حسين رشيد (أبوظبي)

أكثر من نصف قرن مر على إصدار صحيفة الاتحاد التي تأسست على يد أبناء الوطن ونخبة من أبرز الصحفيين العرب، كانت الصحافة في أوجها، والكتابة في إبداعها.. باقة من الأسماء اللامعة والبارزة في مجال الصحافة والكتابة من مختلف الدول العربية الشقيقة أسسوا الصحيفة في بداياتها.. جاؤوا من ذلك الزمان الذي كان يزخر بأفضل الكتّاب وأكثرهم جرأة وقدرة على الإضافة، وما كان يصل إلى صفحات الجرائد والمجلات، إلا من كان له رأي حصيف وفكر منير ولغة صحفية سليمة.
51 عاماً حملت فيها «الاتحاد» راية الصحافة بكل مهنية، منجز لمنبر إعلامي وطني كبير، بدأت مهمتها الوطنية قبل قيام الدولة، بحيث تحولت هذه الصحيفة العريقة، والتي تُعد اليوم أعرق الصحف الإماراتية، إلى مدرسة حقيقية في الصحافة والإعلام، تخرّج فيها العديد من القيادات الصحفية والإعلامية، وما زالت تقوم بدورها الكبير والمهم في خدمة المسيرة الوطنية.
ارتبطت أجيال من أبناء الوطن بصحيفة الاتحاد، وتابع أبناء الإمارات على مدى خمسة عقود ما قدمته هذه الصحيفة من فكر وثقافة وحوار، ووفرت منبراً مهماً للرأي والفكر بكل أمانة ومسؤولية، وكذلك إسهاماتها الكبيرة، من خلال صفحاتها الثقافية والشبابية وملاحقها في خدمة قطاع الشباب وفتح المنابر الإعلامية لخدمة النقاش العام المثمر.

قصة الانطلاقة
عندما تولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في عام 1966، كان حلمه الكبير هو توحيد شعوب وأبناء المنطقة، من خلال اتحاد يضم الإمارات المتصالحة في دولة واحدة.. كان يعلم أهمية قيام اتحاد يضم إمارات المنطقة ويوحدها تحت راية ودولة متحدة ومستقلة وذات سيادة، وكان الشيخ زايد شديد الإيمان والثقة بفكرته هذه التي طالما سكنت وجدانه، ولهذا كان أول من نادى بالاتحاد بين إمارات ساحل عمان، خاصة بعد إعلان بريطانيا الانسحاب من منطقة الخليج العربي، إيماناً منه بضرورة إقامة كيان سياسي موحد، له كلمة قوية ومسموعة في المحافل الدولية، وقادر على تقديم الحياة الأفضل لمواطنيه الذين طالما عانوا ظروف الصحراء والبحر المضنية.
في تلك الفترة والتي شهدت عملاً متواصلاً من المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، إذ كان يقوم حينها بجهود مكثفة على قدم وساق مع إخوانه حكام الإمارات المتصالحة، سعياً لقيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، كان لا بد من وجود وسيلة إعلامية تتابع الحراك السياسي في البلاد، وتراقب التطورات والمتغيرات والأحداث المتلاحقة، وتنقلها لأبناء المنطقة، فجاءت فكرة إصدار صحيفة في أبوظبي تواكب تطورات الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعبر عن لسان حال شعوب المنطقة، وتشارك إعلامياً في دعم الجهود التي كانت تبذل من أجل قيام اتحاد الإمارات.

العدد الأول
تحولت الفكرة إلى واقع، وأصدرت حكومة أبوظبي، متمثلة بدائرة الإعلام والسياحة، قراراً في عام 1969 بإصدار صحيفة أسبوعية تحمل اسم «الاتحاد»، وذلك تيمناً بالتحركات التي كان يقوم بها الشيخ زايد وإخوانه حكام الإمارات الأخرى من أجل قيام اتحاد الإمارات، وبناء عليه صدر العدد الأول من جريدة «الاتحاد» في 20 أكتوبر 1969. 
وأشرفت دائرة الإعلام والسياحة بأبوظبي على إصدار الجريدة، وكان رئيسها آنذاك المغفور له الشيخ أحمد بن حامد آل حامد، الذي تولى مسؤولية إصدار جريدة «الاتحاد» والإشراف عليها، وكان أول من كتب افتتاحية «الاتحاد»، تحدث فيها عن إصدار العدد الأول من الجريدة، والتي تعتبر أول جريدة             تصدر في أبوظبي وفي منطقة ساحل عمان بشكل عام، وسميت «الاتحاد»، تماشياً مع الرغبة الكبيرة لدى أبناء الإمارات في وجود كيان سياسي موحد، يجمع شعوب المنطقة ويوحدهم. 
ولدت «الاتحاد» بحجمها الصغير «التابلويد» لتنقل للمواطنين بنسخها التي لم تتجاوز الألف نسخة في مراحلها الأولى، وحمل العدد الأول للصحيفة بصفحاتها الاثنتي عشرة بحجم (التابلويد) «البشرى الأولى» خبر الاجتماع الأول لحكام الإمارات المتصالحة الذين اجتمعوا في إمارة أبوظبي، واتفقوا على قيام الدولة الاتحادية والتي كان يتطلع زايد لأن تضم كلاً من قطر والبحرين، وعنونت «الاتحاد» على صفحتها الأولى في أول عددٍ لها «مرحباً برواد الاتحاد»، وكانت «الاتحاد» تجمع في ذلك الوقت بحروف من رصاص وتطبع أسبوعياً في بيروت لتعود بعد خمسة أيام إلى البلاد. 

مواكبة المتغيرات
كان التفكير مع تسارع الحراك السياسي في البلاد يتجه إلى إصدار الصحيفة على الأقل بشكل يومي، وكانت تضم الجريدة التي ارتفع عدد نسخها إلى خمسة آلاف نسخة أسماء عربية مثل عبدالله الطائي من الشقيقة عُمان، الذي كان وكيلاً لدائرة الإعلام آنذاك، وادمون أسطى الذي كان نقيباً للصحفيين اللبنانيين في ذلك الوقت، إضافة إلى عدد محدود من الصحفيين المصريين والعرب.
ولعل تسمية «الاتحاد» تحمل من الرمزية والمعاني الكبيرة، ما يعكس كون جريدة «الاتحاد» لسان حال شعوب المنطقة عامة وأبناء الإمارات على وجه الخصوص، ليس فقط كمجتمع، بل ككيان سياسي مشهود له بالمواقف والتوجيهات الموضوعية، واستمرت جريدة «الاتحاد» بالصدور بشكل أسبوعي من 12 صفحة، ووصل حجم توزيعها إلى 5500 نسخة في تلك الفترة، كما أنها كانت توزع مجاناً للصمود في وجه الصحف المنافسة القادمة من بعض البلدان العربية الأخرى.
ومع إعلان قيام دولة الإمارات في عام 1971، صدرت «الاتحاد» أياماً متتالية بصورة استثنائية، كما صدرت بشكل يومي لمدة أسبوعين فقط في السادس من أغسطس 1971، وذلك لمناسبة الذكرى الخامسة لتولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» مقاليد الحكم في أبوظبي. 

الإشهــار والانتشار
في عام 1977، وبناءً على مرسوم أصدره المغفور له الشيخ زايد، تم إشهارها مؤسسة مستقلة تحمل اسم «مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع»، وخصصت لها حكومة أبوظبي ميزانية خاصة قرابة 40 مليون درهم، وصدر عن المؤسسة مجلة «زهرة الخليج» ومجلة «ماجد»، إضافة إلى إصدار صحيفة يومية ناطقة باللغة الإنجليزية «إمارات نيوز». 
وتعاقدت «الاتحاد» مع إحدى دور المطابع في أبوظبي لطباعة الجريدة، ومع تغيير شكل الجريدة من «تابلويد» إلى الحجم الكبير، تم التعاقد مع مطبعة أخرى بإمارة دبي، والتي كانت تمتلك التقنية آنذاك لطباعة الجريدة بشكلها وحجمها الجديد، وفي مايو من عام 1977م تم شراء مطبعة حديثة متطورة، تعمل وفق أحدث النظم والتقنيات المتوافرة في مجال طباعة الصحف آنذاك. وتوسع انتشار الجريدة، ورفعت عدد نسخها، والتي وصلت في نهاية الثمانينيات إلى أكثر من 100 ألف نسخة يومياً، توزع في الإمارات وفي الأقطار العربية وبعض الدول الأوروبية، ويسجل لجريدة «الاتحاد» استعمالها لتقنية نقل المواد الصحافية بوساطة الأقمار الاصطناعية للمرة الأولى في البلدان العربية وفي منطقة الشرق الأوسط عام 1981، عندما أنشأت مطبعة ثانية في إمارة دبي لتطبع الجريدة في كل من أبوظبي ودبي في آنٍ واحد، وذلك للتغلب على مشكلات تأخر توزيع العدد اليومي في الإمارات الأخرى، كما أن «الاتحاد» هي أول صحيفة عربية تمكنت من استقبال صور الوكالات العالمية بوساطة «الراديو».
وبقي استقبال الصور بالراديو حتى أوائل الثمانينيات، حيث بدأت خدمات «الكيبل» تصل عن طريق مؤسسة الإمارات للاتصالات آنذاك، كذلك كان يتم استقبال خدمات وكالات الأنباء الإخبارية بالراديو حتى أوائل الثمانينيات، حيث تم استبدالها بخدمة «الكيبل».

مسيرة الوطن
حين عرضت فكرة تحول صحيفة «الاتحاد» من أسبوعية إلى يومية على الشيخ زايد لمعرفة رأيه وأخذ موافقته، أشاد، طيب الله ثراه، بالفكرة وأيدها، وطلب سرعة تنفيذها، كان ذلك في 27/‏‏ 11/‏‏ 1971، ويومها صرح الشيخ زايد لجريدة الاتحاد، قائلاً: «الصحيفة هي مرآة المجتمع، وحريتها في التعبير عن رأيها امتداد لحرية الإنسان وحقه الطبيعي في التعبير عن رأيه.. إن الصحيفة يجب أن تكون حرة كي تعبر بصدق وإخلاص عن رأي الناس ولكي تخدم الشعب، وإذا فقدت أي صحيفة حريتها فقدت حياتها وماتت، فحرية الصحيفة مرتبطة بحرية الفرد، وبالتالي حرية المجتمع ككل، وعندما تصدر الصحف اليومية عندنا ستتمتع بحريتها الكاملة في التعبير عن رأيها، والدستور الدائم للبلاد سيكفل للصحافة الحرية التامة».

مرحلة جديدة 
في بداية عام 1999م، صدر قرار اتحادي بضم كل من مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع، والتي كانت تمتلك عدداً من المطبوعات، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، لتصبحا «مؤسسة الإمارات للإعلام»، ودخلت الاتحاد مرحلة جديدة من تاريخها المهني والتقني بعد تأسيس مؤسسة الإمارات للإعلام، وتولي سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، وزارة الإعلام، وكانت تجربة غير مسبوقة عندما ضمّت صحيفة الاتحاد والتلفزيون والإذاعة. 
وعملت المؤسسة تحت هذا المسمى حتى عام 2007، حينما تم تأسيس «شركة أبوظبي للإعلام»، بموجب مرسوم أميري أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وهي شركة مملوكة من قبل حكومة أبوظبي. 
واليوم، وبعد مرور 51 عاماً على انطلاقتها من شقة متواضعة بشارع المطار في أبوظبي، تدخل الاتحاد مرحلة جديدة في الشكل والمضمون، تصدر اليوم بثوب جديد يلبي متطلبات تطور المجتمع، وتحافظ على مكانتها في وجدان وقلوب قرائها محلياً وعربياً، بحلة جديدة متطورة تشمل صفحات متخصصة في الاقتصاد والثقافة والرياضة والمنوعات. وخلال العقود الماضية من عمر جريدة الاتحاد، تم تغيير الشعار الرسمي «اللوجو» للجريدة 10 مرات، وذلك تماشياً مع التطور العام لشكل العدد وإخراجه.

أسبوعية يومية
اعتباراً من 22 أبريل 1972، تحولت «الاتحاد» إلى جريدة يومية، مواكبة للمتغيرات المحلية والدولية، وتطلب هذا الأمر أن تستقل «الاتحاد» لتنطلق في عالم الصحافة، وانفصلت «الاتحاد» عن وزارة الإعلام مالياً وإدارياً في أواخر 1972، وخصصت حكومة أبوظبي مكاناً مؤقتاً كان عبارة عن «كرفانات» بجوار نادي الجزيرة الرياضي حالياً، لاستيعاب الصحفيين العرب الذين يؤمون الإمارات للعمل في الصحيفة التي ذاع صيتها، وتحوّلت «الاتحاد» إلى مكان يجمع أصحاب القلم والرأي العرب، وضمّت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي صحفيين من مصر وفلسطين ولبنان والسودان وحتى من إرتيريا وإثيوبيا.