الشعب الفلسطيني وقضيته. وأضاف: كانت ردة فعل بعض القيادات الفلسطينية معيبةً وتمثل نكراناً للجميل بألفاظٍ نابية لا تليق.
 ولدى العتيبي قناعة بأن عدم الحسم في اختيار «السلام» حلاً ساهم في نشوء العديد من جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة «الإخوان» وجماعات الإرهاب المتعددة المتفرعة عن «الإخوان» الجماعة الأم، وكلما استمر تعطيل السلام أسهم ذلك في إيجاد أعذارٍ لخلق جماعاتٍ متطرفةٍ جديدةٍ، لم تبق عاصمة دولة عربية إلا وخرج تنظيم إرهابي يرى أن الطريق إلى القدس يمر بها، من القاهرة إلى الرياض ومن أبوظبي إلى المنامة.

خطورة المتاجرين
وعن «التدخلات الإقليمية والمتاجرة بالقضية الفلسطينية»، خصصت الجلسة الثانية مداخلة للكاتب والمحلل السياسي المصري إميل أمين، استهلها بالقول: ما من قضية عادلة وقعت بين أيدي متاجرين غير أخلاقيين مثل القضية الفلسطينية، والتي عانت ولا تزال من التدخلات الإقليمية والمتاجرات الدولية. وحدد إميل أمين  ثلاث جهات من كبار المتاجرين بالقضية الفلسطينية: تركيا العثمانية وإيران الصفوية والفصائل الفلسطينية المراوغة في الحل والترحال.
وأضاف أمين: لعل مسيرة التدليس والأكاذيب التركية تتضح بأسوأ صورة في سياسات أردوغان الذي يتباكى على القدس جهراً، فيما شراكته الاقتصادية والأمنية، الاستخباراتية والعسكرية، مع إسرائيل لا تغيب عن الأعين.
وحسب أمين، لم تقدم تركيا للقضية الفلسطينية سوى كلمات طنانة وعبارات رنانة كقرع الطبل الأجوف، الأمر الذي وظفته على نحو خاص لخدمة التيار الإسلاموي في إطار مخطط حزب «الحرية والعدالة». ولفت أمين الانتباه إلى أن تركيا أول دولة اعترفت بإسرائيل، كما أن الملالي في إيران ما تركوا وتراً دوجمائياً إلا وعزفوا عليه طوال أربعة عقود.
فما الذي قدمته إيران للقضية الفلسطينية سوى تعميق الفتنة بين صفوف الفلسطينيين، والمراوغة كالثعلب في ساحات الوغى.
عبر أربعين سنة لا نجد في سجلات التاريخ مساندة حقيقية واقعية من طهران وملاليها للقضية الفلسطينية، سوى نجاحاتها في التمسح باسمها عبر إنشاء «فيلق القدس» الكذبة الأكبر، فالفيلق الذي لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل طوال العقود المنصرمة، فيما وجه إرهابييه إلى دول الشرق الأوسط، عبر وكلاء حروب آثروا خيانة أوطانهم، ويوماً سوف يصدر التاريخ حكمه عليهم.

التسوية وضياع العقدين
وفي ورقته، عن «تحريك الجمود في عملية تسوية القضية الفلسطينية»، طرح الكاتب والمحلل السياسي عبدالوهاب بدرخان تساؤلاً مؤداه: كيف يمكن تحريك عملية التسوية؟ وأجاب بالتفاوض طبعاً، والتفاوض يفترض تعريفاً تنازلات من الجانبين، ولأنه أساساً تفاوض على إنهاء الاحتلال وإعادة الأرض إلى أصحابها. وأكد بدرخان أن ضياع عقدين كاملين من دون تقدم، تم استغلاله لزرع وقائع وتغيير حقائق أصبحت سبباً لتقويض السلام. ولم يعد التفاوض هو ما يصنع السلام بل ميزان القوى الذي ترجح فيه الكفّة لمصلحة الحليفين الاستراتيجيين، الولايات المتحدة وإسرائيل. وأشار بدرخان إلى أن «صفقة القرن» لم تلقَ ترحيباً من المجتمع الدولي بكل تكتلاته، إن هي نفّذت ضمّ الأراضي كأحد مندرجات «الصفقة». ويتساءل بدرخان: هل الاتفاق بين دولة الإمارات وإسرائيل يمكن أن يملأ الفراغ الحاصل في المنطقة، وأن يساهم في دفع الفلسطينيين والإسرائيليين نحو التفاوض والسلام؟ الاحتمال قائم، بعد مساهمة الإمارات في وقف ضمّ الأراضي، وبعد مواكبة من المملكة العربية السعودية أعادت التذكير والتمسّك بالمبادرة العربية للسلام. كان أحد أكثر التعليقات على الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي دقّةً وجدّية أن السلام الذي يقترحه يتوقّف على نيات إسرائيل وما يمكن أن تقدّمه من أجل السلام. إذاً فكل شيء سيكون رهن الخطة المطروحة ومضمونها وآلياتها. 
وفي معرض تعقيبه على أوراق الجلسة الثانية أكد أسعد عبدالرحمن أن من الخطأ طرح «خطة سلام» تحوّل فلسطين أرضاً وشعباً إلى مناطق مقطّعة.

التواضع والتاريخ
 في مداخلة خلال الجلسة الثالثة، أشار جيمس زغبي مدير المعهد العربي- الأميركي في واشنطن إلى أنه  تشرف بالتحدث خلال الفعالية التي أقيمت أثناء الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس إلى أبوظبي في عام 2019، وكان محور الاهتمام هو الحوار بين الأديان. ويرى زغبي أننا في جميع أنحاء العالم، نرى أدلة مثيرة للقلق على عدم التسامح والعنف الناجم عن الكراهية. نرى الجماعات تحول الدين إلى أيديولوجيات سياسية قاسية أو تحوله إلى أداة للقمع أو الحرب. وليس هناك بلد محصن، ولا يوجد مجتمع أو مجتمع ديني بريء. هناك متطرفون مسيحيون ومتطرفون مسلمون ومتطرفون يهود وقوميون هندوس.. إلخ. ومع تزايد جرائم الكراهية علينا أن نتقاسم هذه المشكلة المشتركة ويمكن أن نستفيد من العمل معاً لإيجاد حلول لها. ولذا أبدأ بمطالبتنا بالتعامل مع هذه المشاركة بتواضع، والاعتراف بالحقيقة.
والمهم أن تعظيم هذه المشتركات الإنسانية وثقافة التسامح هو محور تركيز قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، وبناء على رؤية الشيخ زايد، فإن هذه القيادة ملتزمة بالتسامح والتعايش السلمي. وكما قال البابا فرنسيس في رسالته إلى الإمارات: «الإمارات العربية المتحدة بلد يجد فيه الكثير من الناس مكاناً آمناً للعيش والعمل بحرية تحترم الاختلافات.. الإيمان يجمعنا حتى في مواجهة الاختلافات.. إنني أشعر بالسعادة في هذه المناسبة التي منحني إياها الله، والتي ستخلق فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات بين الأديان».

حيوية النموذج الإماراتي في صناعة التحولات
خلال الجلسة الأولى من المنتدى، أكد الكاتب البحريني عبدالله الجنيد أن الاختراق الإماراتي لم يكن فقط في تحوّل الموقف الإسرائيلي في النظر بندّية لدولة شرق أوسطية بحجم الإمارات، بل أيضاً في اقتناع إدارة الرئيس ترامب بحيوية القرار الإماراتي في صناعة مقاربات إقليمية بمشاركة حليف بحجم ومكانة الولايات المتحدة. وقد قدمت الإمارات -حسب الجنيد- نموذجاً إنسانياً في حيوية وضرورة التصالح مع التاريخ وتقديم المصالح المشتركة لعموم شعوب المنطقة، وأيضاً في تحفيز طرفي النزاع (الفلسطينيين والإسرائيليين) على تجاوز التخندق السياسي على حساب شعبيهما. وتخليق إرادة دولية أكثر انخراطاً ورغبة في إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتفعيل أدوات دبلوماسية غير تقليدية (الدبلوماسية المدنية/‏‏‏ شعبية) في تجسير الدبلوماسية الرسمية. وتقديم نموذج غير تقليدي (من خارج إطار تاريخ المنطقة) في حل الصراعات وإدارة الأزمات.

  •  عمر حبتورالدرعي وخليفة السويدي والسفير أحمد الحوسني والدكتور رضوان السيد أثناء الجلسة الثالثة
    عمر حبتورالدرعي وخليفة السويدي والسفير أحمد الحوسني والدكتور رضوان السيد أثناء الجلسة الثالثة

أدوات التأسيس لأجيال تؤمن بالسلام والتعايش
الجلسة الثالثة التي أدارها الكاتب والأكاديمي الإماراتي الدكتور خليفة السويدي، جاءت بعنوان «نحو أجيال جديدة تؤمن بالسلام والتعايش»، واستهلها الدكتور عمر حبتور الدرعي المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، بورقة حول «دور مؤسسات التوعية في تعزيز التعايش والسلام»، مؤكداً أنه «حيث يوجد سلام يوجد الإيمان والتنمية والتسامح». وأضاف الدرعي: التوعية بالسلام ينبغي أن تبدأ بالمؤسسات قبل الأفراد، وإن السلام كقيمة لا يجب أن يغيب عنا لحظة، داعياً إلى الاستثمار في صناعة السلام وزراعته وحراسته، ونوّه بأنه من الضروري أن نحاور الشباب ونرعاهم ونقودهم نحو السلام، فالشباب يحتاجون لملء أوقاتهم بالرياضة والعقلانية والأعمال الخيرية والتطوعية. 

بناء الحضارة بالسلام
ولدى الدكتور الدرعي قناعة بأن أجيالاً كثيرة تعبت من النزاعات والكراهية، وأن الفرصة مواتية الآن في المنطقة لتمكين عقيدة السلام في العقول، فالأنبياء بعثوا من أجل الدعوة للسلام. وأكد أن للمؤسسات التوعوية على اختلافها، دينية كانت أو مجتمعية أو علمية أو إعلامية، دوراً محورياً وأساسياً وحتمياً، في نشر محتوى توعية يُجَذِّرُ في الناس قيمة السلام، ويبصرهم بأهميته، ويبين لهم أثره على استقرار الأوطان والمجتمعات وبناء الحضارات. وأضاف: السلام مبدأ أجمعت عليه الديانات وأَثْرَتْهُ ورسخته ووسعت دائرته، وهو أصل قطعي، وقيمة إنسانية، وأساس حضاري، لا يماري فيه عاقل، فهو يمثل الحياة بكل معانيها وأبعادها، ويقوم على التنوع والاختلاف وقبول الآخر أياً كان معتقده أو عرقه أو لونه. وما دام الآخر شريكاً لنا في الإنسانية، فهو جدير بالسلام والاحترام، وبهذا الفهم وهذا الإدراك نصل إلى أفراد منسجمين، وأسر مستقرة، ومجتمعات متساكنة، وأوطان مزدهرة. وحسب الدرعي، لكي تقوم مؤسسات التوعية بدور ريادي في نشر قيم السلام، فثمة أسس لابد أن تقوم عليها، وتتخذها منهجاً في تبني برامجها ونشرها بين الناس، أهمها أن السلام قيمة مطلوبة لذاتها، وهي فوق كل اعتبار إيديولوجي أو دنيوي. وأكد الدرعي أن السلام والإيمان قرناء جميعاً، لا ينفك أحدهما عن الآخر، والسلام والحضارة صنوان، لا يصلح أحدهما من دون الآخر.
دور المؤسسات التعليمية
وقدم الدكتور محمد البشاري مداخلة بعنوان «دور المؤسسات التعليمية في تنشئة جيل مدرك لأهمية التعايش»، تطرق خلالها إلى دور المناهج التعليمية، بحيث تكون مكتنزة برسائل أخلاقية وتربوية تساهم في تكوين إنسان ناجح. ويرى البشاري أن المناهج لبِنة أساسية لغرس المعرفة والثقافة الإنسانية، ووصفها بأنها «خليط يتفرع منه المستقبل ويتحكم باللاوعي الإنساني، وتحدد كيفية توجيه سلوكه، بحيث يحترم قيم التعايش والتعارف والحوار. وهذا يتحقق -حسب البشاري- من خلال «تخطيط استراتيجي رصين يدير المناهج من خلال استشراف دقيق للمستقبل». وعلّق الدكتور خليفة السويدي على أهمية المناهج في إرساء السلام والتعايش ومكافحة التطرف، مشيراً إلى تجربته مع أحد وزراء التعليم الخليجيين، الذي طلب منه كمتخصص في التربية، تحليل مضمون بعض المناهج الدراسية، وآنذاك حذر السويدي من أن هذه المناهج قد تُخرج متطرفين أو إرهابيين، ما قاد إلى البحث في أمور كثيرة تتعلق بتطوير تلك المناهج. 

تحييد الصراعات
 وتحت عنوان «التأسيس لثقافة تحييد الصراعات والتركيز على التنمية والشراكة من أجل المستقبل»، أكد الباحث الإماراتي سالم سالمين النعيمي، أن من الضروري الاهتمام بثقافة إدارة الصراع، فعادة ما تنشأ  الصراعات بسبب السباق والتنافس على الموارد، والبداية لابد وأن تكون من التعليم ونشر أدوات التفكير المنطقي، والاهتمام بالبحث العلمي. 
وسرد النعيمي بعض أدوات تحييد الصراعات: التصدي لمحاولات تسييس الدين والبعد الحضاري لكل ثقافة، والتجريم الدولي للهجوم السياسي والإعلامي والفكري... إلخ المبني على أفكار إقصائية تشجع الصراعات بين الشعوب، وتجنب الوقوع في فخ المصطلحات التي تشير إلى وجود صراع ديني أو حضاري من الأساس.

دراسة الأديان 
وتحت عنوان «تعزيز السلام بثقافة التعايش بين الأديان»، خرج الكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون باستنتاج مهم في مداخلته خلال الجلسة الثالثة، مفاده أهمية معرفة الأديان الأخرى، من خلال علم الأديان المقارن، لأن المرء عدو ما يجهل، فالمعرفة بحقيقة الآخر تقلل كثيراً من سهولة انجراره وراء الوهم بأنه عدو، ويصل الخيون إلى قناعة بأن الثقافة التعريفية بالأديان هي البطاقة الأولى لتثبيت ثقافة التسامح.
وفي معرض تعقيبه على أوراق الجلسة الثالثة أكد الباحث الإماراتي سالم حميد أن جميع الأديان تدعو إلى تعزيز السلام وترسيخ أسسه ونبذ الحروب والاقتتال. والسلام أصبح غاية للبشرية والحروب هي حالة طارئة على المجتمعات الإنسانية. واستنتج حميد من أوراق الجلسة أن تحقيق استدامة السلام في الإمارات يأتي من خلال ما نغرسه في نفوس الأبناء من قيم المحبة والتسامح والعيش المشترك.

خلاصات الختام
وانتقلت الكلمة للأستاذ علي العمودي، مؤكداً خلاصات حملتها مداخلات المنتدى طوال جلساته الثلاث، أهمها: أنه حيث يوجد سلام يوجد إيمان وتنمية وتسامح، وأن مبدأ الانفتاح عزز قدرة الإمارات على الاستثمار في الإنسان وتحقيق تطوير متقدم لمسؤولياتها العربية والدولية، وأن وثيقة الأخوة الإنسانية أصبحت مرجعاً للتعايش والتسامح. ومن أهم الاستنتاجات أن التاريخ تغير بعد توقيع معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، من خلال تدشين مسار للتعايش والتعاون والشراكة من أجل المستقبل وطي حقبة الصراعات. وأكد المشاركون أيضاً أن الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية لا يتعارض مع مساعي السلام والعلاقات مع إسرائيل، وأن القضية الفلسطينية هي القضية العربية الأولى وتوقيع معاهدات السلام لا يضر بهذه القضية. ومن المهم أيضاً والضروري تهيئة الإنسان العربي والأجيال الصاعدة للسلام كخيار استراتيجي يخدم الشعوب ويعزز استقرارها.