الثلاثاء 9 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الإمارات

الإمارات والسعودية.. أكثر من أخوّة

الإمارات والسعودية.. أكثر من أخوّة
22 سبتمبر 2020 03:47

محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

ربما يأتي الحديث عن العلاقات الثقافية الإماراتية السعودية، بمناسبة اليوم الوطني الـ 90 للشقيقة المملكة العربية السعودية، هذه المرّة مختلفاً واستثنائياً، وذا بريق وطعم خاص، فغير العلاقات الأخوية المتجذرة عبر مراحل تاريخية متوالية، فإن اهتمام الإمارات بهذه المناسبة أصبح تقليداً سنوياً يحمل في ثناياه الكثير من مظاهر المحبة والأخوة والمؤازرة بلا حدود، على المستويين الرسمي والشعبي، ومن ذلك ما أعلنه المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات عن تغيير شعار مشاركة الدّولة الرسمي، المعتمد في احتفالات المملكة العربية السعودية بيومها الوطني الـ 90، ليصبح (معاً – أبداً – السعودية – الإمارات)، وذلك تعزيزاً لروح الأخوة والتلاحم والتعاضد والمحبة بين البلدين، على مستوى القيادة والشعبين، هذا إلى جانب التوجيهات الرسمية بمشاركة مختلف الجهات والمؤسسات الحكومية وفي القطاع الخاص، بالإضافة إلى مختلف شرائح الشعب الإماراتي، والمقيمين على أرض الدولة من مختلف الجنسيات، من خلال إقامة الفعاليات التراثية والفنية  والأنشطة التي تؤكد أهمية المناسبة، والمحفورة في القلوب والذاكرة والوجدان، وإضاءة العديد من المعالم والصروح البارزة في الدولة بعلم الشقيقة السعودية، وتحويل كافة المنصات التواصلية إلى أضخم احتفالية من نوعها، يشعر خلالها الأشقاء السعوديون، خاصة القادمين إلى الدولة في هذا اليوم، بأنهم يعيشون عرساً وطنياً حقيقياً، في أجواء مليئة بالبهجة ومشاعر الفخر والكرامة والإخاء والانتماء المشترك.

تكامــــــــل واتســــــاق
تحوّلت العلاقات الثنائية بين الإمارات والسعودية، خلال السنوات الأخيرة، إلى نموذج يحتذى لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الدول العربية، ومثال على الوعي المشترك بطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة، وأهمية التعامل معها بسياسات ومواقف متّسقة ومتكاملة، وتؤمن دولة الإمارات أن احتفالات المملكة بهذه المناسبة، ما هي إلاّ تعبير صادق عن مواجهة التّحديات الجسام التي تعيشها في سبيل الدفاع عن قضايا الأمة العربية والإسلامية، ومكافحة التطرف الفكري والإرهاب بأشكاله، وهنا يبرز أول مظهر من مظاهر التكامل بين البلدين الشقيقين في العمل معاً لإرساء منظومة أمنية متكاملة لمواجهة التحديات، على اعتبار أن الأمن القومي هو امتداد طبيعي للأمن الثقافي، وضمان السلم والاستقرار والتنمية في ظل الظروف والتحديات التي تشهدها المنطقة. إنّ ما تقوم به الدولتان من دور محوري في الحرب الدولية ضد التطرف الفكري والإرهاب، خاصة فيما يتعلق بالتصدي للجوانب الثقافية والفكرية، وهي جهود تحظى بتقدير المجتمع الدولي أجمع، وقد جاء إعلان الرياض الذي صدر في ختام القمة العربية الإسلامية- الأميركية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض، في مايو 2017، وشاركت فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، ليشكل انطلاقة جديدة لمواجهة التطرف والإرهاب على الصعيدين الإقليمي والدولي، ليس لأنه تبنى مقاربة شاملة لمواجهة خطر التطرف والإرهاب، تأخذ في الاعتبار العوامل والمسببات التي تقف وراء تصاعد هذا الخطر في الآونة الأخيرة فقط، وإنما لأنه دشن لشراكة وثيقة بين الدول العربية والإسلامية، ستنعكس إيجاباً على تنسيق الجهود المشتركة لمواجهة التطرف والإرهاب وعوامل عدم الاستقرار الإقليمي بوجه عام أيضاً، ما يفسح المجال لإحلال السلام وتعزيز ثقافته على نحو مقبول.

حراك مستمر
ما زال التبادل الثقافي بين البلدين الشقيقين في تصاعد وحراك مستمر، فقد شاركت الإمارات عام 2018 في فعاليات «مسك للفنون 2018» وأقيمت في العاصمة الرياض، بتنظيم من معهد مسك للفنون التابع لمؤسسة محمد بن سلمان بن عبد العزيز، كما تبادل نخبة من الفنانين السعوديين والإماراتيين، خلال مشاركتهم في فعاليات النسخة الأولى لمهرجان البردة في معرض «421» بالعاصمة أبوظبي، الآراء والأفكار، بالإضافة إلى المشاركة في سلسلة من الحوارات والندوات التي تهدف إلى نشر الوعي حول قيم الفنون الإسلامية ومضامينها.

إنجازات على الأرض
الدولتان الشقيقتان نجحتا في تغيير مفهوم العلاقات الأخوية، وانتقلتا بها إلى درجة غير مسبوقة، سواء على مستوى المنطقة أو العالم، كما نجحتا على مدار العقود الماضية في تعزيز الاستقرار والسلم العالميين، وتعزيز موقع دول مجلس التعاون كقوة اقتصادية عالمية، ومنصة إقليمية للجهود الإنسانية والثقافية حول العالم، بالإضافة إلى المبادرات الاستراتيجية التي نجحت في توحيد الصف العربي في مرحلة عصفت الاضطرابات بالمنطقة والعالم، ذلك لأن هذه العلاقات بنيت على إستراتيجيات متوازنة واستشرافية تبدو واضحة في الإنجازات على الأرض، ففي مجالات التعليم، على سبيل المثال، تم اعتماد مشروعات ومبادرات تُسهم في دعم القطاع، من خلال التركيز على الفرص المتاحة في مجالات التعليم العالي، والأبحاث، والتعليم العام، والتعليم الفني، إضافة إلى التوأمة الاستراتيجية التي تضمن الاستفادة الأكبر من مؤسسات الدولتين التعليمية، فضلاً عن العمل على تعزيز منظومة التعليم الرقمية، التي تسهم في إعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة تقنية عالية، وصناعة جيل يقود ريادة المستقبل لصالح الشعبين، وتصل بالدولتين إلى هدفهما المنشود في الوصول إلى اقتصاد معرفي ثقافي، يتماشى والتطور العالمي المتسارع في هذا المجال الحيوي الذي يخص قطاع الشباب، ومن الضرورة بمكان أن نشير هنا إلى أن العلاقات الثقافية بين البلدين الشقيقين تجسد مستوى الترابط الجغرافي والاجتماعي بين الشعبين.

تنسيق في «الإعلام»
تعززت هذه العلاقات القديمة - المتجددة عبر قنوات متعددة، أبرزها قطاع التعليم الذي شهد في البدايات سفر طلاب الإمارات إلى المملكة للالتحاق بمدارس مكة المكرمة والأحساء والرياض، في حين تستقبل الجامعات والمعاهد الإماراتية اليوم عدداً كبيراً من الطلاب السعوديين، كما تم العمل على تعزيز التعاون والتنسيق في مجال الإعلام لإيصال الرسائل المشتركة وتفعيل الجهود والبرامج والخطط الطموحة للتنمية والتطوير، والارتقاء بالعمل الإعلامي المشترك، عبر اللجنة السعودية - الإماراتية للتعاون الإعلامي، واعتماد مبادرات تحسن من مستوى العمل الإعلامي المرئي والمسموع، وترفع كفاءته وتنافسيته، من خلال تنمية المهارات وخلق فرص عمل للمواطنين في القطاع، وزيادة الاستثمار فيه، فيما تتمثل آفاق العلاقات الثقافية بين البلدين في مستويات عدة، سواء من خلال إقامة العديد من الاتفاقيات والبرامج الثقافية المشتركة، أو على مستوى التداخل الثقافي بين المؤسسات الجامعة التي تعمل في هذا السبيل والمبدعين والمثقفين والفنانين في البلدين، ونستذكر هنا الحضور الإماراتي المميز في مهرجان (أفلام السعودية) الذي انعقد مؤخراً في مدينة الدمام في الفترة ما بين 1 إلى سبتمبر 2020، سواء على مستوى المشاركة الإماراتية في لجان التحكيم، أو على مستوى المشاركة في حوارات السينما وحوار التجارب في مجال صناعة السينما.

تفاهمات
يعكس تأسيس «مجلس التنسيق السعودي الإماراتي» نوعاً فريداً من التكامل وتقديم نموذج استثنائي للتعاون العربي العربي، ويضع البلدين في مكانة متميزة على خريطة التحالفات الدولية، وقد رشح عن هذا الاجتماع توقيع 4 مذكرات تفاهم و7 مبادرات استراتيجية، من ضمنها تبادل مذكرة تعاون في المجال الثقافي لمدة 5 سنوات، وشملت المذكرة مجالات التعاون بين البلدين في المشاريع الاستراتيجية في مختلف الميادين الثقافية والابداعية، وتنسيق الجهود بين الطرفين في المجالات الثقافية مع المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة، والتعاون في مجالات الفكر والأدب والثقافة والفنون والتراث، والمحافظة على المناطق الثقافية الأثرية، واستضافة كلا الطرفين في المهرجانات الثقافية الوطنية الخاصة بهما، وتنمية القطاعات الثقافية وتطوير برامج الإقامات الفنية بين المؤسسات الحكومية والأهلية في البلدين، تحت مظلة شراكة ثقافية  واضحة المعالم للنهوض بمنظومة الأمن الثقافي على كافة المستويات، وعلى وجه الخصوص التنمية الثقافية، وأطر البحث عن خيارات ثقافية إضافية.

أسس راسخة
لا مفر من الاعتراف التام والجلي بأن ما يربط السعودية والإمارات، دولتين وشعبين، يتجاوز توصيف العلاقات الثنائية، إلى الشراكة الاستراتيجية الكاملة على الصعد كلها، السياسية والاقتصادية والسياحية والرياضية والأمنية والثقافية، علماً أن العلاقات الإماراتية - السعودية تمثل حالة استثنائية متفردة على المستوى الإقليمي، إذ تستند إلى أسس راسخة، عمادها الأخوة والرؤى والمواقف والتوجهات المتزنة تجاه قضايا المنطقة والعالم، وتحكمها عوامل ثابتة، هي التاريخ والجوار والدين واللغة والثقافة والهوية والعادات المشتركة والمصير الواحد، والتي تبدو متجسدة في العديد من المظاهر والإنجازات والمشتركات الثقافية، ومن ذلك الحضور الإماراتي القوي والسنوي في مهرجاني الجنادرية وسوق عكاظ، وسباق الهجن التراثي، ومعرض الرياض الدولي للكتاب، وحلّت الإمارات ضيف شرف في نسخته لعام، 2018، وأيضاً «المهرجان السعودي الإماراتي» الذي تحتضنه سنوياً منطقة عسير بمدينة أبها السعودية، لتأكيد ترابط وانسجام القيم والتقاليد والعادات وهوية الشخصية الخليجية بين الإمارات والسعودية، من خلال أوجه التراث الخليجي الشعبي المشترك، المتمثلة في الفنون الشعبية والحرف اليدوية، إذ تشارك الفرقة الوطنية للفنون الشعبية في الدولة بالمهرجان، وتقدم مجموعة من الفنون الإماراتية، مثل العيالة، والحربية، والليوا، والهبان، وغيرها من الفنون الشعبية الإماراتية، كما يضم برنامج المهرجان مشاركة واسعة من أهم الفنانين التشكيليين والمصورين الفوتوغرافيين، الذين يقدمون مجموعة من المحاضرات والندوات العلمية في مجال الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي. 

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©