دبي (الاتحاد)

أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، «رعاه الله»، يعمل دائماً على تحويل التحديات إلى فرص، وهذا ما نشهده من خلال انطلاقة جلساتنا في هذه الأيام المباركة.
وقال سموه: «إن ما يشهده عالمنا في ظل مواجهته لتفشي جائحة كورونا يُعد أزمة لم يسبق لها مثيل، تدل بوضوح على أهمية السياسة الخارجية السليمة ونتائجها المصيرية، في ظل هذه الظروف الإنسانية الصعبة، إلا أن السياسة الداخلية والخارجية صارتا بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى، إلى المزيد من التركيز على مجال أصبحنا نعتمد عليه كثيراً في هذا العصر، ألا وهو العِلْم».
وأضاف سموه: «اليوم ننظر إلى كيف يعمل العلماء والمهندسون في العالم بأسره جاهدين من أجل توفير أجهزة التنفس الاصطناعي ومعدات الحماية والفحص، ولحسن الحظ والتدبير، تتوافر بكثرة في بلدنا الغالي.
وتابع سموه «اليوم ننتظر بفارغ الصبر إيجاد لقاح يقي الناس شرّ فيروس كورونا، من أجل إعادة الحياة إلى طبيعتها في كل مكان. وفي ظل هذه الحرب الضَّروس ضد الفيروس، يتجلى أبطالنا الحقيقيون.. العلماء والمهندسون، الذين يعملون بتفانٍ وإخلاص على حماية الصحة العامة، ويعالجون المرضى، ويوفرون لنا أدوات وأجهزة الحماية والفحص الحيوية التي نحن في حاجة لها، لكي نستمر في الحياة. ولهذا، فإن على هذه المجالات العلمية أن تُشكّل أولوية كُبرى في سياساتنا الوطنية، بأجندة وأهداف واضحة.. علينا أن نحشد مواردنا ونُوجِّه سياساتنا الخارجية أيضاً لتحقيق هذه الغاية».
وأكد سموه أن استقطاب أفضل وأذكى العقول العلمية إلى بلدنا والحصول على التكنولوجيا والمعرفة اللازمة لتجهيز قطاعاتنا العلمية، وتوفير أفضل بيئة ممكنة في العالم لتحقيق هذه الغاية، يشكل أهمية قصوى بالنسبة لنا في سعينا لتحقيق أهداف حكومة الإمارات ليس من خلال توفير أفضل المعايير الصحية لشعبنا فحسب، بل لضمان أن يعيش شعبنا أيضاً برخاء وازدهار. 
وأضاف سموه «في الوقت الذي نسعى فيه لتوفير المستوى الصحي الأفضل، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار دائماً إمكانية ظهور أوبئة جديدة مرةً أخرى في ظل تزايد عدد سكان العالم، كما لا يمكننا أيضاً أن نتجاهل احتمال بروز تحديات بيئية أخرى محتملة، ما يستلزم أن نكون مستعدين لمواجهة هذه التحديات المختلفة، بتكثيف استثماراتنا في بيئة علمية متعددة التخصصات». 
وقال سموه، «لا يمكن لشعب أو دولة العيش بمعزل عن الآخرين، ولقد اتضح هذا جلياً في ظل أزمة كورونا الحالية التي أظهرت بوضوح أهمية تعزيز التعاون والشراكات بين الدول، وضرورة مواصلة التنسيق في مجالات العلوم والبحوث بين مختلف المؤسسات والحكومات حول العالم. وخير دليل على ذلك هي الجهود المبذولة لتطوير لقاح من خلال تشكيل تحالفات متعددة الجنسيات، لا تقل في أهميتها عن التحالفات العسكرية أو الأمنية».

تصدعات في المنظومة الدولية
وأضاف سموه «لقد ظهرت فجوات جيوسياسية جديدة في ظل هذه الأزمة وهذه الفجوات بدأت تبرز في السنوات الأخيرة، ولكن وجود أزمة أظهرها بشكل أكبر للعالم حيث نشأت انقسامات وتوترات بين البلدان حول الدواء والغذاء، وهو سيناريو لم يكن بالإمكان تصوره في بداية هذا العام بهذه الحدة، ولو أن هناك مؤشرات واضحة أن هناك تصدعات في المنظومة الدولية وهو ما يدفعنا أن نكون طرفاً مركزياً فاعلاً ليس لمحاولة رَأْبِ هذه الشقوق فحسب، بل أيضاً لتهيئة الظروف المناسبة داخل بلدنا لمساعدة البلدان الأخرى على تجنب بلوغ هذا المستوى من اليأس والإحباط».
وأضاف: «سأظل أتذكر طوال مسيرتي المهنية أصدقاء وشركاء دولة الإمارات الذين توافدوا بشكل كبير لمساعدتنا في هذا الوقت العصيب، حيث قدموا لنا في أحلك المواقف وأصعبها مختلف أنواع الدعم من مواردهم الحيوية التي كانت نتاج سنوات عديدة من الاستثمار في المعرفة والتطوير والكوادر البشرية، التي قدمت تضحيات كبيرة فردية وجماعية وسنسعى جاهدين إلى تعزيز هذه العلاقات مع هؤلاء الشركاء خلال السنوات القادمة، والتي تقوم أصلاً على هدف تحقيق التقدم المشترك وإقامة العلاقات على أسس متينة وصلبة». 
وأكد سموه «بالإضافة إلى ذلك، لن نُقدّم علاقتنا مع الدول على حساب العلم، فالعلم ليس له حدود وعلينا أن ندرك هذه الحقيقة ونتصرف دائماً وفقًا لذلك، وفي سعينا للبحث عن حلول لمختلف التحديات لن نتردد في مواجهة المعتقدات المبنية على افتراضات دوغمائجية أو أيديولوجية التي يستخدمها البعض، من دون أن يعلموا بأنهم بذلك يُرسّخون الجهل، ويُعمّقون المشكلة.

أهل العلم والحكمة
وقال سموه «لقد تعلّمنا أن حوارنا وتعاوننا مع شركائنا العالميين يجب أن يرتكز على مجالات حيوية مثل الصحة والأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي وغيرها، ولذلك سيكون لزاماً على دبلوماسيينا العمل مع أهل العلم والحكمة، سواء كانوا أطباء أو علماء أو مهندسين أو فنيين. وسيكون لزاماً عليهم التحدث بلغة أهل الاختصاص لغة العلم، ما ستكون له انعكاسات جوهرية على قطاعات بأسرها كنظامنا التعليمي، وحتى في داخل القطاعات نفسها التي يجب أن يكون تركيزها على المستقبل، بكل ما تحمل هذه الكلمة من مبادئ وأفكار وخطط ومبادرات».

تصدير التكنولوجيا
وأشار سموه إلى أن المستقبل سيكون بانتظار الدول التي ستسخّر قوتها وقدرتها العلمية على تصدير التكنولوجيا، التي تعد الصحة إحدى أهم عناصرها، لتُسهم في الارتقاء بسكّانها وتقديم العون والخدمات الطبية لمختلف دول العالم.
وقال سموه «أتطلع إلى يوم تتجه فيه الأبحاث والتكنولوجيا والمنتجات الإماراتية إلى لعب دور أكبر وأكثر فاعلية في الدفاع وتأمين أراضينا الغالية، ولن نحقق ذلك ما لم نتخذ موقفًا حازمًا وموحدًا للاستثمار في تطوير ودعم العلم والعلماء في بلادنا».
وأكد سموه «لأننا دار زايد الخير، ينبغي أن نكون في وضع لا يقتصر فيه دورنا على تقديم المساعدات الصحية للدول المحتاجة فقط بل علينا أن نسعى لتصبح هذه الأرض الطيبة مشاركاً فاعلاً في تأمين مستقبل العالم، وتقديم حلول للرعاية الصحية العامة للبشرية جمعاء».
وأضاف سموه «من أجل هذه الغاية سأضع فريقي الذي افتخر فيه في وزارة الخارجية والتعاون الدولي على أهبة الاستعداد ليكونوا جزءًا من الجهود المكثفة لاستكشاف فرص جديدة لتحقيق الأهداف العلمية لبلدنا الغالي التي أرساها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله». 
وقال سموه «ليس هناك أدنى شك من أن شعبنا سيكون العنصر الحاسم في هذه الجهود، وعندما أقول شعبنا فإنني أعني تماماً ما أشار إليه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حين قال: «إن أهلنا في الإمارات يشملون المواطنين والمقيمين الذين يعيشون على هذه الأرض».
وأكد سموه: «ستمضي هذه الأزمة كغيرها من الأزمات التي انتصرت فيها البشرية عبر التاريخ، إلا أن العالم بعدها لن يكون كما كان، فالمتغيرات القادمة كبيرة وعميقة، وقد لا تبدو معالمها واضحة إلا أن العالم بات يعرف جيداً أننا بالعلم والكوادر البشرية المؤهلة والقيادة الرشيدة نستطيع أن نرتقي».