أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف أهمية أن نجعل من هذا اليوم ذكرى محفورة في تاريخ البشرية، نستعيدها كل عام، لننطلقَ منها نحو عالم تسوده المودة وتعلو فيه ثقافة الاختلاف والتنوع، وتختفي فيه نزعات العُنصرية والتعصُّب وكراهية الآخر، وتصنيف الناس في طبقات متفاوتة على أساسٍ من اللَّون والعقائد والأجناس والفقر والغنى.
جاء ذلك في كلمة فضيلته بمناسبة مبادرة لجنة الأخوة الإنسانية، من أجل الدعاء والصلاة لخلاص الإنسانية من جائحة كورونا.
وفيما يلي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
إخوتَنا في الإنسانيةِ في كُلِّ مكان! أُحيِّيكم بتحيَّةِ الإسلامِ، السَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.
ويسعدني أن أتوجَّه إليكُم في هذا اليومِ التاريخيِّ بحديثِ «الأخوَّة الإنسانيَّة» والقرابة البشريَّة، والأمل في رحمة الله -عزَّ وجلَّ- في وقتٍ عصيب يئن فيه العالم أجمع تحت أزمة عاتية وجائحة قاسية أناخت بساحتِه لأوَّلِ مرَّةٍ في تاريخِنا الحديثِ..
وهذه الدعوةُ المخلصةُ التي تطلقها لجنة الأخوَّة الإنسانيَّة -اليوم- هي دعوةٌ صادقة مخلصة للتوجه لمن بيده ملكوتُ كلِّ شيء، والتضرُّع إليه، بالصَّلاةِ والدُّعاءِ والإنابةِ إليه واللجوء إلى حولِه وقوَّتِه، من أجلِ أن يعجل كشفَ هذه الغمة عن عبادِه، وأن يعافيهم من عواقبِها وتداعياتها، وأن يَشفي المرضى ويرحم الموتى بفضله ومَنِّه ورحمته.
وإننا إذ ندعو العالم -اليوم- للتوجه إلى العلي القدير، والتقرب إليه بالعبادة والدعاء، فإننا -في الوقت نفسه- نستحث في البشرية جمعاء هذه الواشجة الجامعة واللُّحمة المشتركة بين أبنائها، ألا وهي لُحمة الأخوة الإنسانية، من أجل استعادة اكتشاف قيم العدل والسلام والتعايش والمساواة بين البشر جميعًا..
وكل ذلك في احترام بالغ لخصوصيات العقائد والأديان والشعائر، ومع الإيمان التام بأهمية العلم وتقدير جهود الباحثين والعلماء، والثناء العاطر على كفاحهم في مواصلة البحث عن علاج ناجع لإنقاذ البشرية من هذا الوباء.
أيُّهَا الإخوَة في مشارِق الأرضِ ومغاربها! علينا أن نجعل من هذا اليوم ذكرى محفورة في تاريخ البشرية نستعيدها كل عام، لننطلقَ منها نحو عالم تسوده المودة وتعلو فيه ثقافة الاختلاف والتنوع، وتختفي فيه نزعات العُنصرية والتعصُّب وكراهية الآخر، وتصنيف الناس في طبقات متفاوتة على أساسٍ من اللَّون والعقائد والأجناس والفقر والغنى.
ليكُنْ هذا التاريخُ الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح على طريقٍ جديدٍ مملوءٍ بالحبِّ والاحتِرام، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان في مشهدٍ تتَحوَّلُ فيه المحنةُ إلى منحةٍ -بإذن الله- ويحل التكافل والتعاون محل القطيعة والعدوان، ليكن تاريخًا شاهدًا على عزمنا وتصميمنا على وقف الحروب وسفك الدماء، ليكن تاريخًا نحتفل فيه بزوال آلامِ اللاجئينَ والمُهجَّرينَ وضحايا النزاعاتِ، والمظلومين والمُغتصبة بلادُهم وأراضيهم وأوطانهم ومُقدَّراتهم، ليكن الرابع عشر من مايو تاريخا لعالم جديد تعلو فيه صناعة السلام على صناعة السلاح، ويُبرهِنُ على قُدرتنا على خلق بيئةٍ مُشتركةٍ نعيشُ فيها جميعًا إخوةً مُتحابِّين.
وإني باسمِ الأزهر، بل باسمِ كلِّ أخ وأخت لي في الإنسانية، أشكرُ كلَّ فردٍ من أفرادِ الطواقمِ الطبيَّةِ، وكل عالِمٍ وعالِمةٍ، وباحث وباحثة عن علاج يدفع عنا غائلة هذا الوباء، وأشكر كلَّ صاحبِ مبادرةٍ، أو مشروعٍ إنسانيٍّ، فردًا كان أو مُؤسَّسةً، يكافح في هذه المعركة وأدعو الله أن يُوفِّقَهم وأن يَجعَلَهُم ذُخرًا للإنسانيَّة جمعاء.
آن الأوانُ -أيها الإخوة والأخوات- لأن نُقبِلَ على الله -عزَّ وجلَّ- بإخلاصِ النَّوايا وصِدْقِ المقاصِد، وليَرَى الله مِنَّا نوايا صادقة، وقُلوبًا صافيةً نقيَّةً مُقبِلةً عليه فإنه: «لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ»: اللَّهُمَّ إنَّا نسألك العفوَ والعافية والمعافاة الدائمة في الدِّين والدُّنيا والآخِرة.
وصلِّ اللَّهُمَّ وسَلِّم وبارك على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصَحْبِه وسَلِّم تسليمًا كثيرًا.
والحمد لله ربِّ العالمين.
أحْمَد الطَّيِّب شَيْخُ الأَزْهَر