شروق عوض (دبي)

توقع خبراء ومحللون أن تفتح معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، آفاقاً جديدة للتعاون المشترك بين الدولتين في مختلف القطاعات، وعلى وجه الخصوص القطاع الزراعي، بسبب الفرص الواعدة والكبيرة للاستثمار في هذا القطاع، حيث تولي الدولتان أهمية كبيرة للأمن الغذائي والمائي والبحث والتطوير في أحدث التقنيات الزراعية. 
وأوضحوا أنه الرغم من التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي في الإمارات بفعل العوامل المناخية والجغرافية، مثل شح المياه وارتفاع ملوحتها وطبيعة التربة، إلا أن الدولة بذلت جهداً هائلاً طوال العقود الماضية لبناء قطاع زراعي أكثر قدرة على المساهمة في التنوع الغذائي والاقتصاد الوطني.
وأشاروا إلى أن الدولة تبنت سياسات تحد من أثر تلك العوامل، عبر تبني أنماط زراعية مستدامة وذكية مناخيا تُركز على الاستثمار الأمثل لوحدة الأراضي الزراعية، وجودة المنتج المحلي، وتعزيز قدرته على المنافسة، وتستند في مجملها إلى التقنيات والحلول المبتكرة كالزراعة بدون تربة (الزراعة المائية) والزراعة العضوية، إضافة إلى تعزيز برامج مكافحة الآفات الزراعية، والحد من الفقد والهدر على طول السلسلة الغذائية، وتوسيع قاعدة الاهتمام بالدراسات والبحوث العلمية في المجال الزراعي.

وأصبحت الزراعة في الإمارات نشاطاً اقتصادياً يعتمد على استخدام أحدث التقنيات، من خلال بذل جهود عديدة للحفاظ على الموارد المائية، مع توجيه الاهتمام نحو تعزيز استخدام وتركيب نظم الري الحديثة لاستبدال طريقة الري بالغمر، التي تهدر كميات كبيرة من المياه.
ولفت خبراء في قطاع الزراعة تركيز الإمارات على زراعة كميات كبيرة من المحاصيل الاستراتيجية، لتضاف إلى بقية مكونات السلة، التي تتسم بوفرة محاصيل الخضراوات والفاكهة المنتجة بكميات ذات جودة عالية، متوقعين تواصل الجهود الرامية لتحقيق مزيد من النجاحات في هذا القطاع، بوصفه أحد القطاعات الحيوية، من خلال اتفاقيات ثنائية مع إسرائيل خلال الأيام المقبلة.
وبحسب البيانات الصادرة عن «مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني»، خلال شهر مارس الماضي، شهد القطاع الزراعي الإسرائيلي تطوراً كبيراً بنظام إنتاج مكثف، يعوّض شح الموارد الطبيعية، ومنها المياه والأرض الصالحة للزراعة.
وترجع الزيادة المطردة للإنتاج الزراعي الإسرائيلي إلى الصناعات المرتبطة به، والمبنية على تطبيق أساليب جديدة في الزراعة، تحولها إلى زراعة عصرية في بلد تغطي الصحراء أكثر من نصف مساحته، حيث أصبحت الخبرات الإسرائيلية ورقة تصديرية رابحة للأساليب الزراعية المبتكرة، وطرق الري العصرية وتقنيات معالجة المياه والزراعة المعدة للتصدير.
ولفت الخبراء إلى أن نقل الخبرات الإسرائيلية في الشأن الزراعي سيساهم في تعزيز الإنتاج الزراعي، ومن ثم، الأمن الغذائي في دولة الإمارات، حيث سيتم توظيف التكنولوجيا الإسرائيلية في زيادة أصناف ومحاصيل زراعية، كان من الصعب زراعتها قبل ذلك، نتيجة الطبيعة. 
وبلغت حصة المنتجات الزراعية 1.6% من الناتج القومي الإسرائيلي، المُقدر بـ 366 مليار دولار، وتصل نسبة الزراعة من مجموع الصادرات إلى 2 في المئة، من أصل 110 مليارات دولار، فيما يقدر حجم الإنتاج الزراعي في إسرائيل بما يصل إلى 8.5 مليار دولار. 
وتشكل أصناف مثل البطاطا والجزر والفلفل، ما نسبته 89 في المئة من مجموع صادرات الخضراوات إلى الخارج، في حين تشكل أصناف مثل الأفوكادو، التمر والمانجا، 84 في المئة من صادرات الفواكه الإسرائيلية. 
وفي هذه الأثناء، تراجع عدد العاملين في القطاع الزراعي الإسرائيلي في ظل التقنيات المتقدمة، التي باتت تحل مكان الإنسان، كما أصبحت تل أبيب تعتمد على وسائل متطورة فيما يتعلق بالري، باستخدام تكنولوجيا تحلية المياه التي يتم استغلالها في المجال الزراعي بشكل كبير. وتُقدر المساحة الزراعية في إسرائيل بنحو 2.7 مليون دونم.

  • سعيد العابدي
    سعيد العابدي

مصالح عليا 
أفاد عضو المجلس الوطني الاتحادي، ورجل الأعمال والمستثمر في المشاريع الغذائية سعيد العابدي، بأنّ الهدف الأساسي من توقيع اتفاقيات التعاون بين الدول، هو استفادة كل دولة مما لدى الطرف الآخر، بما يتوافق مع مصالحها العليا، لافتاً إلى أن الاتفاقيات التي تجمع أي دولتين تصب في نهاية المطاف في صالح الطرفين، عبر الاستفادة من التجارب وتبادل الخبرات فيما بينهما.
وذكر العابدي أنّ إسرائيل ستستفيد من تفوق دولة الإمارات في مختلف القطاعات بشكل عام، وقطاع الغذاء والزراعة بشكل خاص، كما ستستفيد الإمارات من توظيف إسرائيل للتقنيات الحديثة الخاصة بالزراعة، حيث نجحت الأخيرة في زراعة محاصيل استراتيجية، رغم معاناتها من بعض التحديات مثل شح المياه. 
وشدد على أنّ الزراعة في الإمارات لاقت دعماً لامحدود، إلا أنها رغم النجاحات التي حققتها، تواجه بعض التحديات، وقد يحقق قطاع الزراعة الإماراتي مزيداً من الإنجازات، وتطوير البنية الزراعية، من خلال الاستفادة من تجارب إسرائيل المتقدمة في الزراعة، واعتماداً على توظيف التكنولوجيا المتطورة.

  • رضا مسلم
    رضا مسلم

تفوق البنية التحتية بالإمارات يعزز قدراتها الزراعية 
تمتلك دولة الإمارات بنية تحتية قوية ومتطورة في المجال الزراعي، ولديها مساحات شاسعة من الأراضي، مكنتها من النجاح في زراعة أصناف عدة من الخضراوات والفاكهة، حسبما أفاد رضا مسلم، المدير والشريك لشركة «تروث» للاستشارات الاقتصادية والإدارية، الذي أكد أيضاً أن الإمارات تواجه، في الوقت ذاته، صعوبات في زراعة بعض المحاصيل الاستراتيجية مثل الأرز والقمح والشعير والشاي وغيرها، بسبب نوعية الأرض وندرة المياه.
وأضاف مسلم: «في المقابل تمتلك إسرائيل أحدث الابتكارات والتقنيات والتكنولوجيا الحديثة، التي نجحت في معالجة مثل تلك التحديات، التي تواجهها الإمارات في زراعة تلك المحاصيل الاستراتيجية، كالأرز والقمح». 
وأكد أنّ التقاء القطبين الإماراتي والإسرائيلي، سيساهم في تنفيذ عدة مشاريع زراعية يستفيد منها الطرفان في نهاية المطاف، حيث ستتمكن دولة الإمارات من خلال توظيف التقنيات الإسرائيلية في مجال الزراعة من إقامة مشاريع كبيرة في هذا المجال الحيوي على أرض الدولة، في حين يستفيد الجانب الإسرائيلي كذلك من نجاح دولة الإمارات فيما يتعلق بزراعة الخضراوات والفاكهة في أراض تتسم بالملوحة والطبيعة الصحراوية، وقدرتها على مواجهة تحديات مثل ارتفاع درجات الحرارة في مناخها، ونجاحها في زراعة أصناف عدة من الخضراوات والفاكهة التي تتطلب طقساً معتدلاً. 
وأشار إلى أن إسرائيل نجحت عبر توظيفها للتقنيات الحديثة مثل تكنولوجيا التنقيط والهندسة الوراثية للبذور، في زراعة محاصيل استراتيجية مثل الأرز والقمح في أراض قليلة وبمياه أقل، حيث إنّ الارتكاز على تقنية التنقيط في ري المحاصيل واستخدام بذور تم إنتاجها بالهندسة الوراثية مكنها من التفرد بزراعة تلك المحاصيل. 
وذكر أن المشاريع التي ستجمع الجانبين الإماراتي والإسرائيلي في الشأن الزراعي مستقبلاً، ستلقي بظلالها الإيجابية على دولة الإمارات في المقام الأول، إذ تزيد من الاستثمار بزراعة المحاصيل الاستراتيجية، بهدف مدّ الأسواق المحلية بمثل هذه السلع، وذلك من خلال السيطرة على ظروفها الصحراوية، عبر توظيف التقنيات الزراعية الإسرائيلية.

  • إبراهيم البحر
    إبراهيم البحر

 نتائج إيجابية
أكد الخبير الاقتصادي إبراهيم البحر، أن توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، سيلقي بظلاله الإيجابية على الاستثمار، الذي سيجمع الطرفين في مختلف القطاعات الحيوية، ومنها قطاع الأمن الغذائي والمائي عموماً، والزراعة بشكل خاص، حيث تتفوق إسرائيل في المجال الزراعي، نظراً لاتباعها أفضل الممارسات والابتكارات الزراعية الخلاقة. 
وأوضح أن كلاً من الإمارات وإسرائيل تحرصان على تقديم أفضل المنتجات الزراعية الصحية، وانعكس ذلك بالإيجاب ليس فقط على إنتاج كميات متنوعة من الخضراوات والفاكهة، وإنما طال المحاصيل الاستراتيجية، وبجودة مرتفعة جداً وصحية 100 في المئة. 
وأشار البحر إلى تصريحات بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، مؤخراً، عند إعلانه عن النتائج الإيجابية، التي حققها قطاع التعليم في إسرائيل، والتي أكد فيها ريادة بلاده في الابتكارات الزراعية، وهو ما أهلها لتكون الدولة الأولى في تسخير وتوظيف أحدث وسائل وتقنيات التكنولوجيا الخاصة بتوفير المياه للزراعة. 
وتابع: «أعتقد أن الاتفاقيات بين الجانبين الإماراتي والإسرائيلي في مجال الزراعة، ستنعكس بالإيجاب على الطرفين، حيث ستستفيد الإمارات من تفوق إسرائيل في الزراعة، وفي المقابل ستستفيد إسرائيل من النجاحات التي حققتها الإمارات في القطاع الزراعي، وتفوقها في مواجهة التحديات، التي يواجهها هذا القطاع مثل الطبيعة الصحراوية وتحويلها إلى أراض زراعية خضراء».

70 صنفاً من الخضار والفاكهة
حققت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية طفرة زراعية مهمة أسهمت في زيادة عدد الأصناف المنتجة محلياً من الخضار والفاكهة إلى ما يزيد على 70 صنفاً تتمتع بمستوى عال من الجودة. ووفقاً لتقديرات وزارة التغيير المناخي والبيئة، بلغ عدد المزارع في الدولة حتى عام 2018، 35 ألف مزرعة، أسهمت في تلبية احتياجات الأسواق المحلية، وباتت منتجات زراعية كثيرة في الدولة منافساً قوياً للمنتجات الزراعية المستوردة. وتضم أبوظبي النسبة الأكبر من المزارع في الدولة.  وتولي الإمارات اهتماماً كبيراً بالزراعة العضوية وزيادة مساحة الأراضي المزروعة بالمنتجات العضوية.

استشعار عن بُعد
تُنفذ الإمارات، منذ عام 2018، مشروعاً بحثياً لاستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والمسح الجوي للمناطق الزراعية على مستوى الدولة، باستخدام الطائرات بدون طيار، بهدف تحقيق الاستغلال الأمثل لموارد البيئة والموارد التي يدعم القطاع الزراعي بها، والتوسع في مفاهيم الزراعة المستدامة عبر توظيف أحدث التقنيات العالمية المتاحة في هذا المجال.
وتتنوع المشاريع الزراعية الرائدة في الإمارات المعتمدة على التكنولوجيا الحديثة، وتعتبر الزراعة المائية (بدون تربة) أحد أبرز هذه المشاريع، حيث يبلغ عدد المزارع التي تبنت هذا النمط الزراعي، خلال العامين الماضيين، حوالي 177 مزرعة، بينها 89 مزرعة في أبوظبي.