إبراهيم سليم (أبوظبي)

تحث كل الأديان السماوية على الترشيد في الاستهلاك، والاقتصاد والاعتدال في سائر الأمور، مؤكدة أن الوسطية هي الأفضل في جميع الأحوال، وخصوصاً في الأزمات، وحذر عدد من العلماء ورجال الدين من خطورة تفشي الإسراف في المجتمعات، الأمر الذي قد يؤثر على احتياجات الآخرين، فترشيد استهلاك الغذاء يخدم الفرد والدولة، خاصة في الوقت الراهن، وما يشهده العالم ودولة الإمارات من ظروف استثنائية في ظلّ جائحة فيروس «كورونا المستجد»، ومحاولة دعم جهود الدولة الساعية من خلال الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، لخفض معدل هدر الغذاء في الإمارات إلى 15% بحلول عام 2021، ووضع الأطر التنظيمية للحد من هدر الموارد والثروات.
وطالب العلماء ورجال الدين بضرورة غرس ثقافة ترشيد الاستهلاك في نفوس أبناء المجتمع، وإمكانية توحيد الجهود لابتكار حلول فعّالة لخفض كميات الطعام التي يتم هدرها سنوياً. وقال الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف: «إن الأديان جميعاً تؤكد دور الترشيد كقيمة إنسانية مهمة، ونحن نعيش في هذا الظرف الاستثنائي الذي يعيشه العالم، وهو يواجه تحديات أزمة اقتصادية خانقة نتيجة جائحة كورونا المستجد «كوفيد- 19»، وأن تأكيد القيادة الرشيدة ضرورة ترشيد الاستهلاك، وتأكيدها تعزيز ثقافة الاستهلاك المنضبط والواعي، وتجنب المبالغة في سلوكيات الشراء الصحيحة، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، من خلال البيت والمدارس، ووسائل الإعلام ومنابر التوجيه بشكل عام».

تحقيق الاستدامة
وأضاف الدكتور محمد مطر الكعبي: «إن كل ذلك يأتي منسجماً مع ما دعت إليه الرسالات السماوية التي بعث الله بها الأنبياء والمرسلين، حيث أكدت رسالات السماء أن الله تعالى خلق الإنسان، وسخر له الكائنات، وكلفه بأن يعمر ولا يدمّر، ويبني ولا يهدم، ويزرع ولا يقطع».
وأكد رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أن المطلوب من الإنسان أياً كانت ديانته السماوية أن يحقق الاستدامة وهي «القدرة على حفظ نوعية الحياة التي نعيشها على المدى الطويل، والاستخدام المسؤول للموارد الطبيعية» لضمان استدامتها لينعم الجميع بعيش كريم وحياة هانئة وسعيدة، وانطلاقاً من ذلك يجب على الإنسان أن يحرص على المحافظة على النعم بالترشيد وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وقد حث ديننا الحنيف على الشكر العملي للنعمة عبر الترشيد في استخدام الماء مثلاً عند الوضوء حتى ولو كان الإنسان على نهر جار. وبين الكعبي أن من الشكر العملي لله تعالى على نعمة الماء ترشيد استهلاكه، ويكفي أن نعلم بأن تكاليف الإنتاج السنوي لتحلية المياه في الدولة بلغت نحو 11.8 مليار درهم، بمعدل 7.16 درهم للمتر المكعب الواحد، ويوجد 266 محطة تحلية في مختلف أنحاء الإمارات، ويبلغ استهلاك الفرد من المياه في الإمارات ما يقارب 600 لتر في اليوم الواحد!. فنحمد الله تعالى أننا في دولة توفر لكل من يعيش على ترابها، مواطنين ومقيمين وزائرين غذاءهم ودواءهم.

عدم الإسراف والتبذير
من جانبه، أكد القس يوسف فرج الله، قسيس الكنيسة الإنجيلية، عمق المقاصد والحكمة في أسلوب التعامل مع الأزمة التي نعيشها بسبب «كورونا» حالياً، والتي تتطلب التدبر والتفكر وعدم الإسراف والتبذير، في ظل التداعيات التي جاءت بعد التغييرات الكثيرة التي حدثت في العالم أجمع، ونحن ـ المسيحيين - نؤمن بأننا مسؤولون أمام الله عمَّا أعطانا الله من نعم وبركات لكي نشارك فيها المحتاجين من حولنا، ولا نبذر بجهالة. وأضاف: هذه الاحتياجات كلها تزاد لكم، فهذه نعمة من الله سبحانه، فهو يعد أن يقدم لنا احتياجاتنا كلها، والكتاب المقدس يقول: إننا ينبغي أن نهتم بالآخرين ونغطي احتياجاتهم كجزء من عبادتنا لله».

أشياء مشتركة
وقال القس يوسف فرج الله: في بداية الكنيسة في القرن الأول يصف القديس لوقا حياة المؤمنين معاً بقوله: «جميع الذين آمنوا كانوا معاً، وكان عندهم كل شيء مشتركاً والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع ليكون لكل واحد تغطية احتياجاته». وأضاف: يشجع القديس بوليس المؤمنين في مدينة «كيلينسوس» في اليونان أن يقدموا عطايا للمؤمنين في فلسطين الذين كانوا يمرون بأزمة طاحنة بسبب نقص هائل في الطعام، وطلب أن يقدموها بكل سخاء، وقال: «نحتاج في كل قراراتنا المالية أن نكون أولاً نحس بمن حولنا وباحتياجاتهم، ونغطي هذه الاحتياجات بقدر ما نستطيع عالمين أن هذه وصايا الله من ناحية الآخرين، وأيضاً ألا نكون مسرفين، وأن نتصرف بطريقة غير حكيمة، ونفقد ما عندنا، وأيضاً نحرم الآخرين مما يحتاجون». وذكر القس يوسف فرج الله، أن هذا هو الرد الطبيعي السهل، مضيفاً: وهذا ما نعمله نحن في مجتمعنا المسيحي، نحن نهتم بالآخرين، ونحن في فترة الأزمة التي يعيشها العالم الآن نجمع الأغذية والاحتياجات المختلفة لمن فقدوا وظائفهم، ومن لم يستطيعوا الاهتمام باحتياجاتهم المالية، ونذهب كدار عبادة في العين لكي نساعد الآخرين الموجودين من حولنا مسيحيين وغير مسيحيين، لأن العمل ينبغي أن يغطي كل المجتمع الذي نحن جزء منه، والذي نحن نحبه ونعيش لكي نكون أيضاً قادرين على المساهمة في تغطية كل الاحتياجات التي يحتاجها بقدر استطاعتنا. وتابع: علمنا أيضاً، ونتعلم أيضاً خصوصاً من كل النشرات والتوجيهات التي تقدمها الدولة لنا نشاركها مع شعبنا في العبادة أن يتعلموا كيف يكونوا حساسين لاحتياجات الآخرين، وألا يكون هناك جشع، ولا يكون هناك تصرف خاطئ في ماليتنا، بل نستطيع أن نساعد في احتياجات المجتمع، ونكون قادرين على أن نكون مسؤولين أمام الله سبحانه فيما أعطانا من نعم حتى نتصرف فيها بحكمة، والله يكون معكم.

سيف الجابري: الوعي بالمحافظة على النعمة
قال سيف الجابري أستاذ الثقافة والمجتمع بالجامعة الكندية- دبي: «جميع الأديان حثت على الترشيد وعدم التبذير، ونهى الله في كتابه عن الإسراف والتبذير في محكم تنزيله، ولا ينبغي للمسلم أن يخالف توجيهات الشرع، لأن في الإسراف والتبذير مضار على الشخص ذاته وعلى المجتمع، ولذا عندما دعت قيادتنا الرشيدة أبناءها المواطنين والمقيمين على أرض الإمارات إلى تجنب التبذير وجدت هذه الدعوة قبولاً كبيراً بين أفراد المجتمع قاطبة، حيث تحظى بحب شعبها، ولذلك تنفذ توجيهاتُها الرشيدة دون تكلّف وتؤخذ هذه التوجيهات على محمل الجد».
وأضاف: «لقد كان لحديث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أثر كبير في المجتمع الإماراتي من مواطنين ومقيمين في مسألة عدم الإسراف، وأنه ليس من قيمنا الدينية وعاداتنا الاجتماعية، وهذا الأثر يعود لقوة التلقي من حاكم مطاعٍ بحب الاتباع وقناعة شعب بأن ما يصدر من القيادة الرشيدة يؤخذ بالعزيمة ويقبل دون تردد لأنه يصب في مصلحة الجميع مما كان له بليغ الأثر في وقت اعتاد الناس فيه على الإسراف في سبل العيش المتفرقه، لذلك كانت لكلمة سموه مكانة كبيرة من القبول، وكان الناس في حاجة إلى هذه التوجيهات، واتخاذها بقبول حب التنفيذ، لما لها من مصلحة خاصة وعامة، ما ساهم في وعي المجتمع ونشر فضيلة المحافظة على النعمة بمختلف ألوانها وأشكالها».

رشاد سالم: الإسراف سلوك منبوذ
قال فضيلة الأستاذ الدكتور رشاد سالم، مدير الجامعة القاسمية بالشارقة: «حذر الله من التبذير، ووصف المبذرين بإخوان الشياطين، ونحن والعالم عايشنا ظروفاً صعبة، ومن غير المنطقي، ألا ننتبه لمن حولنا، ونسرف في الموارد الموجودة، وعلينا أن نحرص جميعاً على التآزر والتعاضد، ولنا في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة، إذ نهانا عن الإسراف، حتى في الوضوء، ولو كنت أخي المسلم على نهر جار، والإسلام دين الوسطية والاعتدال، فلا يطغى جانب على جانب».
وأكد أن الإسلام دين الأخلاق، «ونحن خارجون من شهر رمضان، وبتعاوننا جميعاً تنطلق سفينة الحياة، والكل يخدم الكل، ويحافظ بعضنا على بعض، بعيداً عن الأنانية والتبذير، وحب الذات، وأن نؤثر بعضنا بعضاً، أفلا نحب أن نكون من المفلحين تحت راية القرآن الكريم، والذي نتلوه صباحاً ومساء، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، هذه شيم المؤمن، فالأنانية شيء يبغضه الإسلام، الدين الذي يدعو إلى الإيثار، وأن نتعاون فيما بيننا، وأن يحب بعضنا بعضاً، لا أن ينكب الإنسان على شهواته وملذاته فحسب دون مراعاة لحقوق الآخرين».
وقال فضيلته: «إن قيادتنا الحكيمة، حفظها الله، لطالما دعتنا إلى أن يسود بيننا الإيثار، وأن يكون الجميع في خدمة الجميع، وأن الإمارات ضربت المثل في ذلك، ففي الداخل رعت الجميع دون تفرقة، والدنيا كلها تعرف أنها انطلقت إلى الخارج تمد يد العون والمساعدة، ومن باب أولى أن يحذو المجتمع حذو قادته، فيأخذ ما يكفيه من مؤن، ويترك لأخيه في الدين أو الإنسانية حقه.. بلا إسراف ولا تبذير، وأن يحافظ بعضنا على بعض».