يسرى عادل (أبوظبي)

تحتفل دولة الإمارات بـ«اليوم الدولي للسلام»، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في مثل هذا اليوم من كل عام، وفي سجلها تاريخ حافل من جهود نشر السلام، وترسيخ الاستقرار حول العالم، والتي توجتها بإبرام معاهدة السلام مع دولة إسرائيل.
ويمرّ اليوم الدولي للسلام خلال العام الجاري، بمفهوم آخر على المنطقة، فالتحرك الجريء، الذي قامت به كل من الإمارات ومملكة البحرين في توقيع «معاهدة السلام» و«إعلان تأييد السلام» مع إسرائيل من شأنه وضع أبجدية جديدة لمفهوم السلام وآلياته.
وتفتح المعاهدة آفاقاً جديدة للسلام في الشرق الأوسط، وتُبرز الدور القيادي والرؤية المتفردة، لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في العديد من القضايا، التي لعب سموه فيها دوراً محورياً في رأب الصدع، ولم الشمل، وتقريب وجهات النظر بين كثير من الدول، لما يحظى به سموه، كزعيم عربي استثنائي، من ثقة ومكانة خاصة لدى قادة العالم.
ومثلما أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، في كلمته خلال مراسم توقيع معاهدة السلام بين دولة الإمارات ودولة إسرائيل، منتصف الشهر الجاري، في البيت الأبيض: «لقد أتينا لنقول للعالم إن هذا نهجنا والسلام مبدأنا.. ومن كانت بداياته صحيحة ستكون إنجازاته مشرقة». وأضاف سموه: «أقف أمد يد سلام، وأستقبل يد سلام».
ومنذ عهد الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، كرست الإمارات نفسها لاعباً أساسياً وشريكاً مهماً في إنجاح مبادرات السلام، على المستوى الإقليمي والدولي، انطلاقاً من إرثها الإنساني ورسالتها الحضارية القائمة على إعلاء قيم المحبة والتسامح ونبذ التعصب.
وأكدت الإمارات تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، على تعزيز رسالتها للسلام وإيصالها إلى أنحاء العالم كافة، وعلى المساهمة الفاعلة مع المجتمع الدولي في كل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وما يُعزز قيم والتعايش والعدالة في مناطق العالم المختلفة.
ولا تنتظر الإمارات نياشين السلام في المحافل الدولية، فهي تقوم على أسس وضعها الوالد القائد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ تأسيسها. فالدور المشرف في السلام العالمي، ومشاركة القوات المسلحة في نصرة الضعفاء والتخفيف من معاناة الشعوب، وما تقوم به من إغاثة للمنكوبين في أصقاع العالم، فضلاً عن ما قامت به مؤخراً من دعم 118 دولة لمواجهة جائحة «كوفيد-19» ما هو إلا ترجمة وتعميق لمفهوم السلام الذي ترسخ نهجاً ورسالة في الدولة. 

«تشكيل السلام معاً»
مع استمرار الصراعات والحروب في شتى بقاع العالم، وتحديداً بعد انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية وصولاً للحرب الباردة، أدرك العالم أجمع، أن على الجميع بلوغ السلام باعتباره ركيزة أساسية للحوار والتفاهم والتعاون، والعيش المشترك. وبالحديث عن السلام دائماً ما يعول على الأمم المتحدة الكثير، إذ قامت الهيئة منذ تأسيسها بإرساء قاعدة السلام من خلال المواثيق والمعاهدات، بداية من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصولاً للمعاهدات الدولية ذات الصلة. فكيف وصلت المنظمة لليوم الدولي للسلام؟
أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للسلام عام 1981 من أجل «الاحتفال بمثل السلام وتعزيزها بين جميع الأمم والشعوب». وبعد عشرين عام، حددت الجمعية العامة 21 سبتمبر تاريخاً للاحتفال بالمناسبة سنوياً «كيوم لوقف إطلاق النار عالمياً، وعدم العنف من خلال التعليم والتوعية الجماهيرية، وللتعاون على التوصل إلى وقف إطلاق النار في أرجاء العالم».
وفي كل عام، تحتفل الأمم المتحدة بالمناسبة تحت عنوان مختلف، وتقرر أن يكون موضوع وشعار عام 2020 لليوم الدولي للسلام «تشكيل السلام معاً»، وبحسب المنظمة، كشف العام الجاري أنه لا ينبغي أن نكون أعداء لبعضنا البعض، فعدونا المشترك هو فيروس لا يكل في تهديده لصحتنا وأمننا ومعيشتنا. وأوقعت جائحة «كوفيد - 19» عالمنا في حالة من الاضطراب، وذكّرتنا بأن ما يحدث في جزء واحد من الأرض يمكن أن يؤثر في الناس في كل مكان.

سفراء السلام
تهدف عمليات حفظ السلام التي تنفذها الأمم المتحدة إلى ردع أي تهديد للسلام والأمن، وتتحمل دولة الإمارات مسؤوليتها في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين كدولة عضو في المنظمة الأممية، إيماناً منها برسالة مؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. 
وشاركت قوات حفظ السلام الإماراتية في الميادين المختلفة، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار وتقديم العون والمساعدات والإغاثة الإنسانية، من دون تفرقة بين لون أو دين أو عرق.
وتتبنى دولة الإمارات منذ تأسيسها سياسة ناجحة وعلاقات مميزة مع جميع دول العالم ترتكز على السلام والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، من منطلق إدراك القيادة الرشيدة أن لدولة الإمارات موقعاً مسؤولاً على الصُّعُد العربية والإقليمية والدولية.
وخلال العقود الماضية، شاركت الإمارات في عمليات لحفظ السلام في عدة مبادرات دولية، حيث شاركت في 1976 بقوة ضمن قوات الردع العربية في لبنان، في محاولة لدرء مخاطر تفجر الحرب الأهلية وحفظ السلام.
وطهرت القوات المسلحة الإماراتية جنوب لبنان من الألغام بعد الحرب اللبنانية - الإسرائيلية، إذ وقعت أبوظبي وبيروت في 25 أكتوبر عام 2001 على الاتفاقية الخاصة بتنفيذ المشروع بتكلفة قدرها 50 مليون دولار أميركي.
وانطلاقاً من وفاء الدولة بعهودها والتزاماتها المؤيدة لقضايا الحق والعدالة، شاركت الإمارات ضمن قوات درع الجزيرة في عملية تحرير الكويت مع دول مجلس التعاون الخليجي عام 1991 ضمن التحالف الدولي.
وترجمة لالتزام الدولة بمد يد العون لإعادة بناء ما دمرته الصراعات في الصومال واستقراره، أرسلت الإمارات عام 1993 كتيبة من القوات المسلحة إلى الصومال للمشاركة في «عملية إعادة الأمل»، ضمن نطاق الأمم المتحدة، بناء على قرار مجلس الأمن الدولي.
ووقفت الإمارات في عام 1994 بصورة واضحة إلى جانب البوسنة، بعدما تفجر الصراع بين البوسنيين والصرب، وأعربت للعالم عن قلقها العميق لما يجري للمسلمين في البوسنة.
وأسهمت الإمارات في كثير من المشروعات الإنسانية، بهدف المساعدة على إعادة الإعمار في البوسنة، وأعطت الأولوية لمساعدة الطلاب وفتح المدارس وإعادة بناء المساجد.
وأقامت القوات المسلحة الإماراتية عام 1999 معسكراً لإيواء آلاف اللاجئين الكوسوفيين، الذين شردتهم الحروب في مخيم «كوكس» بألبانيا، كما شاركت في عمليات حفظ السلام في كوسوفو، وفي عام 1999 كانت الإمارات هي الدولة المسلمة الوحيدة، التي أرسلت قوات لتنضم إلى القوات الدولية لحفظ السلام في كوسوفو، بموافقة قيادة حلف شمال الأطلسي.
وفي عام 2003، شاركت الإمارات ضمن قوات حفظ السلام في أفغانستان «إيساف»، وبلغ عدد أفراد القوات المسلحة الإماراتية المشاركة في القوة أكثر من 1200 عنصر، حيث لعبت هذه القوات دوراً حيوياً في تأمين وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الشعب الأفغاني، إلى جانب قيامها بدور مواز في خطط إعادة الإعمار والحفاظ على الأمن والاستقرار هناك.
وبعد الأحداث التخريبية التي شهدتها البحرين، ومحاولات التدخلات الخارجية في شؤونها في مارس 2011، شاركت الإمارات بفاعلية ضمن قوات درع الجزيرة، التي حافظت على أمن واستقرار ووحدة الشعب البحريني، ودرأت عنه مخاطر الفتن المذهبية.
وانضمت الإمارات إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في عام 2014، وشاركت بفاعلية في العمليات العسكرية الموجهة ضد عناصر هذا التنظيم في سوريا، مع مجموعة من الدول العربية والأجنبية.
وفي مارس 2015، شاركت الإمارات في عملية «عاصفة الحزم» التي نفذها التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، حيث سطر الجنود الإماراتيون ملاحم بطولية، دفاعاً عن عروبة اليمن، وحمايةً لأمنه واستقراره.
وفي 25 يوليو 2018، نجحت مساعي السلام الإماراتية في منطقة القرن الأفريقي في إعلان اتفاق السلام التاريخي بين دولة إريتريا وجمهورية إثيوبيا، والذي مهد لعلاقات إيجابية بين الطرفين، وساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في البلدين، بشكل خاص، والقرن الأفريقي والمنطقة بشكل عام.
ولعبت الإمارات دوراً أساسياً في إنجاح المصالحة التاريخية بين الجارتين اللدودين سابقاً، إثيوبيا وإرتيريا، بعد نزاع دام أكثر من عشرين عاماً، حيث لم تفلح الجهود الأممية التي قادتها الأمم المتحدة ولا الإفريقية التي قادها الاتحاد الإفريقي في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

سويسرا.. نموذجٌ للحياد
ما أن يذكر اسم سويسرا، في محفل سياسي أو مرجع تاريخي، حتى يتبادر للأذهان مصطلح السلام أو الحياد، وهو مفهوم يعني عدم الانحياز أو الميل في الموقف إلى طرف أكثر من آخر، وخاصة في حالات النزاعات أو الحروب.
وتعود قصة الحياد السويسري في الواقع إلى مئات السنين، إذ أصبحت سويسرا دولة محايدة منذ سنة 1516، أي بعد سنة واحدة من الهزيمة التي تكبّدتها جيوش الكونفدرالية الأولى في معركة «مارنيون» الشهيرة ضد الجيش الفرنسي، والتي وقعت سويسرا بعدها معاهدة سلام دائمة مع جارتها الكبرى، وهو ما شكل المُنطلق الأول لالتزام سويسرا بالحياد.
واستطاعت سويسرا بعد ذلك أن تنأى بنفسها عن جميع الحروب التي شهدها العالم، ولا سيما الحربين العالميتين الأولى والثانية. 
واختارت سويسرا أن تكون قبلة للسلام العالمي، ومنصة للكثير من اتفاقيات السلام، ومحط اهتمام العالم بالحياد. 
ويعود دور سويسرا كمُستضيفة لبلدان العالم ومؤسساته إلى تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863. وفي وقت لاحق، أدى حياد سويسرا وتقاليدها الإنسانية إلى أن تكون خياراً بديهياً لاحتضان عُصبة الأمم، سلف الأمم المتحدة، ومنظمة العمل الدولية. اليوم، تحتضن مدينة جنيف السويسرية المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة و36 منظمة حكومية دولية على غرار منظمة الصحة العالمية، وحوالي 700 منظمة غير حكومية و179 بعثة دبلوماسية.

ثقـافـة السـلام.. ضـــرورة ملحــة
«تتولد الحروب في عقول البشر، وفي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام»، هذه العبارة   حفرت بعشر لغات على حائط حجري في حديقة التسامح في مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو»، وتمثل الهدف الذي حددته لنفسها منذ أول مؤتمر عام لها في ديسمبر 1946.
ولم يعد يقتصر السلام على وقف الحرب، بل أصبح للسلام أبعاد عديدة تستوجب علينا المرور بها للحفاظ على استدامة السلام، فبين صنع السلام وحفظ السلام وبناء السلام تكمن الاستدامة، إذ تستدعي التطورات المتسارعة والتحديات المتفاقمة في العالم، دراسة تعزيز ثقافة السلام المستدام بكل جدية وعمق.
ويرى د. أحمد المنصوري، رئيس قسم الإعلام والصناعات الإبداعية في جامعة الإمارات، أن أهم وسيلة لنشر ثقافة السلام هي قبول الاختلاف مع الآخر بغض النظر عن دينه ولونه وعرقه وخلفيته الثقافية. وأوضح أن ما نراه اليوم من تصاعد للصراعات والحروب بين الأمم والحضارات أساسه عدم احترام حق العيش، وحق الاختلاف، والمساواة والعدالة في الاستفادة من ثروات الأرض ومصادرها الطبيعية. وأكد أن أهم استراتيجية عملية لتحقيق السلام المستدام هي حل الصراعات في العالم على أسس العدالة، إذ أن مفهوم العدالة تعرض للتشويه.