ناصر الجابري (أبوظبي) 

تمثل الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2030، الإطار العام لصناعة الفضاء في الإمارات والأنشطة التي سيتم العمل عليها، كما تعد خريطة طريق نحو تحقيق برنامج الإمارات الفضائي لمستهدفاته الاستراتيجية في الاستدامة وترسيخ مكانة الدولة في القطاع، عبر مواصلة الأنشطة والبرامج التي تعزز من وجود الدولة وحضورها الدولي في مختلف مكونات البرنامج الفضائي. 
وتسعى دولة الإمارات لتكون من بين أفضل البلدان على مستوى العالم، وكجزء من هذه الرحلة الطموحة، تعمل الدولة على الانتقال بشكل متسارع نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة يركز على الابتكار، ويبرز هذا الالتزام في الاستراتيجية الوطنية للابتكار التي تتبناها الدولة، حيث يلعب قطاع الفضاء فيه دوراً مهماً، باعتباره أحد القطاعات السبعة ذات الأولوية، حيث تزود الاستراتيجية الأطراف المعنية بالتوجيهات اللازمة لدفع مسيرة دولة الإمارات من أجل تحقيق أهدافها الطموحة المحددة في وثيقة الاستراتيجية الوطنية للابتكار.

وتترجم الاستراتيجية المبادئ والطموحات في السياسة الوطنية للفضاء إلى مجموعة من البرامج والمبادرات الوطنية التي ستنفذ من قبل المعنيين في قطاع الفضاء بحلول عام 2030، حيث ستعمل الوكالة وبالتعاون مع الجهات المعنية والشركاء لتحقيق ذلك من خلال 18 برنامجاً و71 مبادرة يتم قياسها من خلال مؤشرات أداء قطاعية واستراتيجية، حيث يأتي الغرض من هذه الاستراتيجية في تحقيق الغايات والطموحات الوطنية في صناعة الفضاء التي رسمتها السياسة الوطنية للفضاء، مع ضمان الالتزام بالمبادئ التي نصت عليها السياسة. 
وتعنى الاستراتيجية بصناعة وأنشطة الفضاء لدولة الإمارات، ويشمل ذلك الأنشطة الفضائية الحكومية والأنشطة التجارية والأنشطة العلمية التي تقوم بتنفيذها الجهات العاملة في القطاع العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث والتطوير، كما تعنى الاستراتيجية كذلك بالأنشطة الفضائية الدولية أو لدول أخرى، والتي تشارك وتساهم فيها الجهات العاملة في الدولة. 
ويستهدف قطاع الفضاء الوطني خلال الـ10 سنوات المقبلة، تحقيق 6 أهداف استراتيجية، تشمل تقديم خدمات فضائية منافسة ورائدة عالمياً، وتطوير القدرات المحلية المتقدمة في البحث والتطوير والتصنيع لتكنولوجيا الفضاء، وإطلاق مهمات فضائية علمية واستكشافية ملهمة، وبناء ثقافة وخبرة وطنية عالية في مجال الفضاء، وتعزيز الشراكات والاستثمارات المحلية والعالمية الفاعلة في صناعة الفضاء، إضافة إلى ضمان بنية تشريعية وتحتية داعمة تواكب مختلف التطورات المستقبلية للقطاع.

6 توجهات عالمية
وحددت الاستراتيجية 6 توجهات عالمية رئيسية في قطاع الفضاء حالياً، حيث يشمل التوجه الأول زيادة اللاعبين في القطاع، حيث توجد حالياً 72 وكالة ومركزاً فضائياً في العالم، إضافة إلى 14 دولة حول العالم مستكشفة للفضاء، و59 دولة لديها أقمار اصطناعية، مع وجود الإقبال الملحوظ للحكومات والدول النامية والقطاع الخاص والقطاع التعليمي، للاهتمام بالقطاع واستخداماته والمردود الإيجابي من الفضاء، بينما يشمل التوجه الثاني نمو اقتصاد الفضاء إلى 350 مليار دولار، بمعدل نمو يصل إلى نحو 10%، وزيادة الإنفاق والمستثمرين، وظهور شركات جديدة ورواد أعمال. كما يشمل التوجه الثالث التعاون الدولي عبر تحالفات إقليمية نشطة في آسيا وأوروبا، وبدء التعاون الأفريقي، وانطلاق التعاون العربي عبر المجموعة العربية للتعاون الفضائي، ووجود شراكات أكبر في الاستكشاف وفرص للتعاون والشراكات وتبادل المعلومات وسياسة البيانات المفتوحة.

النقل والخدمات اللوجستية 
ويشمل التوجه العالمي الرابع الطفرة في استخدامات الفضاء أمنياً وعسكرياً لأغراض التنمية المستدامة والملاحة والنقل والخدمات اللوجستية والبحوث والعلوم، بينما يشمل التوجه الخامس وجود التقنيات الأكبر كفاءة مع النشاطات الجديدة، عبر مركبات إطلاق يعاد استخدامها وأقمار صغيرة، ونظم ملاحة واستشعار عالية، والقدرات المتطورة في تحليل البيانات وتخزين الطاقة المتقدمة، إضافة إلى انطلاق الرحلات دون المدارية، واستخراج الموارد الفضائية، ودخول مفهوم السياحة الفضائية. كما يشمل التوجه السادس البيئة الفضائية، حيث تزدحم البيئة حالياً بوجود نحو 1700 قمر اصطناعي نشيط، و20 ألف جسم فضائي وحطام مدرج، إضافة إلى توقع وجود زيادة بتضاعف أعداد الأقمار الاصطناعية خلال السنوات الـ7 المقبلة، خاصة مع زيادة عمليات الإطلاق والحطام الفضائي والمشغلين، والشح في الترددات والمواقع المدارية. 

علوم واستكشافات الفضاء
ووفقاً للاستراتيجية التي تلقت «الاتحاد» نسخة منها، ستعمل دولة الإمارات خلال السنوات الـ10 المقبلة على تعزيز تفوقها وتوسعة أنشطتها في مجال الخدمات الفضائية، والعمل على تعزيز الإنفاق على الحلول والتطبيقات المبتكرة في هذا الشأن، وتشجيع وتوسعة نطاق الاستفادة من هذه الخدمات محلياً وعالمياً، كما ستعمل الدولة على تطوير واستدامة أنشطة طموحة في مجال بحوث وتصنيع الأقمار والتقنيات ذات الصلة، والعمل على تنسيق البرامج والجهود الوطنية في هذا الشأن، وتنمية قدراتها الوطنية في هذا المجال، إضافة إلى العمل على تطوير واستدامة أنشطة طموحة في مجال علوم واستكشافات الفضاء بما في ذلك الرحلات المأهولة، وزيادة مساهمتها في المجتمع العلمي الفضائي، وتعزيز خططها وكفاءاتها وإمكاناتها وشراكاتها في هذا المجال. 

متطلبات سوق العمل 
وسيستهدف برنامج الفضاء الوطني، عمل دولة الإمارات على تعزيز فاعلية وتنوع أنشطتها للتوعية حول صناعة الفضاء في دولة الإمارات وحول مجال الفضاء عموماً وتغطية الشرائح المختلفة من الجمهور، وتسليط الضوء على إنجازات الدولة والعرب والمسلمين والعالم في هذا المجال العلمي والملهم، كما ستسعى إلى تنسيق الجهود بما يحقق الكفاءة والتنوع والتكامل في برامج التوعية، إضافة إلى مواصلة تطوير كفاءاتها الوطنية في مختلف المجالات ذات الصلة بالفضاء، وتعزيز تنسيق الجهود الوطنية ووضع برنامج متكامل يتلاءم مع الاحتياجات والطموحات والأولويات الوطنية ومتطلبات سوق العمل بالقطاع، ووضع نهج للتطوير المستمر والتحفيز للكفاءات الوطنية.
وتشمل الأهداف الاستراتيجية تعزيز الشراكات، حيث ستعمل الدولة على تعزيز فرص التعاون والشراكات في مجال الفضاء على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي، كما سيكون هناك تقييم لمدى فاعلية هذا التعاون وهذه الشراكات، وكذلك بالنسبة لعضوية الدولة في المنظمات الدولية ومشاركتها فيها، وستستمر الدولة في استضافة فعاليات فضائية عالمية بارزة. كما ستسعى الدولة لتعزيز فرص الاستثمار والتمويل للمشاريع والمؤسسات الفضائية الواعدة، وسيتم تطوير سياسات وآليات تجذب الاستثمار الأجنبي والشركات العالمية وتشجع المشاريع الناشئة وريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وسيتم تعزيز دور الإعلام واستضافة الفعاليات لزيادة التعرف على فرص الاستثمار في الفضاء، لتسهيل التقريب بين أصحاب المشاريع والمستثمرين.

ضمان البنية التشريعية
وتتضمن الأهداف الاستراتيجية ضمان البنية التشريعية، حيث ستعمل دولة الإمارات على تطوير بيئة تنظيمية جاذبة للأنشطة الفضائية المختلفة، تمتاز بالشفافية والاستشراف للمستقبل والتوازن بين متطلبات الأمن والسلامة والبيئة من ناحية، والمتطلبات الاقتصادية والتجارية والابتكار من ناحية أخرى، كما سيتم تعزيز الجهود على الصعيد الدولي في صنع القرارات وتعزيز التوافق بين الأنظمة المحلية العالمية، كما ستواصل الدولة تطوير قدراتها وأنظمتها في إدارة الترددات والمدارات المستخدمة من قبل الأنشطة الفضائية، وتعزز من جهودها في استخدام ترددات جديدة وتقنيات حديثة بما يحقق السلامة والكفاءة. 
وستعمل الدولة على استثمار دورها الريادي وتنسيقها الفاعل على الصعيد الإقليمي والدولي في هذا الشأن، إضافة إلى تعزيز فرص الاستفادة من مرافق أنشطتها الفضائية، لاسيما في مجال البحث والتطوير والتصنيع والاختبار، وذلك من خلال تشجيع مشاركتها محلياً وإقليمياً وعالمياً بما هو مناسب، وسيتم تطوير آلية لتأكيد تطبيق معايير تعزز من سلامة وأمن مرافق الدولة الفضائية، كما ستتم متابعة احتياجات القطاع من الخدمات الأخرى الداعمة وتنسيق توفيرها بما هو ممكن.
وتتضمن الاستراتيجية برنامج ريادة المؤسسات الفضائية الوطنية وتوسع الاستفادة من تطبيقاتها وخدماتها عبر عدد من المبادرات تتضمن تحديد التغيرات العالمية في سوق الفضاء والفرص القصيرة وطويلة الأمد للمؤسسات الوطنية الرائدة، والترويج للتقنيات والخدمات الفضائية محلياً وعالمياً، وتطوير وإبراز مساهمة الخدمات والتطبيقات الفضائية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إضافة إلى تطوير وتعزيز استخدام تقنيات وتطبيقات الأقمار في إدارة الكوارث والأزمات.

4 مبادرات لتطوير خدمات فضائية جديدة
وحددت الاستراتيجية 4 مبادرات ضمن برنامج تطوير خدمات فضائية جديدة ذات قيمة مضافة، تشمل تطوير النظم والقدرات لتعزيز الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، وتطوير التطبيقات الفضائية المتكاملة والتكامل مع التطبيقات الأرضية، وتطوير وتقديم خدمات التأمين الفضائي، وتسهيل وتقديم خدمات السياحة الفضائية والتدريبات الفضائية، إضافة إلى 5 مبادرات لتعزيز قدرات وأنشطة البحث والتطوير، منها تطوير خريطة الطريق والأولويات الوطنية الخاصة بالعلوم والتقنية والابتكار في مجال الفضاء، وإطلاق مشاريع بحثية في المجالات ذات الأولوية الوطنية، وتقييم قدرات وإمكانيات البحث والتطوير وتحديد أولويات فرص التحسين، ووضع برنامج تعزيز كفاءات العاملين في مراكز البحث والتطوير واستقطاب العقول، وتطوير إمكانيات مراكز ومرافق البحث والتطوير الفضائي، بما في ذلك مرافق تخزين البيانات.

مخرجات التعليم
وخصصت الاستراتيجية، مبادرات تهدف إلى بناء الثقافة والخبرات الإماراتية العالية في مجال الفضاء، والتي سيتم تطبيقها بهدف نشر المعرفة بالأنشطة والإنجازات الفضائية، وترسيخ الشعور بالفخر الوطني، وتحقيق التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات قطاع الفضاء، بما يؤدي إلى رفع نسبة الوعي بقطاع الفضاء، وما يشمله من أهمية خاصة في الوصول للابتكارات والأفكار، التي من شأنها إيجاد الحلول للتحديات الأرضية.
وسيتم العمل ضمن الاستراتيجية على تطوير برنامج إعلامي للتعريف بإنجازات الدولة وبمجال الفضاء بشكل عام، يتضمن إبراز مكانة الدولة التي وصلت إليها خلال فترة زمنية وجيزة، وتسليط الضوء على حجم الاستثمار الفضائي، والخطط المستقبلية التي تعمل عليها الجهات المنفذة في القطاع، والفرص المتاحة للابتكار والتطوير والبحث في المجال الفضائي، بما يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الاستخدامات الفضائية وأهمية القطاع على المصادر العلمية والمعرفية.

منح دراسية في الفضاء
ووفقاً للاستراتيجية تتضمن المبادرات تطوير برنامج للمنح الدراسية في مجال الفضاء، وتطوير المناهج التعليمية في مجال الفضاء للتعليم العام؛ بهدف ترسيخ ثقافة الابتكار لدى الطلبة، وإتاحة الفرصة أمامهم لاكتشاف مواهبهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، حيث يعتبر تشجيع الطلبة على دخول القطاعات العلمية من الأهداف الاستراتيجية للقطاع، الأمر الذي يتماشى مع الجهود لتحقيق رؤية الإمارات 2021 في تطوير الكفاءات المواطنة التي ستقود مرحلة التحول للاقتصاد المعرفي، بالإضافة إلى بناء جيل المستقبل من المهارات الإماراتية، القادرة على قيادة القطاع الفضائي والقطاعات التكنولوجية المصاحبة.
وتشمل المبادرات أيضاً توفير مناهج وبرامج تعليمية محلية لطلبة الجامعات حول التقنيات الفضائية، وإنشاء منصات تفاعلية للتعليم في مجال الفضاء والقطاع الفضائي الوطني، لتضاف إلى الجهود الهادفة لتطوير كفاءات ومهارات الكوادر الوطنية من طلاب الجامعات، دعماً لهم نحو المشاركة المكثفة في شتى البرامج الفضائية، عبر إيجاد بيئة جاذبة تمكن الطلاب من الممارسة العملية للنظريات التي يتم تعلمها، من خلال المساقات الدراسية والمواد العلمية في عدد من التخصصات ذات العلاقة بالفضاء وما يرتبط به من علوم.