تانيغاشيما - اليابان (الاتحاد)

 دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة التاريخ بإنجاز فضائي غير مسبوق على مستوى الوطن العربي، حققته فجر أمس، مع الإطلاق الناجح لـ «مسبار الأمل»، ضمن مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ، وذلك من مركز تانيغاشيما للفضاء في اليابان، لتكون أول مهمة فضائية لاستكشاف الكواكب تقودها دولة عربية.
ولقد انفصل مسبار الأمل عن صاروخ الإطلاق بنجاح، وتم استقبال أول إشارة من المسبار في مركز التحكم بالخوانيج، كما تلقى المسبار أول أمر من محطة التحكم الأرضية بالخوانيج بفتح الألواح الشمسية، وتشغيل أنظمة الملاحة الفضائية، وإطلاق أنظمة الدفع الصاروخي، ليشكل ذلك فعلياً بداية رحلة المسبار إلى الكوكب الأحمر، والمتوقع أن تستمر سبعة أشهر، قاطعاً خلالها مسافة 493 مليون كيلومتر، قبل أن ينتظم في مداره حول المريخ في الربع الأول من العام 2021، بالتزامن مع احتفال دولة الإمارات باليوبيل الذهبي لقيامها. وتم الإطلاق الناجح لمسبار الأمل فجر أمس، 20 يوليو في تمام الساعة 01:58 صباحاً بتوقيت الإمارات، بعدما تردّد العد التنازلي، في الثواني العشر الأخيرة قبل الإطلاق، من مركز التحكم باللغة العربية، لأول مرة في تاريخ البعثات والمهمات الفضائية، ليصل صدى حروف الأرقام العربية لجميع أنحاء العالم. 
وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»: «الإمارات تدخل التاريخ بإنجاز فضائي عربي غير مسبوق»، لافتاً سموه: إلى أن «الرهان على شباب الإمارات لا يخيب.. رفعوا رؤوس شعب الإمارات، ودخلنا مرحلة جديدة في تاريخنا». وأضاف، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «الرحلة بدأت.. والمهمة في بدايتها.... والمحطة القادمة الكوكب الأحمر»، مؤكداً سموه بالقول: «الخروج من مجال الجاذبية الأرضية هو دخول في مرحلة جديدة في تاريخ إنجازاتنا العلمية».
من جانبه، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.. أن دولة الإمارات رسخت نفسها، كونها أحد صناع المستقبل واستشراف تحدياته، مضيفاً سموه: «أهنئ شعب الإمارات بهذا الإنجاز التاريخي.. مكانتنا العالمية تزداد رسوخاً وقوة بفضل أبناء الوطن».
وقال سموه: «إن نجاح الانطلاق نحو المريخ يتوج خمسة عقود من الإنجازات، التي حققتها دولة الإمارات في مختلف المجالات.. مشيراً سموه إلى أن وطننا يحصد اليوم ما زرعه الآباء المؤسسون في استثمار وتمكين الكوادر الإماراتية الذين ننافس بها العالم». وختم سموه: «إن دولة الإمارات تكسب الرهان.. وأبناؤها يثبتون قدرتهم على تحقيق المستحيل.. والقادم بإذن الله أفضل». 
 وحمل «مسبار الأمل» الإماراتي صاروخ الإطلاق «إتش 2 أيه» من شركة «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة»، والذي يزن 289 طناً، ويبلغ طوله 53 متراً، وفي المرحلة الأولى من الإطلاق، قام دافع الوقود الصلب برفع الصاروخ بعد الانفصال عن منصة الإطلاق، قبل أن ينفصل هذا الجزء تلقائياً، بعد إتمام مهمته مع انخفاض تأثير الجاذبية الأرضية، وبدء خروج الصاروخ، بعيداً عن مدار الأرض. ومع انفصال هذا الجزء، انخفض وزن الصاروخ الحامل للمسبار، لتبدأ فترة انعدام الجاذبية الأرضية، ومن ثم انفصل الجزء الثاني من صاروخ الإطلاق، لتبدأ المرحلة الثانية حتى وصول مسبار الأمل إلى مداره الصحيح حول كوكب المريخ، محمولاً على الجزء الثالث من صاروخ الإطلاق.
 وانطلق مسبار الأمل بنجاح من مركز تانيغاشيما الفضائي باليابان، في تمام الساعة 01:58 فجر أمس، حيث انفصل المسبار عن صاروخ الإطلاق بعد أقل من ساعة، وتحديداً في تمام الساعة 02:55 فجراً، ليتم بذلك تشغيل المسبار تلقائياً، وفتح الألواح الشمسية في الساعة 03:00 فجراً، قبل أن يتم تصويب الألواح مع المسبار باتجاه الشمس.
وتم تسجيل إشارة البث الأولى من مسبار الأمل تمام الساعة 03:10 فجراً، بتوقيت الإمارات بعد قيام المسبار بتشغيل جهاز البث الخاص به، ومن ثم بدأ مركز التحكم بالخوانيج في استقبال البيانات الأولى، التي أرسلها المسبار بعد نحو الساعة من الإطلاق، وقام فريق العمل في المركز بتحليل أولي لهذه البيانات للتأكد من حالة المسبار ووضعية الألواح الشمسية، وما إذا كانت قد فُتحت بصورة صحيحة بالكامل، إلى جانب التحقق من تصويب المسبار على نحو صحيح باتجاه الشمس. وقد استغرقت عملية التحليل الأولية للبيانات الواردة من المسبار نحو نصف ساعة، وبناءً عليها، تم إرسال أوامر للمسبار من مركز التحكم، انتقل المسبار بموجبها فعلياً إلى مرحلة العمليات.
وقد قام فريق مركز التحكم في الخوانيج بمراقبة العمليات والبيانات والإحداثيات الخاصة بحالة المسبار، للتأكد من أن منظومة عمل المسبار الرئيسية سليمة، وكذلك التحقق من سلامة الأنظمة الفرعية والأجهزة العلمية.
وسيكون مركز التحكم على تواصل مع المسبار مدة 24 ساعة متواصلة، بحيث يتم خلالها إرسال الأوامر له واستقبال البيانات منه، ومن المقرر أن تستمر عملية المتابعة والمراقبة المتواصلة من أسبوع إلى أسبوعين في البداية، للتأكد من أن المسبار يقوم بمهامه بدقة. ويشكل انفصال المسبار عن صاروخ الإطلاق خطوة مهمة وحافزاً كبيراً لفريق العمل، لبذل المزيد من الجهد خلال المرحلة المقبلة، إذ إن مهمة المسبار لاستكشاف المريخ تترجم شعار الدولة الذي يحمله المسبار في رحلته الفضائية التاريخية «لا شيء مستحيل».
  ومنذ وصوله إلى مركز تانيغاشيما الفضائي في اليابان في أبريل الماضي، بعد رحلة استغرقت 83 ساعة، براً وبحراً وجواً، خضع «مسبار الأمل» لاختبارات وعمليات تجهيز فائقة الدقة للإطلاق، تضمنت تعبئة خزان الوقود للمرة الأولى بحوالي 800 كيلوجرام من وقود الهايدروزين وفحص خزان الوقود، والتأكد من عدم وجود أي تسريبات، بالإضافة إلى اختبار أجهزة الاتصال والتحكم، ونقل المسبار إلى منصة الإطلاق، وتركيب المسبار على الصاروخ الذي سيحمله إلى الفضاء، وشحن بطاريات المسبار للمرة الأخيرة، كما شملت الاختبارات النهائية فحص نظام الطاقة ونظام الاتصال ونظام الملاحة ونظام التحكم ونظام الدفع والقيادة والنظام الحراري وأنظمة البرمجيات. وقد سبقت عملية إطلاق «مسبار الأمل» ثلاث مراحل تجهيزية أساسية، تألفت المرحلة الأولى من إزالة غطاء كاميرا الاستكشاف، قبل تثبيت الصاروخ على منصة الإطلاق، وشملت المرحلة الثانية تحريك الصاروخ، الذي يحمل المسبار إلى منصة الإطلاق، وهي عملية معقدة ودقيقة، استغرقت نحو نصف ساعة، واستلزمت فصل معدات التحكم الأرضي عن المسبار بشكل مؤقت، بحيث تم إعادة تفعيل هذه المعدات عند وصوله المنصة. أما المرحلة التجهيزية الثالثة، فتمثلت في التحضيرات النهائية قبل 18 ساعة من إطلاق المسبار، حيث شملت سحب غاز النيتروجين الخاص بالمحافظة على سلامة الأجهزة، والهواء النظيف في غرفة الاحتراق بالصاروخ، تلاها فحص حالة البطاريات وحالة المسبار، إلى جانب التأكد من جاهزية الفريق في غرفة العمليات قبل ثلاث ساعات من الإطلاق، بحيث ظلت عملية فحص أجهزة المسبار مستمرة، حتى ما قبل الإطلاق بخمس دقائق. وتتكون عملية إطلاق المسبار من ثلاث مراحل، حيث بدأت المرحلة الأولى تقنياً مع العد التنازلي لإطلاق المسبار، من خلال انفصال المسبار عن الصاروخ، وبدء المسبار بفتح ألواحه الشمسية، وإجراء أول اتصال له مع المحطة الأرضية في مركز محمد بن راشد للفضاء بمنطقة الخوانيج.
وفي المرحلة الأولى من الإطلاق، يقوم دافع الوقود الصلب برفع الصاروخ بعد الانفصال عن منصة الإطلاق، قبل أن ينفصل هذا الجزء تلقائياً بعد إتمام مهمته مع انخفاض تأثير الجاذبية الأرضية، وبدء خروج الصاروخ بعيداً عن مدار الأرض، وبانفصال هذا الجزء ينخفض وزن الصاروخ الذي يحمل المسبار، لتبدأ فترة انعدام الجاذبية الأرضية، لينفصل الجزء الثاني من صاروخ الإطلاق.
وتبدأ بعد ذلك المرحلة الثانية من عملية الإطلاق، حتى وصول مسبار الأمل إلى مداره الصحيح حول كوكب المريخ، ومحمولاً على الجزء الثالث من صاروخ الإطلاق.

البيانات الضخمة عن كوكب المريخ
 سيقوم مسبار الأمل بجمع بيانات ضخمة عن كوكب المريخ، وإيداعها في مركز للبيانات العلمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر عدد من محطات استقبال أرضية منتشرة حول العالم، وسيقوم الفريق العلمي للمشروع في الإمارات بفهرسة هذه البيانات وتحليلها، ليتم مشاركتها بشكل مفتوح ومجاني مع المجتمع العلمي في سبيل خدمة المعرفة الإنسانية.  ويحمل مسبار الأمل ثلاثة أجهزة هي: كاميرا الاستكشاف Emirates Exploration Imager [EXI]: وهي كاميرا رقمية تلتقط صوراً للمريخ بدقة عالية، وتقوم بقياس الجليد والأوزون في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي، باستخدام حزم الأشعة فوق البنفسجية، والمقياس الطيفي بالأشعة تحت الحمراء EMIRS، ويستخدم لقياس التوزع العام للغبار وسحب الجليد وبخار الماء في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي المريخي، وتم تحسين هذا الجهاز لالتقاط العوامل الديناميكية المتكاملة في الطبقة السفلى الوسطى من الغلاف الجوي فوق نصف الكرة المريخية، بالإضافة إلى المقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية EMUS، الذي يقوم بقياس الأوكسجين وأول أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وتنوع الهيدروجين والأوكسجين في الطبقة العليا من الغلاف الجوي للكوكب الأحمر.
وسوف تساعد البيانات المجمعة على إيجاد إجابات لأسئلة محورية حول مناخ كوكب المريخ، وفقدان غاز الهيدروجين والأوكسجين في الفضاء خلال عام مريخي واحد.
 يشار إلى أن «مسبار الأمل» يترجم رؤية دولة الإمارات الساعية إلى بناء برنامج فضائي إماراتي، يعكس التزام الدولة بتعزيز أطر التعاون والشراكة الدولية، بهدف إيجاد حلول للتحديات العالمية، بما يعود بالنفع على البشرية.
ويحمل «مسبار الأمل»، وهو أول مشروع عربي لاستكشاف الكواكب الأخرى، رسالة أمل لكل شعوب المنطقة لإحياء التاريخ الزاخر بالإنجازات العربية في العلوم، ويجسد طموح دولة الإمارات، وسعي قيادتها المستمر إلى تحدي المستحيل وتخطيه، وترسيخ هذا التوجه قيمة راسخة في هوية الدولة وثقافة أبنائها، كما يعد مساهمة إماراتية في بناء مستقبل واعد للإنسانية.

سنة مريخية
سيظل المسبار في مدار المريخ سنة مريخية، وهو ما يعادل 687 يوماً، حيث سيقوم بمهمة علمية هي الأولى من نوعها في العالم، من خلال توفير أول صورة شاملة عن الظروف المناخية على كوكب المريخ على مدار العام، إلى جانب بحث أسباب تلاشي الطبقة العليا للغلاف الجوي للمريخ، واستقصاء العلاقة بين طبقات الغلاف الجوي الدنيا والعليا على كوكب المريخ، ومراقبة الظواهر الجوية على سطح المريخ، من بينها رصد العواصف الغبارية، وتغيرات درجات الحرارة، والكشف عن الأسباب الكامنة وراء تآكل سطح المريخ، والبحث عن أي علاقات تربط بين الطقس الحالي والظروف المناخية قديماً للكوكب الأحمر. وسيتم إيداع البيانات العلمية التي يجمعها مسبار الأمل في مركز للبيانات العلمية في دولة الإمارات، بحيث يقوم الفريق العلمي الإماراتي بفهرسة هذه البيانات وتحليلها، ومشاركتها مجاناً مع العلماء والباحثين المختصين في مختلف أنحاء العالم.

ثروة علمية 
بالإضافة إلى الإنجازات النوعية المرحلية لفريق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل»، والتي تضمنت خلال الأشهر الأخيرة نقل المسبار بنجاح في رحلة استغرقت 83 ساعة براً وجواً وبحراً من مركز محمد بن راشد للفضاء، إلى محطة الإطلاق في جزيرة تانيغاشيما باليابان، ثم تجهيزه بكفاءة عالية للإطلاق، تتضمن إنجازات الفريق العلمي الإماراتي ضمن المسبار، تطوير 200 تصميم تكنولوجي علمي جديد، وتصنيع 66 قطعة من مكوناته في الإمارات، إلى جانب نشر 51 بحثاً علمياً متخصصاً وورقة عمل، إضافة إلى استفادة 60 ألف مشارك من البرامج العلمية والتعليمية، للتعريف بمهمة مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ.
 وبحسب الجدول المحدد ضمن مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ، ستستغرق رحلة المسبار إلى الكوكب الأحمر سبعة أشهر، يقطع خلالها 493 مليون كيلومتر، ويتوقع أن يصل «مسبار الأمل» إلى مدار الكوكب الأحمر في فبراير من العام 2021، وسيظل المسبار في مدار المريخ سنة مريخية كاملة، ما يعادل 687 يوماً، وسيجمع المسبار بيانات مهمة، تشكل ثروة علمية غير مسبوقة، بحيث يوفر أول صورة شاملة وكاملة عن الظروف المناخية على كوكب المريخ على مدار العام، وكيفية تغير الجو خلال فترات اليوم وبين فصول السنة، كما ستتم مراقبة الظواهر الجوية على سطح المريخ، وتغيرات درجات الحرارة، وتنوّع أنماط المناخ تبعاً لتضاريسه المتنوعة، كما سيتم الكشف عن الأسباب الكامنة وراء تآكل سطح المريخ.

رحلة المسبار
 تستغرق رحلة مسبار الأمل إلى المريخ سبعة أشهر، بحيث يتوقع أن يبلغ مدار الكوكب الأحمر في فبراير 2021، بالتزامن مع مرور خمسين عاماً على قيام اتحاد دولة الإمارات. وقد تمت عملية إطلاق مسبار الأمل بعد تأجيل مرتين، بسبب عدم استقرار الأحوال الجوية في اليابان، ليتم اختيار فجر اليوم 20 يوليو موعداً مثالياً للمضي قدماً في العملية، وذلك قبل إغلاق نافذة الإغلاق المتاحة حتى 3 أغسطس 2020. ويشكل انفصال المسبار عن الصاروخ خطوة نوعية مهمة، ضمن جهود فريق عمل كبير يضم أكثر من 200 مهندس ومهندسة من الكوادر الإماراتية المؤهلة، وخلال الشهور الثلاثة الأخيرة، توزع فريق المسبار الذي يمثل وكالة الإمارات للفضاء ومركز محمد بن راشد للفضاء، بين مركز الإطلاق باليابان، ومحطة التحكم الأرضية بالخوانيج في دبي، حيث استطاع الفريق أن ينجز كافة الاختبارات النهائية والمتابعات العلمية ذات الصلة بالمسبار في الوقت المحدد، مع تسارع العمل على المشروع في الشهور الأخيرة، للتغلب على التحديات الفنية واللوجستية، التي فرضها وباء فيروس كورونا المستجد/‏‏كوفيد - 19/‏‏ في العالم.