إبراهيم سليم (أبوظبي)

أكد الدكتور أحمد الصاوي مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر، وعضو بيت العائلة المصري، أن العالم يعيش في هذه الفترة أزمة حقيقية منذ ظهور جائحة كورونا، لا نستثني من ذلك دولة دون أخرى وبشكل مباشر ودون تفريق، ولذا، فإن العالم انتبه لهذه المبادرة العالمية «الصلاة من أجل الإنسانية» التي انطلقت من دولة الإمارات لتعبر الدول وتنتشر في الكرة الأرضية.
وأوضح أن ذلك يعزز دور دولة الإمارات، كدولة صاحبة مبادرات رائدة في تعزيز الأخوة والسلام والتعايش مثل وثيقة الأخوة الإنسانية، والآن يطلق منها مبادرة الصلاة من أجل الإنسانية، كما رسخت دولة الإمارات العربية المتحدة عبر الكثير من الأحداث والفعاليات التي شهدتها، عملية تحوّل التسامح من قيمة مجتمعية إلى عمل مؤسسي مستدام يسير وفق آليات واستراتيجيات واضحة المعالم، ومن هذه الفعاليات: إنشاء مجلس حكماء المسلمين، تشكيل وثيقة الأخوة الإنسانية عام 2019، مشروع بيت العائلة الإبراهيمية، إنشاء منتدى تعزيز السلم، إنشاء وزارة للتسامح، استضافة مؤتمر حول «مفهوم التسامح في سياق النظم التشريعية والقضائية»، إطلاق دار زايد للثقافة الإسلامية في أبوظبي، كما أطلقت حملة «الإمارات إلى أطفال ونساء الروهينجا»، واليوم «الصلاة من أجل الإنسانية».

  • «بيت العائلة المصري»: الإمارات رائدة الأخوة الإنسانية
    أحمد الصاوي

وقال أحمد الصاوي: لا أخفي تقديري للقيادة الإماراتية الحكيمة وللشعب الإماراتي، الذي سخر جهده لتبني قيم العدالة والأخوة والمساواة، ولحمل شعلة النور إلى العالم من جديد، واستلهام معانٍ إسلامية أصيلة وراسخة ليبعث وثيقة المدينة باسم وثيقة الأخوة الإنسانية، وينفخ فيها الروح من جديد على أسس عصرية، فالدعوة جاءت لتفعيل دور وثيقة الأخوة الإنسانية، التي احتضنت فعاليتها أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، استمراراً لمساعيها، ومبادراتها في إرساء قيم العدل والتعايش والتسامح ومد جسورها بين البشر على مختلف أعراقهم وأديانهم. وها هي ذي تطلق مبادرة «الصلاة من أجل الإنسانية» من دولة الإمارات العربية المتحدة، متوجة مساعيها ومتمة ما بدأته من ترسيخ قيم العدل والمساواة والتسامح، لتلقى الدعوة صدى واسعاً، وتشهد تفاعلاً عالمياً من القادة والزعماء ورجال الدين والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والمشاهير، معربين عن دعمهم ومشاركتهم في الدعاء من أجل خلاص الإنسانية من جائحة كورونا.

توحيد المشاعر
وتابع الصاوي: الفيروس أصاب العالم أجمع بنوع من الخوف والقلق والارتباك، كان لهذا الهلع العالمي نوع من توحيد المشاعر، فما يحدث في أميركا له صدى في الصومال، وما يحدث في كندا له صدى في الصين.
وأوضح فضيلته، أن ذلك أدى إلى خلق نوع من إحساس وتعاطف عالمي غير مسبوق يؤكد أن مصير الإنسانية واحد، ويؤكد حقيقة أن العالم قرية صغيرة، وهذا هو معنى «العولمة» بمعناها الحرفي والحقيقي، وفي ظل هذه الأزمة وقف الإنسان عاجزاً، ينتظر كلمة السماء بعد أن فرغت كلمة الأرض، وهذا يؤكد قيمة الإيمان وصحة الاعتقاد في قوة كبرى تسيّر هذا العالم، وتدبر أمره، وهذا الإيمان يفتح طاقة عظمى للتفاؤل. وقال: «ومن هنا تأتي أهمية الصلاة واللجوء إلى الخالق جل وعلا في التأكيد على قيمة الإيمان، الذي يحمل هذه المرة معاني كثيرة أكثر من مجرد اعتقاد، فمن هذه المعاني: وحدة المخلوقين أمام الخالق وتساويهم، وحاجتهم إليه، وفى الوقت الذي يستمطرون به الرحمات بالدعاء والضراعة جميعاً من ربهم، يشعر كل منهم بنفس الذي يشعر به أخوه في الإنسانية، إنها تجربة عميقة، وليست مجرد دعوة نظرية، ولأجل هذا فتح الله لعبادة باب الضراعة واللجوء إليه وقت الاضطرار، كما أن التضرع شريعة الأنبياء جميعاً، كما ورد في القرآن الكريم، فما الذي يمنعنا إذا مسنا الضر، أن نصُفَّ أقدامنا ونرفع إلى الله أيدي الضراعة، فالله عز وجل رحيم قادر، يحب عباده ويحب هدايتهم، ولا ينزل بهم البلاء إلا ليزدادوا منه قرباً، ويستغفروا إذا رأى الله من عبده شروداً وإعراضاً وانشغالاً عنه أمرضه ليكون بجانبه، ويسكن عنده ويكون في معيته، في الحديث (أما أنك لو زرته – يعنى زرت المريض- لوجدتني عنده)، ولعل الله رأى من العالم شروداً وإعراضاً وظلماً، فأراد أن يأتي به إليه ليكون عنده وفى معيته، حباً فيه ورحمة به.

التضامن والتعاون
وقال عضو بيت العائلة المصري: لا شك أن الحالة التي يعيشها العالم الآن خلقت نوعاً من التعاون الإنساني والعالمي لرفع هذا البلاء والضر، ولأجل هذا كانت مبادرتنا نوعاً من استلهام الظرف الذي نعيش فيه، تجاوباً له ودعوة إليه وتأكيداً عليه، وليس هناك أنسب من هذا الظرف، الذي يمر به العالم الآن من تأكيد قيمة التعاون والتضامن الإنساني. فالبشرية اليوم أحوج إلى التضامن الإنساني من أي وقت مضى، لاستعادة الحياة بعد كورونا بشكل طبيعي، وبصورة أفضل، وبقيم مختلفة عما بعد كورونا، وكل هذا يصب في تحقيق أهداف وثيقة الأخوة الإنسانية.
وأضاف: الصلاة التي ندعو إليها الآن تحمل معاني كثيرة أكثر من مجرد كونها طقوساً يومية معتادة، من تلك المعاني: وحدة المخلوقين أمام الخالق وتساويهم وحاجتهم إليه، في الوقت الذي يستمطرون به الرحمات بالدعاء والضراعة جميعاً من ربهم، فيشعر كل منهم بنفس الذي يشعر به أخوه في الإنسانية على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، إنها تجربة إنسانية عميقة، وليست مجرد دعوى نظرية.
ومن معاني الصلاة المرابطة، فكما أن الأطباء مرابطون في مستشفياتهم وعندهم جاهزية العمل المستمر، فالصلاة رباط في استدرار الرحمات من الخالق والوقوف على بابه، وطرق هذا الباب بالطريقة التي علمنا الله، وهي سنة الأنبياء، ومن معانيها أيضاً في هذا اليوم «يوم الصلاة من أجل الإنسانية» الاعتراف ضمناً بالآخر وبدينه، كما يمكن أن نجعل من يوم «الصلاة من أجل الإنسانية» نقطة التقاء وانطلاق وبداية لعالم جديد مشرق يقيم العدالة والرحمة والإسلام والأخوة، عالم خالٍ من العنف والكراهية والعنصرية والإرهاب.

تعزيز التسامح
وأضاف الصاوي: لا تخطئ عين البصير أن عالم ما قبل كورونا كان منشغلاً بخططه وتدابيره وتسيير أعماله، لكن للأسف كانت بعض هذه الأعمال غير إنسانية، وتحولت المنافسة بين بعض الدول إلى نوع من الصراع، وتأجيج الأيديولوجيات، وتحقيق المصالح، وشن الحروب على حساب قيم عليا وعظمى أهم وأكبر، ولكن بعد كورونا راح كل فريق يضع خططه جانباً، وتخلى عن ممارساته في حلبة الصراع، وأدرك كل فريق أنه جزء من العالم، يصيبه شرار هذا الصراع مهما كانت قوته.

عالم جديد
قال الدكتور أحمد الصاوي، عضو بيت العائلة المصري: «لا شك أن العالم الآن في حالة خَلوة وتأمل وتفكر واعتبار، مما حدا بنا أن نتقدم بهذه المبادرة، كنوع من تأكيد التسامح في مقابل الصراع (وطرق الحديد وهو ساخن)، من أجل تعميق وتعزيز معاني التسامح والأخوة بين البشر جميعاً، فليس هناك أنسب من هذا الظرف لاستعادة منظومة القيم الدينية الأصيلة، لتحل محل الانقسامات والصراعات والأيدلوجيات الهدامة والإرهاب.
وأضاف : ولقد تعلم العالم كثيراً من هذه النازلة، فبرغم قصرها الزمني، فإنها أحدثت هزة نفسية عنيفة للإنسانية، وتبين من خلالها أن العالم كله برغم اتساع أقطاره وتباعد البلدان، فهو جسد واحد، ومصيره واحد، وهو الآن أسرع ما يكون إلى تقبل الحق والخير مما مضى، فقد ترسخ في ذهن كل إنسان أن البشرية أحوج ما تكون إلى بعضها في وقت الأزمات، فالمساعدات تأتي من بلد منكوب إلى بلد آخر، وقد يكون شفاء إنسان على يد أخ له طبيب من جنسية أو ديانة أخرى، يختلف عنه في اللون والعرق والديانة والجنسية، والذي سخر كل مجهوده وخاطر بحياته من أجل إنسان آخر أخ له في الإنسانية، مما يعزز معنى التسامح، ويرفع من قيمة احترام الآخر، ويحد من معاني العنصرية، ويؤكد تحديد المصير. وختم الصاوي لـ«الاتحاد»: استثمار الحدث سيكون بالتأكيد على هذه القيم الأصيلة والمشتركة، ألا وهي: وحدة المصير الإنساني ووجوده المشترك على هذا الكوكب، واحترام الآخر (أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك)، والتعاون المشترك، وحرية الاعتقاد، والإعلاء من قيمة الإنسان لمجرد كونه إنساناً، والخروج بهذه القيم من القوميات العنصرية لتكون عابرة للعالم أجمع. ولا شك أن نشر هذه القيم يقلص من حظ الانغلاق الفكري والعقدي، والإيمان بها يجتث شجرة العنف من جذورها، وهي كما ترى قيم إسلامية عظيمة، تؤكد الروح العالمية للرسالة المحمدية.

استشعار الخطر
وحول دور اللجنة العليا «للأخوة الإنسانية» قال الصاوي: لم يكن مجرد الإعلان عن المبادرة، بل كانت بمثابة «ترمومتر» حساس وعين ساهرة على مراقبة الوضع المأساوي الذي وصل إليه العالم من جراء أزمة كورونا، واستشعار المأزق وأخذه في الاعتبار، ودراسة المناخ العام للعالم، ومعرفة الحاجة الحقيقية للإنسان في عالم اليوم، الذي يموج بالتوترات والقلق والصراعات.