دينا جوني (دبي)  

اتفق عدد من الأكاديميين على أن الترشيد في الاستهلاك أصبح ثقافة الأمر الواقع التي تنتهجها الأسر اليوم نظراً للأوضاع الاقتصادية التي سبّبها انتشار فيروس كورونا، والتغييرات التي أحدثها في الوظائف، والتي ستزداد تدريجياً في الفترة المقبلة، في حين اعتبر البعض أن إدخال ثقافة الترشيد في المناهج لا يعدو كونه كلاماً نظرياً ولا يقارن بالممارسة العملية التي يعيشها الطلبة اليوم في ظل ممارسات الترشيد التي تتبعها الأسر في حياتها اليومية، إلا أن البعض الآخر اعتبر أن ممارسات الترشيد في المدرسة والمنزل ضرورية ولا يجب أن ترتبط بالمقدرة الشرائية للأفراد. 
وأكدت وزارة التربية والتعليم أن ثقافة ترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف، تغطيها مناهج المدرسة الإماراتية بشكل عميق وواسع، لافتة إلى أن تلك الثقافة تطال مختلف مرافق الحياة ولا تنحصر فقط في الغذاء. 

نهج ومضمون
وشرح الدكتور حمد اليحيائي الوكيل المساعد لقطاع المناهج والتقييم لـ«الاتحاد» أن وزارة التربية والتعليم تعتمد الترشيد في المضمون والشكل أيضاً، وهو نهج مطبق في عملياتها، تعتمد الوزارة في طباعة كتب المدرسة الإماراتية على ورق صديق للبيئة الذي يزن أقل بكثير من الورق العادي، الأمر الذي يجعله يستهلك قدراً أقل من الطاقة والشجر.
ولفت إلى أن سبع مواد دراسية في مناهج المدرسة الإماراتية تتناول ثقافة الترشيد في الاستهلاك والابتعاد عن الإسراف. فمن خلال مادة العلوم في الحلقة الأولى، يتعلّم الطلبة أسس ترشيد المياه والطاقة وتأثير ذلك على حياتنا اليومية، فيما تركز مادة الأحياء على هدر الغذاء ومدى استنزافه لموارد الأرض والطبيعة. أما سياسات الادخار والصرف فتتناولها مادة إدارة الأعمال، فيما تتناول مادة التربية الإسلامية سبل التوعية بمساوئ الإسراف والبذخ التي تعدّ أبعد ما تكون عن حياة وصفات المؤمن. وكذلك الأمر بالنسبة للتربية الأخلاقية التي تتناول «الترشيد» من باب التوازن في تصرفات الفرد ومسؤولياته تجاه نفسه ومجتمعه. أما مادة الدراسات الاجتماعية فتتناول من خلال المؤلفات التي يقرأها الطالب خلال الفصول الدراسية الثلاثة مواضيع الأمن الغذائي والطاقة.

واجب وطني
بدوره، شرح الدكتور عبد اللطيف الشامسي مدير مجمع كليات التقنية العليا أن نبذ الإسراف وترشيد الإنفاق هو واجب وطني، وهي ثقافة ستُخلق مع الوقت لأن الأسر متأثرة اليوم بالوضع الاقتصادي الذي تراجع إثر انتشار فيروس كورونا، بسبب تقليل الوظائف أو البدلات في الكثير من المؤسسات. وقال إن الخوف من الغد سيدفع تلقائياً الشباب والأسر بشكل عام إلى التخفيف من الاستهلاك. ولفت إلى أن التغيير في أنماط الصرف لدى الأسر لن يكون مؤقتاً، وذلك بسبب التقلّص في الوظائف الذي سيظهر بعد أزمة «كورونا»، والذي سيؤدي إلى تغيير ثقافة الأفراد تجاه الاستهلاك بالممارسة وليس بالتلقين والدراسة.
وأكد أن هاجس الأثر الاقتصادي العالمي سينعكس بشكل كبير على أسلوب حياة الأسر، من خلال تبني طرق في الترشيد والتوفير لم يفكروا بها من قبل. ولفت إلى أن «هنا تقع مسؤولية أولياء الأمور في ترشيد الإنفاق والوعي بالمتغيرات الاقتصادية والعالمية ونقل ذلك إلى الأولاد». 
وقال إن الكلام النظري سواء كان صادراً من المعلم أو من الأهل للأبناء، غالباً لا ينفع إذا كان دخل الأسرة مريحاً وتعيش حياة ميسورة، نظراً لتأثر الأبناء بمحيطهم الاجتماعي ورغبتهم بالحصول على كل ما يرغبون به بسبب «ضغط الأقران» الذي يلعب دوراً معاكساً للترشيد. 

ثقافة الترشيد
وشدّد الدكتور عيسى البستكي رئيس جامعة دبي على أهمية ثقافة الترشيد في المناهج الدراسية بدءاً من السنوات الأولى للدراسة، والمقصود بها الترشيد في جميع نواحي استهلاك الموارد الطبيعية وموارد الطاقة المحدودة في العالم، بالإضافة إلى الترشيد المالي والغذائي. وقال إن الطالب منذ صغره عليه أن يتعلّم أهمية الترشيد في حياته اليومية وكيفية تحويل ذلك إلى ممارسة يومية لا تحتاج منه إلى تحضير أو تخطيط، بما يصبّ في صالحه بالدرجة الأولى ومجتمعه والكوكب.
ولفت إلى أن ثقافة الترشيد تساعد الطفل في أن يكون مسؤولاً، وأن يتعاطف مع الآخرين عبر القضاء على الأنانية والتفكير في صالح المجتمع، الذي لا شك سيستفيد من كل فرد يساهم في التخفيف من استهلاك موارده. 
وقال إن جامعة دبي من خلال عدد من المواد التي تدرّس في السنة الأولى، فإنها تغطي الترشيد من الناحية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية من خلال مواضيع الطاقة الخضراء والاقتصاد الأخضر. كما تركز الجامعة على ثقافة الترشيد من خلال الأنشطة الكثيرة التي تنظمها الجامعة واستقطاب المحاضرين في مجالات مختلفة للتوعية في مجالات الترشيد الغذائي على سبيل المثال والتي تنعكس على الجانب الصحي للطلبة. ولفت أن اتحاد الطلبة في الجامعة يقوم بالعديد من النشاطات البيئية والاجتماعية التي تصب في مجال الترشيد والحفاظ على البيئة. 

الاستخدام الأمثل
ورأى الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن مدير جامعة الوصل بدبي، أن ترشيد الاستهلاك يعني الاستخدام الأمثل للموارد والأموال والاعتدال في إنفاقها بما يحقق منفعة للأفراد والمجتمع، والترشيد لا يعني منع استخدام تلك الموارد بل استخدامها بطرائق تضمن استدامتها. 
ولتحقيق ذلك لا بد من التفاعل الإيجابي مع توجيهات القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، ودعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالابتعاد عن سلوكيات الإسراف والتبذير من أجل ترسيخ الاستدامة لحفظ النعمة، وعلى كل فرد في المجتمع أن يتحمل المسؤولية ويضطلع بدور إيجابي للمساهمة بفعالية في مساعي الدولة التي تستهدف الحفاظ على الموارد واستدامتها للأجيال القادمة. والتجاوب مع المبادرات التي تطلقها مؤسسات الدولة ومن بينها «جائزة الترشيد» والتي أطلقتها هيئة كهرباء ومياه دبي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وهيئة المعرفة والتنمية البشرية، لنشر ثقافة الترشيد بين كافة شرائح المجتمع.
وأضاف أنه لتحقيق الترشيد الأمثل لأنماط الاستهلاك، لا بد من تعديل الأنماط السلوكية والعادات الاستهلاكية لأفراد المجتمع، لتعديل اتجاهاتهم نحو الاستهلاك الأمثل للموارد.
وأشار إلى الدور الهام الذي يجب أن تضطلع به المدارس والجامعات في نشر ثقافة الترشيد في الاستهلاك، من خلال تطوير ودعم المناهج التربوية لغرس ثقافة الترشيد منذ الصغر في المدارس، وتشجيع الجامعات لتناول الترشيد في الاستهلاك بالمزيد من البحث والدراسة بمختلف جوانبه النظرية والتطبيقية، لإيجاد حلول ابتكارية تهدف إلى استدامة تلك الموارد للأجيال القادمة، ولوسائل الإعلام دور هام في نشر ثقافة الترشيد في استهلاك مختلف الموارد من كهرباء ومياه وغذاء وغيرها للحفاظ عليها، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بتكاتف وتعاون جميع أفراد المجتمع بمختلف فئاته ومؤسساته. 

تربية منزلية
اعتبر الدكتور يحيى كامل أستاذ الإدارة في جامعة دبي، أن التربية المنزلية قبل انتشار فيروس كوفيد-19 كانت تتجه عكس ثقافة ترشيد الاستهلاك، وكانت المحال التجارية ومراكز التسوق تستفيد  من تلك الثقافة وتحاول تعزيزها قدر الإمكان بمختلف وسائل الجذب والترغيب لمضاعفة أرباحها.  ولفت إلى أن صناعة الإعلام والإعلانات ساهمت في «غسيل مخ» المجتمعات ودفعهم لمزيد من الاستهلاك في الملابس والغذاء والطاقة، وإيهامهم بأن حياتهم ستكون أكثر سعادة كلما زادت نسبة استهلاكهم وامتلاكهم للمنتجات.  وأشار إلى أن كل تلك السياسات سقطت مع انتشار فيروس كورونا بعد تغير الاقتصاد العالمي الذي دفع الأفراد إلى التفكير بطريقة مغايرة عن السابق. 
وقال إن الجامعات والمدارس يمكنها زرع الفكرة من خلال المناهج والأنشطة، إلا أن الترشيد عمل فردي ينعكس على المجتمع المحيط. وقال إن الترشيد في بلدان إسكندنافيا على سبيل المثال مزروع منذ الصغر عند الأطفال، والقيام بالعمليات الشرائية المحدودة لا يتعلق بالقدرة الشرائية لديهم وإنما بالترشيد في استهلاك الغذاء والموارد والملابس وغيرها. وقال إنه من المهم تعليم الأطفال كيف يكونون عناصر فاعلة في المجتمع، وأن يستوعبوا كيف أن زيادة الاستهلاك تؤدي إلى زيادة الطلب على المأكل والملبس والمشرب، وبالتالي فإن تغطية الطلب سيؤدي إلى إيذاء البيئة واستهلاك مواردها الطبيعية. 
وأكد الدكتور كامل أن الفترة الحالية هي الفترة المثالية لزرع هذا الفكر في عقول الشباب، لأنهم أكثر وعياً وتقبلاً للحدّ من الاستهلاك، بسبب الخوف الذي دفعهم إلى التفكير في المستقبل القريب وفي كيفية ادخار الموارد لتخطي الأزمة التي يمرّ بها العالم.