جمعة النعيمي (أبوظبي)

أكد الدكتور محمد حمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، أن دولة الإمارات سباقة في تدشين استراتيجية وطنية للزمن السيبراني، معتمدة على بنية تحتية تقنية متطورة وكوادر وطنية مؤهلة لمجابهة التحديات والتفاعل مع التطور التكنولوجي في هذا المجال، مشيراً إلى وجود تطبيق فعال للاستراتيجية الوطنية للأمن الإلكتروني، وتفعيل مجموعة من فرق العمل الوطنية لتنفيذ برنامج حماية البنية التحتية للمعلومات الحيوية، والخطة الوطنية للاستجابة للحوادث السيبرانية، موضحاً أن ذلك يتم من خلال مجموعات العمل التي تراقب تقدم وأثر الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني من خلال 20 مؤشراً للأداء، لافتاً إلى حصاد الدولة للمركز الثاني عالمياً في مؤشر «الأمن السيبراني» الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية بمدينة لوزان السويسرية، والتي تعد واحدة من أهم الكليات المتخصصة على مستوى العالم في هذا المجال.

  • محمد حمد الكويتي
    محمد حمد الكويتي

وأشار في حوار لـ«الاتحاد» إلى أن تطوير وتوطين فريق عمل الأمن السيبراني يعد من أهم ركائز منظومة الأمن السيبراني، حيث تم وضع البرامج التدريبية والتطويرية، التي من شأنها رفع قدرات المتخصصين في المجال، وتشجيع الطلبة على الانخراط في مجال الأمن السيبراني، لافتاً إلى أن ذلك لا يقتصر فقط على الجانب الأكاديمي والعلمي، بل أيضاً يمتد إلى الجانب العملي والشهادات التطبيقية المعتمدة في هذا المجال، بالإضافة إلى الانخراط في العمليات والتمارين السيبرانية وفق المعايير العالمية وأفضل ممارسات الأمن السيبراني، مشيراً إلى مشاركة العديد من المؤسسات التعليمية الوطنية والجامعات الرائدة بالدولة في تنفيذ هذه الأهداف، إضافة إلى مشاركة العديد من جهات القطاع الخاص الوطنية والعالمية.
ولفت إلى أن الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية الحديثة والمتزايد على المستوى المحلي والعالمي يعتبر بحد ذاته تحدياً يحتم علينا أن نخلق منه فرصاً نستفيد منها، موضحاً أن التحول الرقمي السيبراني أدى إلى إيجاد بيانات وسجلات إلكترونية ضخمه تخدم العديد من الجوانب الاقتصادية، وهو ما يرمز له «بالاقتصاد الرقمي» لافتاً إلى أنه وفي الوقت نفسه أدى إلى ضرورة تأمين هذا الاقتصاد الرقمي كجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني. 
وقال: نرى مؤخراً تضاعف عدد الهجمات السيبرانية المستهدفة لأنظمة الطاقة والاتصالات والنقل والأنظمة المالية وغيرها من قطاعات البنى الأساسية في السنوات الثلاث الأخيرة، ويشكل هذا التحول خطراً أمنياً واقتصادياً ووطنياً لجميع الدول، إن لم يتم الوقوف عند معطياته وتحصين أصوله المختلقة ونشر ثقافة أمنية سيبرانية تواكب هذا التحول، ولفت إلى أنه مع ارتفاع وتضاعف الهجمات بشكل مستمر ترتفع بشكل تلقائي خسائر الدول الاقتصادية والأمنية والاجتماعية أيضاً ومن هذا المنطلق وجب على الدول مواجهة التهديدات والتصدي لها أولاً بأول وبطريقة ابتكارية واستباقية.

الاستراتيجية الوطنية 
وقال الدكتور محمد حمد الكويتي لـ«الاتحاد»: تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني خلال العام الماضي من قبل هيئة تنظيم الاتصالات، ويتم العمل حالياً على متابعة إنفاذ الاستراتيجية على جميع القطاعات والمستويات الوطنية والعالمية، بالإضافة إلى العمل على بناء منظومة فعالة للأمن السيبراني على المستوى الوطني وتطويرها وتنظيمها كمسرع من المسرعات الضرورية لحماية الدولة من تهديدات الفضاء السيبراني ومواجهتها بكفاءة وفعالية بما يضمن استدامة العمل، والحفاظ على الأمن الوطني وسلامة الأفراد والممتلكات والمعلومات. 
ولفت إلى أنه وضمن الخطة الخمسين سيتم الأخذ في الاعتبار الأولويات وأهم التحديات المستقبلية وطرق التصدي لها، إلى جانب رسم السياسات المستقبلية، للتعامل مع المستجدات التنموية والخدمية والمجتمعية، وترسيخ الاستدامة والوعي المجتمعي التي تعتبر حالياً من الضروريات المحتمة علينا، وخاصة مع التحول الرقمي والانتقال إلى العمل والتعلم عن بعد.

المتغيرات المتسارعة
وأضاف: نشهد كثيراً من المتغيرات المتسارعة، والتي من الضرورة بمكان مواكبتها باستباقية، ولهذا فإننا نتابع وباستمرارية تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تم إطلاقها العام الماضي وتقييمها والوقوف عند مؤشرات تحسين أدائها، ولفت إلى أنه لرفع أداء منظومة الأمن السيبراني سيتم التركيز بالمستوى الأول على المرونة السيبرانية واستدامة الأمن السيبراني كمنهج متبع في جميع القطاعات في الدولة، وتطوير العاملين في مجال الأمن السيبراني، بالإضافة إلى نشر ثقافة الأمن السيبراني لتمكين جميع وليس فقط الجهات بل أيضاً كافة شرائح المجتمع، بما تشمل البنى الأساسية لمجتمعنا وهي الأسرة بضرورة الجاهزية ورفع مسؤولياتها نحو تقليص التهديدات السيبرانية.
وأضاف: يتطلب التحول الرقمي ركائز أساسية قائمة على تمكين ثقافة الإبداع في بيئة العمل، المتمثلة في تغيير المكونات الأساسية للعمل، ابتداء من البنية التحتية، ونماذج التشغيل، وانتهاءً بتسويق الخدمات وتطويرها المستمر، لافتاً إلى أن ذلك يكون ذلك على 3 محاور رئيسية بالتوازي والتي تضم: القوى البشرية والتكنولوجيا والسياسات اللازمة.

التطبيقات الحديثة
ولفت رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى أن أبرز التطبيقات الحديثة في مجال الأمن السيبراني قائمة على توظيف الذكاء الاصطناعي في دراسة البيانات الضخمة وتحليلها، والعمل على تنبؤ الهجمة قبل حدوثها، لافتاً إلى أن ذلك يعتمد بشكل كبير على نوع وجودة البيانات التي يتم تحليلها، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة الحماية والتصدي للهجمات أو على الأقل وضعها تحت الرادار. 
وقال رئيس الأمن السيبراني لحكومة الدولة: نعمل دوماً على تطبيق وتطوير التكنولوجيا الجديدة واستخدامها في خدمة عمل الحكومات كمسرعات وممكنات لذلك، واتخاذ جميع التدابير التي تسهم في دعم نظم المعلومات والأمن السيبراني العالمي، ومنع الثغرات الرقمية، بما يسهم في تعزيز البنية التحتية العالمية وتطوير جودة حياة المجتمعات.

جهود ومبادرات
وأشار إلى الجهود والمبادرات المتنوعة والمتناسقة مع عدة جهات وطنية وعلى مختلف القطاعات، حيث تم عمل العديد من الورش العملية والعلمية وتوظيفها في خدمة هذا التحول الرقمي وما يتطلبه من أمن سيبراني، وتمت إضافة متطلبات الأمن السيبراني ودراسة الأخطار والتهديدات لنشر ثقافة هذا التحدي وجعله كمنهاج حياة للجميع، إلى أن وصلنا إلى مرحلة تطبيق المتطلبات وبناء الخدمات الرقمية على أسس أمنية. 
ولفت إلى وجود العديد من المتخصصين والمتميزين في مجال الأمن السيبراني الذين يساهمون حالياً من مواقع أعمالهم المختلفة في الحفاظ على الأمن السيبراني للدولة، وعلى جميع القطاعات المختلفة، وذلك انطلاقاً من نظرة القيادة الرشيدة في الاستثمار في الجانب البشري ورفع الكفاءات الوطنية وصقل مهاراتها للاستعداد والجاهزية للمستقبل.
وأضاف الكويتي، سيتم في المرحلة القادمة التركيز على عدة محاور أولها صقل مواهب العناصر البشرية، وتوعيتها، ونشر الثقافة والسلامة السيبرانية، وثانياً الرقي بالمنظومات التكنولوجية وتحديثها وفق المتطلبات والمعطيات، مما يرفع من مؤشرات الأمن السيبراني للدولة عالمياً، وثالثاً وضع السياسات والاستراتيجيات واللوائح التنظيمية وتحديثها باستمرار لمواكبة التغيرات الحاصلة في هذا المجال.

البرمجيات الحديثة
ولفت إلى أنه كلما ارتفعت اعتمادية الدول على التكنولوجيا، والخدمات الإلكترونية، وتطورت أدوات البرمجيات والتكنولوجيا الحديثة، ارتفعت خطورة الهجمات السيبرانية وأصبحت أكثر تدميراً، وقال الكويتي: «قد تتشكل أخطار الأمن السيبراني في العديد من الطرق والوسائل مثل التهديدات على الأصول التقنية للأفراد والمنظمات والحكومات، وسرقة المعلومات الخاصة والقيمة وبيعها أو تشفيرها وطلب فدية عليها، أو القيام بتعطيل البنية التحتية الحيوية». 
كما قطعت دولة الإمارات شوطاً كبيراً في وضع السياسات والاستراتيجيات، التي من شأنها أولاً تنظيم وحوكمة الأمن السيبراني، بالإضافة إلى رفع مستوى الأمن الإلكتروني والسيبراني لكافة القطاعات الحيوية، كما عملت على رفع المعايير الأمنية المتبعة وفقاً لأهم المعايير العالمية، ونرى أيضاً اهتمام القيادة الرشيدة بدعم المبادرات في مجالات الأمن السيبراني، سواء على المستوى التقني أو على مستوى إعداد الكوادر البشرية المؤهلة في هذا المجال.

 40 ألف متخصص في الأمن السيبراني
أكد محمد الكويتي أن تطوير وتوطين فريق عمل الأمن السيبراني يعد من أهم ركائز الأمن السيبراني للدولة، حيث يتم العمل حالياً من خلال الاستراتيجية الوطنية والمبادرات التعليمية على تطوير قدرات أكثر من 40 ألف من المتخصصين في الأمن السيبراني، وتشجيع المهنيين والطلبة على الانخراط في المجال، بهدف تطوير منظومة متكاملة في مجال الأمن السيبراني بحلول العام 2022.  وأضاف أنه يتم العمل على تقييم المتقدمين بشكل “شامل” من خلال العديد من الاختبارات العملية والمقابلات الشخصية.
ولفت إلى أن الفشل في جزء من الاختبارات لا يعني إقصاء المتقدم لطلب وظيفة في الأمن السيبراني، كما ذكر بأنه يتم البحث حالياً عن أفضل العقول والخبراء في مجال الأمن السيبراني لدفع عجلة التقدم وتحقيق الأهداف والمبادرات المطلوبة، كما نبحث أيضاً عن أفضل المواهب الشابة والشغوفة بمجال الأمن السيبراني، ليتم صقل المواهب وتأهيلها لخدمة الأمن السيبراني واستدامته.

الأمن السيبراني الخليجي
وأكد الدكتور محمد حمد الكويتي أن الأمن السيبراني يعد مهمة وطنية ذات طابع وتحديات عالمية، منوّهاً لأن مشاركة الخبرات تسهم بشكل كبير في تقليص مخاطر وآثار التهديدات السيبرانية، وذلك لطبيعة هذه التهديدات العابرة للحدود، لافتاً إلى أنه توجد العديد من المشاركات الدولية الحالية في مجال الأمن السيبراني، ومن أمثلة ذلك المبادرات العالمية المختلفة والمشاركات الدولية الفاعلة التي تشارك فيها الدولة عالمياً، في إطار تعزيز الأمن والدفاع السيبراني. 
كما لفت إلى أن الأمن السيبراني والتعاون بشكل عام في مجلس التعاون الخليجي يتسمان بالإيجابية، حيث خطت الدول الخليجية خطوات كبيرة في الأمن والدفاع السيبراني في السنوات الأخيرة، وقال: «نأمل أن يتم توحيد جهود الأمن والدفاع السيبراني مستقبلاً لتحدي التهديدات والأخطار المشتركة». 
وأضاف: أن الذكاء الاصطناعي يتغلب على العقل البشري بالسرعة والدقة والعقل البشري يتميز بالخبرة والمعرفة، ومع دمج المميزات نحصل على حلول وأنظمة من شأنها دعم الأمن السيبراني، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً فعالاً بدراسة البيانات الحالية وتحليلها، والعمل على تنبؤ الهجمة قبل حدوثها، حيث يعتمد ذلك بشكل كبير على نوع وقوة البيانات التي يتم تحليلها، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة الحماية والتصدي للهجمات أو على الأقل وضعها تحت الرادار. 
وأكد أن منظومة الأمن السيبراني سوف تخدم التحول الرقمي والذكي بلا شك، وتمكّن من استخدام التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى أن منظومة الأمن السيبراني تعتمد أيضاً على استخدام التكنولوجيا الحديثة كالذكاء الاصطناعي في مواجهة التحديات والتهديدات السيبرانية، وأضاف أن الإمارات تمكنت من ترسيخ أسلوب الحياة الرقمي وتوفير بنية تحتية ذكية لقطاع الاتصالات والتحول الرقمي، وتعمل على تطبيق كل ما هو جديد ومتطور في مجال التكنولوجيا، موضحاً أن دورنا في الأمن السيبراني يقوم على بناء المنظومة الداعمة، وتوفير الجاهزية والاستباقية للتحديات المستقبلية بطريقة مستدامة.