حسين رشيد (أبوظبي)

القرارات التاريخية لا تولد فجأة.. تسبقها إرادة قوية، وجهود ومشاورات تسابق الزمن.. وتدور في كواليسها مواقف عظيمة تبني الأمم، وتستهدف صالح الأوطان، وتصنع الرجال. وإذا كان التاريخ يسجل بأحرف من نور، يوم الثاني من ديسمبر 1971 كأحد الأيام الخالدة في تاريخ الإمارات بإعلان دولة الاتحاد، فهذا اليوم سبقته سنوات وأشهر وأيام لم تنم فيها أعين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه الحكام حتى يتحقق حلم «الاتحاد» الذي آمن به «طيب الله ثراه»، ويتحول بجهوده وإخوانه الحكام إلى واقع يعيشه حالياً شعب وطن التسامح.

  • زايد بحكمته وحنكته تمكن من توحيد الكلمة ولم الأشقاء
    زايد بحكمته وحنكته تمكن من توحيد الكلمة ولم الأشقاء

6 أغسطس 1966 
بعد تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، في السادس من أغسطس عام 1966م، ولأنه من الأفذاذ الذين لا يعيشون لأنفسهم، والذين متى آمنوا بفكرة أو عقيدة بذلوا في سبيلها كل ما يملكون من جهد ووقت وصبر ومثابرة، وكيف لا يؤمن بهذا وهو يعتبر الأمة كلها كتلة واحدة؟.. وكيف لا يفعل ذلك وهو قائد وحدوي، يدرك العلاقة بين الوحدة وبين التقدم، ولم يكن الطريق أمامه مفروشاً بالورود، ومع ذلك فقد كان عليه أن يمضي قدماً على الطريق الصعب الطويل، بكل مشاقه ومعاناته، لأن ذلك هو قدره.
المغفور له الشيخ زايد كان يدرك أن بقاء الوضع كما هو عليه ليس في مصلحة المنطقة وأبنائها، لذا قرر يومها أن يتولى شخصياً زمام هذه المهمة الصعبة، وكان عليه أن يتحرك بسرعة، وأن يسابق الزمن من أجل تحقيق الهدف المنشود، فلم تكن المهمة سهلة، الخلافات بين الأشقاء في الإمارات المتصالحة مستمرة، وأي تحرك كان لابد وأن يلاقيه دعم وقبول وتأييد من كافة الأطراف، والاستمرار سيحتاج لمزيد من الجهد والمثابرة. لم يكن ذلك مدعاة لليأس أو الخضوع للفشل بالنسبة لزايد، بل كلما تأزم الوضع ازداد إصراراً على المضي قدماً في تحقيق حلمه وأمانيه، والتي هي بالطبع كانت حلم وأماني أبناء الإمارات المتصالحة.

  • باني الاتحاد زايد يحرص على مشاركة أبناء وطنه في كافة المناسبات
    باني الاتحاد زايد يحرص على مشاركة أبناء وطنه في كافة المناسبات

18 فبراير 1968
المبادرة الأولى لبناء دولة الإمارات العربية المتحدة بدأت في 18-2-1968، عندما عقد الشيخ زايد في منطقة سيح السديرة الواقعة بين أبوظبي ودبي اجتماعاً مع أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه» حاكم دبي آنذاك، حيث تم إعلان اتحاد يضم إمارتي أبوظبي ودبي كنواة وبداية لاتحاد أكبر وأشمل، وكانت هذه الخطوة هي رأس الجسر الذي اتسع فيما بعد ليستوعب بقية الإمارات المتصالحة. 
وقتها قرر زايد وراشد دعوة إخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات الأخرى وحاكمي قطر والبحرين، للتفاهم والتشاور حول توحيد الإمارات واستقلالها كدولة واحدة ذات سيادة، خاصة والفرصة آنذاك مواتية بعد إعلان بريطانيا عام 1968 الانسحاب من المنطقة، وعزمها على تصفية وجودها في منطقة شرقي قناة السويس في موعد أقصاه نهاية عام 1971.

27-25 فبراير 1968
عقد حكّام الإمارات التسع مؤتمراً دستوريًّا في دبي. وبقيت الاتفاقية المكوّنة من إحدى عشرة نقطةً، والتي بدأت في دبي، مدة ثلاث سنوات قاعدةً للجهود المكثّفة لتشكيل الهيكل الدستوري والشرعي لـ«اتحاد الإمارات العربية»، والذي يتكوّن من تلك الإمارات التسع الأعضاء فيه، وعُقدت في تلك الفترة اجتماعات عدّة على مستويات مختلفة من السلطة، والاتفاق على القضايا الرئيسة في اجتماعات المجلس الأعلى للحكّام، الذي يتكوّن من رؤساء الإمارات التسع. كذلك أجرى نوّاب الحكّام إضافة إلى لجان أخرى مختلفة، مناقشاتٍ رسميةً تتعلّق بتعيين الإداريين من تلك الإمارات ومستشارين من الخارج. ولقيت أصداء فكرة الاتحاد ترحيباً في جميع الإمارات، وخفقت لها مشاعر شعب الخليج بأكمله، وشهدت المنطقة نشاطاً سياسياً واسع النطاق، وفي 27-2-1968، اجتمع حكام إمارات ساحل عمان العربية السبع وهي، أبوظبي ودبي والشارقة وأم القيوين ورأس الخيمة، والفجيرة، وعجمان، وكل من قطر والبحرين، وجرى تدارس فكرة قيام اتحاد لجمع الشمل وتوحيد الإمارات.

  • إعلان قيام الاتحاد ووثيقة الاستـقلال 1971
    إعلان قيام الاتحاد ووثيقة الاستـقلال 1971

21 - 25 أكتوبر 1969
شكل الحكام مجلساً أعلى، ومجلساً تنفيذياً وأمانة عامة في دورة عقدت فيما بين 21 - 25 أكتوبر سنة 1969، وتم بالإجماع انتخاب الشيخ زايد رئيساً للاتحاد لمدة عامين، كما انتخب راشد بن سعيد نائباً للرئيس لنفس المدة.

18 يوليو 1971 
اجتمع حكام الإمارات العربية السبع لإجراء مباحثات تستهدف إيجاد شكل متين للتعاون فيما بينهم، تحقيقاً لمعنى التكامل فيما بينهم، وبحثاً عن الأمن والاستقرار في هذا الجزء من العالم، وأهاب زايد بإخوانه الحكام إلى أن يبدؤوا مباحثات من أجل تحقيق الأمل الذي يضع شعب الخليج في أعناقهم، وقال لهم: هذه فرصة هيأها الله سبحانه وتعالى لنا، فرصة وجودنا اليوم في مكان واحد، إن قلوبنا جميعاً عامرة والحمد لله بالإيمان بمبدأ الوحدة، فلنجعل إذاً من اجتماعنا هذا فرصة تاريخية لتحقيق أملنا المنشود وآمال أبناء الإمارات السبع، وبدأت المباحثات واستجاب الله لدعاء أبناء الخليج، وبارك الله الجهود المخلصة والمؤمنة التي اضطلع بها زايد وإخوانه.

  • أول اجتماع للمجلس الأعلى بعد انضمـام إمارة رأس الخيمة اكتمل عقد الاتحاد 1972
    أول اجتماع للمجلس الأعلى بعد انضمـام إمارة رأس الخيمة اكتمل عقد الاتحاد 1972

ظُهرَ ذلك اليوم، توصّل حكام الإمارات إلى القرار التاريخي وتم التوقيع على وثيقة قيام دولة اتحادية باسم دولة الإمارات العربية المتحدة، لتكون نواة لاتحاد شامل يضم باقي أفراد الأسرة من الإمارات الشقيقة التي لم تمكنها ظروفها من الانضمام إلى الاتحاد في ذلك الوقت، وصدر دستور مؤقت لتنظيم شؤون هذه الدولة الوليدة، ولكن رأس الخيمة لم تعلن انضمامها في ذلك اليوم إلى الاتحاد، ولذلك بدأ مشروع الاتحاد بست إمارات هي أبوظبي ودبي والفجيرة والشارقة وعجمان وأم القيوين.

  • علم الاتحاد يرفرف شامخاً بعد إعلان قيام الدولة في ديسمبر 1971
    علم الاتحاد يرفرف شامخاً بعد إعلان قيام الدولة في ديسمبر 1971

2 ديسمبر 1971
في هذا اليوم، عقد حكام الإمارات الست اجتماعاً وأعلنوا سريان مفعول الدستور المؤقت وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ليكون هذا اليوم تتويجاً لجهود صادقة مخلصة، بذلها الرجل على امتداد أربع سنوات كاملة دون كلل، وصدر عن العواصم العربية كافة الكثير من البيانات التي تعكس ترحيب وفرحة الحكومات والشعوب العربية بالاتحاد، ووافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على طلب انضمام الإمارات إلى المجلس وأصبحت الدولة العضو الثاني والثلاثين بعد المائة.

  • بعد انضمام إمارة رأس الخيمة اكتمل عقد الاتحاد 1972
    بعد انضمام إمارة رأس الخيمة اكتمل عقد الاتحاد 1972

10 فبراير 1972
أعلنت إمارة رأس الخيمة رغبتها بالانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وموافقتها على الدستور، وفي نفس اليوم وافق المجلس الأعلى للاتحاد بالإجماع على قبول إمارة رأس الخيمة في عضوية الاتحاد.

جلسات الحكام 
الأيام الخمسة التي قضاها حكام الإمارات العربية في أبوظبي، خلال الفترة من 21 إلى 25 أكتوبر 1969 لم تكن بالواقع سوى ضرورة حتمية لتقارب الآراء والقناعات التي مر بمراحلها المؤتمرون منذ انطلاق فكرة الاتحاد إلى هذا التاريخ. إن الذي حدث كان يمكن أن يحدث في أي لحظة يصل بها الحكام إلى هذه المرحلة الحاسمة، حيث ينتقل عبرها الاتحاد من الفكرة والتداول والمناقشة إلى الوجود.
والعنصر الأكيد أن الكل مؤمن من دون شك بهذه الرغبة، والكل مؤمن بأن تبادل وجهات النظر ضروري. والكل يعلم أيضاً أن الدراسة والتمحيص من أولى الواجبات الديمقراطية في الحياة العامة، خصوصاً عندما تكون القضية في هذا المستوى. إذاً، فإن الذي حدث خلال الأيام الخمسة، يجعلنا لا نشك على الإطلاق بقدرة جميع المؤتمرين، على الانتقال من مرحلة الدراسة والمناقشة وتبادل الآراء في سبيل اتحاد الإمارات العربية إلى مرحلة وجود الاتحاد نفسه.

لا شيء يتم بسهولة، فالذي يقوم بسهولة يقع بسهولة مماثلة، ولذلك، فإن قوة المناقشات وقوة النظريات وقوة الرأي هي بالواقع، وبالتأكيد قوة للاتحاد، فالذي يقوم على أسس وقناعات قوية ومتينة، يبقى ويستمر بحكم قوة هذه القناعات وتلك الأسس، ويبقى كذلك بحكم متانة هذه القناعات وتلك الأسس.
الاجتماعات قفزت مدة انعقادها إلى خمسة أيام بدلاً من ثلاثة تميزت دون سواها من الدورات السابقة، بلقاءات يومية وطويلة بين أصحاب العظمة الحكام الذين رغبوا، نظراً للمرحلة التي وصلت إليها المناقشات أن يتكاتفوا ويتفاتحوا بصدور واسعة رحبة، لأن القضية المطروحة تقتضي ذلك. وأن نسبة الاجتماعات التي اقتصرت على الحكام وحدهم تجاوزت عشرة أضعاف اجتماعات المجلس الأعلى بجميع أعضاء الوفود.

وطن وصحيفة 
حرص زايد على دعم مسيرته ومهمته الوحدوية، بإيجاد وسيلة إعلامية، تنقل لأبناء المنطقة ما يحدث من تحركات ووقائع بالكلمة والصورة، وأمر بإصدار صحيفة في أبوظبي تواكب الأحداث المتسارعة في المنطقة، وتنقلها لأبناء إمارات الساحل المتصالحة، ليكونوا على اطلاع ودراية بالتطورات والتغيرات التي تتسارع وتيرتها يوماً بعد يوم، وأيضاً لتدعم هذه الصحيفة المسيرة المباركة لزايد وأشقائه حكام إمارات الساحل في سبيل الوصول لهدفهم المنشود، وتحقيق مشروعهم الوحدوي.

وأطلق زايد اسم «الاتحاد» على الصحيفة الوليدة، قبل قيام دولة الإمارات بسنتين، لأنه كان يؤمن بأن مشروع الاتحاد بين الإمارات سيتحقق.
ونالت جريدة «الاتحاد» الفخر والاعتزاز كونها أول صحيفة محلية تواكب الأحداث أولاً بأول، وتنقلها للقراء في أرجاء الإمارات المتصالحة، وزفت بشرى قيام الاتحاد قبل قيامه بسنتين لأبناء الإمارات في أول عدد لها.