إبراهيم سليم (أبوظبي) 

تفاعل علماء دين إسلامي وقساوسة مع الدعوة العالمية التي انطلقت من الدولة، من خلال اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، للصلاة والدعاء يوم 14 مايو الجاري من أجل رفع وباء كورونا المستجد عن الإنسانية، وأكد العلماء أن البشرية في حاجة ماسة إلى العودة إلى الله، والتضرع إليه لرفع هذا البلاء عن البشرية، ولنا في الأقوام السابقة عبر وعظات كقوم يونس رفع الله عنهم البلاء والعذاب بدعائهم، والرجوع إليه سبحانه وتعالى، وأن هذه الدعوة باللجوء إلى الله ليأذن برفع البلاء وإنزال الدواء، إذ بالدعاء والإنابة يرفع سبحانه البلاء، ونسأله بأن يوفق العلماء في إيجاد الدواء. وأكد العلماء أن هذه الدعوة تجد صداها في العالم، إذ إن الوباء حل بالعالم كله، دون استثناء، فوجب على العباد كافة أن يتوجهوا إلى رب السماء والأرض ومصرِّف الأمور ومغير الأحوال أن يرفع هذا الوباء، ويذهب هذا البأس عن الناس، فلا دافع للضر غير رب الناس سبحانه وتعالى، وعلى العباد التوبة إلى الله والإحسان إلى العباد، وإعادة الأمور إلى نصابها حتى يجد الله في القلوب الرحمة والتوبة والتسامح فيما بينها، وأن يكون قوم يونس عليه السلام مثلاً في رفع الوباء والبلاء على الناس كما رفعه الله عن قوم يونس عليه السلام ونجى نبيهم ذا النون.

وأفوض أمري إلى الله
أكد فضيلة الشيخ محمود منصور، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر: اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلي عباده ويمحصهم، ويختبر إيمانهم، ليحققوا العبودية لله تعالى، ويفوضوا أمرهم لله، ويعلموا أن ما أصابهم إنما هو بقدر الله، ومن رحمة الله بعباده أن ينزل بهم البلايا، كفارةً لذنوبهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»، (أخرجه الترمذي).
وعن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما يصيب المؤمن من شوكةٍ فما فوقها إلا رفعه اللّه بها درجةً، أو حطّ عنه بها خطيئةً»، (أخرجه مسلم).
وقال فضيلته لا شكّ أن البلاء فرصة لأن يتفكر الإنسان في عيوبه، وأن يجتهد في إصلاحها، وأن يسعى سعياً حثيثاً لمرضاة ربّه. والواجب على المسلم أن يتلقى كل بلاءٍ بنفسٍ راضية بقدر الله، مطمئنةٍ بقضائه، دون اعتراضٍ أو جزع، وأن يتقرب إلى الله تعالى بألوان الطاعات، كالصلاة والصدقة، والدعاء، والتضرع إلى الله - تعالى - ومن ثمّ كانت دعوة اللجنة العليا لتحقيق أهداف وثيقة الأخوة الإنسانية بأن يكون يوم الخميس 14 مايو 2020 يوماً للصلاة والصوم والدعاء من أجل الإنسانية بسبب جائحة الكورونا، خطوةً موفقة في طريق دفع البلاء الذي حلّ بالعالم، لأن الذي قدّر هذا البلاء بحكمته، والذي يقدر على رفعه ودفعه برحمته، هو الله ربّ العالمين، قال تعالى: (إن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، «سورة يونس: الآية 107».
وقد مدح الله - تعالى - نفسه بأنّه هو الذي يجيب دعوة المضطر، قال تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)، «سورة النمل: الآية 62».

نتضامن للصلاة والدعاء
أعرب فضيلة الشيخ إبراهيم الخليل البخاري رئيس جامعة معدن الثقافة الإسلامية بالهند بترحيب مبادرة اللجنة العليا للأخوة الإنسانية وقرارها التاريخي للصلاة والدعاء لأجل الإنسانية يوم الخميس الموافق لـ 14 من مايو الجاري، مضيفاً بأننا نحن مسلمو الهند مع إخواننا من مختلف الطوائف وأصحاب الديانات والمعتقدات في الهند سنشارك في هذه المبادرة التي هي مسؤولية جماعية على جميع البشرية بالصلاة والصوم وفعل الخير والدعاء إلى الله جل وعلا أن يرفع عن الإنسانية بلاء فيروس كورونا وأن يعيد إليها الأمن والاستقرار والصحة والنماء.
وقال فضيلته: إن الوحدة والبعد عن الاختلافات يساعدان على مواجهة التحديات وتجاوز العقبات الناتجة في العالم عن تفشي فيروس كورونا.
وبهذا الصدد نهنئ اللجنة العليا للأخوة الإنسانية على هذا القرار التاريخي في هذه الآونة الحرجة التي ينتشر فيها فيروس كورونا المستجد في العالم بشكل عشوائي لأن الإنسان مهما بلغ من التقدم العلمي، فهو عاجز أمام قدرة الخالق جل وعلا، فعلينا كعباد له أن نتضرع إلى المولى عز وجل بقلب خاشع لأن يرفع هذا البلاء عن جميع البشر في أقرب وقت.
كما ندعو الله عز وجل بصدق وإخلاص أن يدفع عنا هذا الوباء المهدد للإنسانية وأن يرفع عنا شره وسمومه وعن جميع بني الإنسان في العالم بلطفه ورحمته، وأن يرفع عنا البلاء والوباء والزلازل والمحن.

نعمة الإمارات
ومن جانبه، قال القس يوسف فرج الله راعي الكنيسة الإنجيلية في العين، نشكر الله من أجل وجودنا في دولة الإمارات ونشكره على العمل الدؤوب الذي تقوم به القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، والذين يبذلون كل ما يستطيعون لحماية شعب الإمارات والمقيمين على أرضها، الذين نتمتع ببركة خاصة لوجودنا في هذا البلد الكريم الذي هو في الواقع ملجأ حقيقي لمن يحتاج إلى ملجأ.
وأضاف:« من هذا المنطلق نشكر الله أيضاً على توفيقه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فهو يقدم لنا هذه الدعوة التي بدأت مع اللقاء الإنساني الذي تم منذ شهور وكان لي حظ أن أكون جزءاً منها، ودعوة شيخ الجامع الأزهر وبابا الكنيسة الكاثوليكية وبالتأكيد كل رجال الدين والمهتمين لعمل الله في كل مكان.
نحن نؤكد أننا نحتاج إلى هذا التوافق مع بعضنا البعض والتضامن مع بعضنا البعض والصلاة مع بعضنا البعض، نحن نصلي إلى الإله الذي يسمعنا الواحد الذي خلق السماوات والأرض والذي يهتم بعباده، نصلي معهم، ونؤكد أننا سنصلي معهم يوم 14 مايو ونحن نرفع صلواتنا إلى الله سبحانه الذي يسمع لنا ونطلب رحمته الغنية وعفوه العظيم وقدرته المتناهية العظيمة لكي يمد يده بالشفاء للمرضى والتعزية للذين فقدوا أقرباءهم وأسرهم ونصلي حماية للعالم كله، لا يحتاج العالم إلى قدرات بشرية فقط ولا إلى قدرات طبية فقط، بل يحتاج إلى لمسة يد الله العلي القدير لكي يشفي البشرية ويشفي هذه الأرض التي تدنست بأخطائنا، والتي لم نكن حريصين على حمايتها، نحن نتوب عن أخطائنا ونأتي إلى الله سبحانه ونصلي ونقول يا رب تعالى وارحم، يا رب تعالى واشف، يا رب تعالى وساعد، يا رب تعالى وغطِّ الخسائر والاحتياجات، ولتكن يدك علينا بالبركة والنعمة والمعونة والشفاء الذي نطلبه باسمك المبارك، ولك يا سيدنا كل المجد، آمين.

التضرع رجوع إلى الفطرة 
من جانبه أكد الدكتور سيف الجابري أستاذ الثقافة في الجامعة الكندية دبي: العالم بكل طوائفه ومعتقداته بحاجة إلى التسبيح والاستغفار واسترضاء رب العالمين، كما كان ديدن من قبلنا إذا اشتد الكرب ورهبت القلوب واستولى الخوف عليها وباؤوا بغضب الله تعالى (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)، «سورة لقمان: الآية 32».
وقال فضيلته، إن أول طريق العودة إلى الله وبداية المصالحة معه تعالى التضرع له بالدعاء، ولهج القلوب قبل الألسن بحقيقة الاستغفار النابع من الندم، حتى يرحمنا ويعيدنا إلى حضرة قدسه، ويتجلى لنا باسمه الغفور الرحيم ويحجب اسمه المنتقم عن عالمنا، وخاصة في هذه الأيام المباركة في هذا الشهر العظيم الذي يقرب الله فيه من العباد برحمته ولطفه وعنايته، حيث أعقب آيات الصيام بفتح باب الاستجابة والقرب لمن دعاه واستجاب وآمن، فقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، «سورة البقرة: الآية 186».
وأشار إلى أن استعانة ولاة الأمور بالرعية واستشعار سنة التدافع والوقوف صفاً واحداً أمام الله تعالى داعين له ومستغفرين نسأله اللطف والمنة علينا سنة شرعية عظيمة نراها في الاستسقاء والتوسل، كما نراها هنا في طلب دفع البلاء عن العالم وإرضاء رب العالمين واستعادة العافية للبشرية جمعاء الذي وكلنا الله نحن المسلمين لنكون شهداء عليها، وحملة رسالته الخاتمة لها، لنخرجهم ن الظلمات إلى النور، ونذيق حلاوة الإسلام للعالم أجمع حتى يعيش بأمن وأمان وسعادة واطمئنان.
وإن إطلاق الدعوات العالمية من كل منابر الإصلاح، وارتفاع الأصوات بالدعاء، وتضامن العالم المؤمن بوجود إله قادر رحيم عطوف على خلقه ورعاياه، وتذكير الناس بهذا الإله، وحثهم على العودة إليه، هو ترجيح لصوت العقل، ورجوع إلى الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وهداية الناس إلى الطريق المستقيم.

«الكنائس العالمي» يدعو الأعضاء للمشاركة 
 دعا القس الدكتور إيوان سوكا، أمين عام مجلس الكنائس العالمي، جميع الدول الأعضاء في المجلس إلى الانضمام إلى اليوم العالمي للصلاة يوم 14 مايو الجاري. وقال سوكا إن الكثير من شعوبنا تعاني حالة من الخوف والريبة، والصدمة، والعزلة، والانفصال عن الآخرين، وحتى الموت في عائلاتهم، أو بمجتمعاتهم الكنسية، مضيفاً أننا ومع استمرارنا في المعاناة من تلك الأزمة الصحية العالمية، فإن الوحدة العالمية عبر الصلاة ستعكس رغبتنا في الاهتمام والعناية ببعضنا البعض.
يذكر أن اللجنة العليا للأخوة الإنسانية كانت قد أصدرت بياناً دعت فيه القيادات الدينية وجموع الناس حول العالم للصلاة والصيام والدعاء من أجل الإنسانية يوم الخميس 14 مايو 2020، وأعلن قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وعدد كبير من الشخصيات الدينية والسياسية والمجتمعية ترحيبهم ومشاركتهم في هذا الحدث العالمي.