لكبيرة التونسي (أبوظبي)

التسامح يبني المجتمعات ويُرسّخ العلاقات الإيجابية، ويزرع المحبة والتعاون في نفوس الأفراد، ويطوي صفحة الماضي، ويفتح صفحة جديدة، وينبذ الكراهية، يؤلف بين القلوب ويرفع قدر صاحبه، كما أنه يقلل من وقوع المشكلات والفتن بين أفراد المجتمع.  ثمار التسامح كثيرة ولا يمكن حصرها، لا سيما أنه يجعل من صاحبه محط إعجاب من أفراد المجتمع لقدرته الكبيرة على العفو، والمجتمع المتسامح تنظر إليه بقية المجتمعات بإعجاب وتقدير.
وعن قيمة التسامح وقدرته على نبذ الخلافات، وخلق تواصل إيجابي بين الفرد ومحيطه وبين المجتمع الواحد وبقية المجتمعات، يُجمع علماء النفس الاجتماع ومستشارو التنمية الذاتية، على أن التسامح ونبذ الكراهية يجعل الفرد المتسامح يبني ويعمر ولا يهدم، بحيث يكون متصالحاً مع نفسه ومحيطه، وهو ما ينعكس على المجتمع، كما أكدوا أن نبذ الكراهية جسر التواصل الإيجابي والسلام بين الشعوب.
يرى الدكتور محمد أبو العينين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات، أن التسامح إحدى القيم الاجتماعية ذات المردود الإيجابي على الأفراد والمجتمعات، إذ يساعد على نبذ العنف والكراهية، ويُقرب بين الشعوب. 
وأضاف: «نعيش اليوم في عالم متشابك ومتداخل متعدد القوميات والعرقيات والأديان واللغات، وما لم تسد عالمنا قيم التسامح، فستستمر الصراعات العرقية والمذهبية والحروب الأهلية بين القوميات، وستصعب الحياة على الناس، وتتبدد جهودهم نحو التنمية والتقدم والازدهار، ولعلَّ ما يساعد على انتشار قيم التسامح، هو التطور المادي والاقتصادي للمجتمعات».
وأضاف: «تاريخياً، لم تشعر شعوب المجتمعات الأولى بالأمان المادي والاقتصادي، فكانت تتمسك بالقيم التقليدية، وكانت على مستوى عالٍ من الافتخار بالوطن والاحترام الشديد للسلطة، وتتمتع بقدر ضئيل جداً من التسامح».
ومع التطور المادي ارتقت مستويات المعيشة لدى المجتمعات الصناعية المتقدمة، وحدث تحول في قيم تربية الأبناء، والتحول من التأكيد على قيم العمل الشاق إلى التأكيد على قيم التسامح كقيم مهمة لكل طفل، وتميل المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من قيم التعبير عن الذات إلى تكوين بيئة من الثقة والتسامح. 
وتشير نتائج بعض الدراسات، إلى أنه في الدول ذات الدخل المنخفض هناك 38 في المئة فقط لديهم توجه نحو التسامح، مقارنة بـ 80 في المئة في الدول ذات الدخل المرتفع، وهذه النتائج تثبت صحة الفرض القائل بأن المستويات العليا من الأمان الوجودي تهيئ لمعايير الاختيار الفردي.
والثقة والتسامح المتبادل يزدهران حينما يشعر الناس بالأمان، كما تشير البحوث إلى علاقة ارتباط إيجابية بين التسامح والسعادة والرضا عن الحياة. وبين عامي 1981 و2007، أدى النمو الاقتصادي والتحوّل الديمقراطي والتسامح الاجتماعي، إلى زيادة المدى الذي وصلت إليه معظم شعوب العالم في حرية الاختيار لحياتهم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وهو ما أدى إلى مستويات أعلى من السعادة والرضا عن الذات.
والتسامح الاجتماعي يُوسع أيضاً مجموعة الخيارات المتاحة للناس، بما يزيد من سعادتهم، وبناءً عليه يرتبط التسامح مع الآخر المختلف بالسعادة ارتباطاً وثيقاً، ليس فقط لأن الناس المتسامحين أكثر سعادة، ولكن لأن العيش في مجتمع متسامح يجعل الحياة أقل توتراً للجميع. 

التسامح حكمة
يرى الدكتور شافع النيادي، مدرب التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، دور الأبوين في زرع قيمة التسامح في نفوس الأبناء، لما لها من دور في بناء شخصية الأبناء، مشيراً إلى أن هناك تسامحاً فطرياً يولد مع الإنسان، بحيث نجد الشخص يغضب ثم يسامح، كما أنه مكتسب، فالتسامح أيضاً قيمة نكتسبها من خلال مجاهدة النفس وصحبة الأخيار، واتباع ما حثت عليه الأديان. 
وأوضح النيادي أن التسامح يتمثل في قبول العذر والمغفرة والإيمان بالاختلاف الفكري والثقافي، بحيث يكون الإنسان متسامحاً من خلال الحوار الهادف العقلاني، واحترام حرية الآخرين ورحابة الصدر وإعطاء الأولوية للمصلحة العامة، من خلال التعليم والتثقيف. 
وأكد النيادي، أن التسامح ليس ضعفاً، وإنما قيمة لا يملكها إلا الشخص القوي الذي يتغلب على هواه، ويدل على أن الشخص المتسامح حكيم عقلاني، ويستطيع أن يدير مشاعره بقوة وشجاعة، وعليه يجب أن نتقبل الاختلاف، وتحرير الفرد من أفكاره السلبية من الكره والبغض ليحل محلها الحب والمودة والتآلف.
ولفت إلى أن التسامح يحقق الطمأنينة والسعادة، ويجعل الشخص قادراً على العطاء، ليستثمر عقله في أمور عظيمة، بينما يبقى غير المتسامح حبيس التفكير في الماضي، والخصام حين يسود يمزق العلاقات الاجتماعية، وقيمة التسامح تمكن صاحبها من كسب قلوب الآخرين، وهو ما يجعل الشخص الآخر يتقبلك، بينما الانتقام يجعل صاحبه محط كره ومعزولاً عن الآخرين، وشخصية منبوذة لا يحب أحداً التعامل معها، فالمجتمع المتسامح متماسك وقوي ومحبوب وإيجابي، والمجتمعات الأخرى ترى فيه القوة والحكمة.

الحرية الحقيقية
أفادت استشارية علم النفس ومعالجة الأمراض النفسية بمستشفى الخليج التخصصي، دولي حبال: «لولا التسامح لعاش الجميع في عداء مستمر، موضحة أن التسامح قيمة سامية تجعل الفرد متصالحاً مع نفسه ومجتمعه، وتنعكس على علاقات الشعوب والمجتمعات، فيما بينها وتربط جسور التواصل الإيجابي».
وأضافت: «نسامح أحياناً دون أن يطلب منا أحد ذلك، ودون أن يقدم لنا من أخطأ بحقنا اعتذاراً، فالجميع يخطئ، والجميع بحاجة للتسامح». 
وتابعت: «علينا التخلص من الشر والغضب، وأن نتخلى عن الرغبة في الانتقام وفي إيذاء الآخرين، لأن هذه الأحاسيس تعمي بصائرنا، فكل من نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج وجدوا طريقهم للتسامح أثناء تعرضهم للمحن، وتمكنوا من تحويل مشاعر الغضب والألم والرغبة في الثأر إلى عوامل إيجابية، وهذا لا يعني تغاضيهم أو نسيانهم للمآسي التي عاشتها شعوبهم، ولكنهم استطاعوا أن يكتشفوا بأن عدم الصفح هو كبقائهم داخل السجن».
وقالت: «السجن الحقيقي في عقولنا عندما تمتلئ بالغضب، والطريقة الوحيدة للحرية الحقيقية هو بالتحرر من هذه المشاعر المدمرة».