د. مطر حامد النيادي*

ارتبط الانطباع العام عن المزرعة بأنها مكان خاص للاسترخاء وزراعة محاصيل بسيطة، وأنه يتطلب مصاريف تشغيلية كبيرة ومستمرة لإدامته. والمصطلح المحلي في الإمارات الذي يطلق على المزرعة بأنها مثل (الخريجة) تستنزف أموالاً كثيرة من المالك. دولة الإمارات من خلال عدد من المبادرات مثل مبادرة صندوق الوطن أو من خلال شركة الفوعة للتمور ساهمت في تغيير الانطباع العام عن المزارع وتحفيز المزارعين على الاستفادة أكثر من مزارعهم. ولتعظيم الاستفادة من المزارع وبالأخص في المساهمة في الأمن الغذائي وتحقيق فائض ربحي للمزارع قد تكون هناك حاجة لتبني مفهوم السياحة الزراعية ووضع التشريعات المناسبة له.
وقد ظهر مفهوم السياحة الزراعية (agritourism) في منتصف الثمانينات من القرن الماضي لتمكين المزارعين وتشجيعهم من الاستفادة أكثر من أراضيهم الزراعية على نحو يعود بمنافع اقتصادية عليهم وعلى اقتصاد البلد الذي يعيشون فيه، ويساهم في خلق فرص عمل وتنمية الوعي بالزراعة. ففي عام 1985 صدر في إيطاليا قانون لتنظيم السياحة الزراعية ثم صدرت تشريعات مماثلة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول أوروبية أخرى. في منطقة الخليج العربي أعلنت المملكة العربية السعودية الشقيقة عن برنامج أرياف للسياحة الزراعية الذي يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف، منها توفير فرص عمل ومصدر دخل إضافي للمزارعين وتنمية الحركة السياحية وتمكين المزارعين من تسويق منتجاتهم. 
ويقصد بمفهوم السياحة الزراعية هو تحويل المزرعة من مقر خاص إلى مشروع يجلب الزوار إلى المزرعة دون أن يتحمل صاحب المزرعة تكاليف مالية كبيرة. ويتضمن مفهوم السياحة الزراعية أنشطة متنوعة تتوافق مع البيئة الزراعية في المنطقة التي توجد بها المزرعة. أهم هذه الأنشطة وأكثرها انتشاراً هو تمكين المزارع من فتح منصة لبيع منتجات المزرعة مباشرة داخل المزرعة أو قطف الفاكهة، أو إطعام الحيوانات أو عمل دورات تدريبية للراغبين في تعلم أصول الزراعة أو غير ذلك من الأنشطة. وتبرز أهمية السياحة الزراعية في أنها تعمل على تحقيق ما يلي: 
- توفر للمزارعين فرصة للاستفادة أكثر من مزارعهم بالحصول على دخل إضافي من خلال تقديم مجموعة من الأنشطة والفعاليات ووسيلة للتسويق المباشر للمستهلكين على نحو يساهم أكثر في إمدادات الأمن الغذائي وفي تسويق منتجاتهم بتكاليف أقل. 
- تساعد السياحة الزراعية الدولة في الحفاظ على الأراضي الزراعية وتسمح بتوفير فرص عمل وبدء مشاريع صغيرة أو متوسطة بتكاليف أقل على نحو يساهم أكثر في الاقتصاد الوطني.
- توفر السياحة الزراعية للجمهور فرصاً للاسترخاء والتأمل وزيارة المزارع وفرصاً تعليمية للراغبين بالتدريب والتعرف على أساليب الزراعة. 
- الزراعة هي أحد مصادر الأمن الغذائي ويمكن من خلال مفهوم السياحة الزراعية أن تساهم أكثر في جهود تحقيق اكتفاء ذاتي من بعض المحاصيل والمنتجات مثل الخضار والبيض والدواجن والحليب والأعلاف الحيوانية أو زيادة الإنتاج في اللحوم والألبان ومنتجاتها على نحو يساهم في تقليل نسبة الاستيراد.
- اعتماد مفهوم السياحة الزراعية سوف يوفر على المزارعين تكاليف وأعباء مالية وإجراءات كثيرة قد تعيق في الوقت الحالي كثيراً منهم من الاستفادة بشكل أكبر من مزارعهم على نحو يساهم في تعزيز مصادر الدخل لديهم ويدعم جهود توفير الأمن الغذائي أو جهود خلق فرص عمل جديدة أو جذب استثمارات أجنبية.
- تساهم السياحة الزراعية في نقل ثقافة وأصول مهنة الزراعة إلى جيل المستقبل والتعليم على الأساليب الحديثة للزراعة التي يمكن أن تساعد الفرد في تأسيس زراعة بسيطة في منزله باستخدام أساليب أكثر كفاءة وأقل هدراً للمياه والطاقة.
في دولة الإمارات توجد فرصة كبيرة في الاستفادة أكثر من المزارع القائمة في الدولة ومن القدرات التنافسية التي تتمتع بها دولة الإمارات وذلك من خلال تنظيم السياحة الزراعية التي من شأنها أن تشجع المزارعين على الاستثمار أكثر وتقلل عليهم المصاريف التشغيلية المطلوبة لتأسيس مشروع داخل مزارعهم. ولعل الخطوة الأولى تكون بتعديل نص المادة 9/‏‏2 من قانون المعاملات التجارية لسنة 1993 التي تنص على: «فإذا قام المزارع بتأسيس متجر أو مصنع بصفة دائمة لبيع حاصلاته بحالتها أو بعد تصنيعها فإن البيع في هذه الحالة يعتبر عملاً تجارياً». 
هذه الفقرة من القانون تجعل من تأسيس منصة بيع أو متجر داخل المزرعة لبيع المحاصيل الزراعية عملاً تجارياً يتطلب تحويل صفة النشاط من مشروع زراعي إلى مشروع تجاري وبالتالي تحويل صفة مالك المزرعة من مزارع إلى تاجر على نحو من شأنه أن يزيد المصاريف التشغيلية المطلوبة على المزارع. وعليه فالخطوة الأولى لتأسيس السياحة الزراعية في الإمارات يكون بتعديل المادة 9/‏‏2 من قانون المعاملات التجارية والنص صراحة على إدراج السياحة الزراعية في نص القانون وان هذا النشاط لا يعتبر عملاً تجارياً وإنما يبقى عملا زراعياً.

مستشار في القانون الدولي