لم يعد خافياً على أحد، ما استقرت إليه منظومة التعلم عن بُعد من نجاح لافت يشار إليه بالبنان، وما تكشفت عنه من تجربة تعليمية رائدة بكل المقاييس، والتي انبثقت، استجابة للظروف الصحية الاستثنائية التي يمر بها وطننا الغالي، والعالم برمته.
وما كان لهذا النجاح أن يكون حليفنا، إلا بتوفيق من الله، ثم برؤيةٍ ثاقبةٍ من وزارة التربية والتعليم وتخطيط وعمل مدروس، ليبقى الطالب في دولة الإمارات مستمراً في مهمته النبيلة، ألا وهي مواصلة سير خطاه الحثيثة نحو التعلم، تحت كل الظروف، ورغم كل التحديات من خلال منظومة تعلم ذكي، بمقومات ومعايير عالمية.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، أتذكر موقفاً يعود بي إلى عام 2016، حيث كنت قد دعيت إلى منتدى «قدوة» الذي عقد في قصر الإمارات في العاصمة الحبيبة أبوظبي، ليناقش مستقبل التعليم في العصر الرقمي، وقد استضاف «قدوة» نخبة من المعلمين والقيادات التربوية المحلية والعالمية، ليتشارك الجميع خبرة التعليم والتجارب الرائدة.
في هذا المحفل، ألقى سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون والدولي، كلمة لا تزال فحواها وعباراتها حاضرة وبقوة في مخيلتي، قال يومها: إنّ التكنولوجيا خارج أسوار المدرسة أصبحت تمضي اليوم على نحو متسارع، وعلى جموع التربويين أن يواكبوا هذا التسارع، وإلا كانت الفجوة بين التعليم وتطورات العصر.
ولا أخفيكم سراً أنني دهشت يومها بما رأيت، وأنا أتجول بين الورش والمختبرات، وأستمع إلى تجارب الدول الأخرى تعليمياً، وأحاور المعلمين من شتى بقاع العالم، وأتعرف إلى تجارب تعليمية رائدة ومتميزة، وكان السؤال الأكبر حينها، هل يمكن أن يصبح الواقع بمقدار مستوى الطموح؟ هل يمكن أن تصبح التكنولوجيا، وأن يصبح التطور الرقمي داعماً أساسياً لعملياتنا التعليمية؟ واليوم لم تعد تلك التساؤلات تفرض ذاتها، فشأني شأن جميع المعلمين، أقف معتزاً ومفتخراً بأنني أحد أفراد مؤسسة تعليمية رائدة أصيلة باحثة دائماً عن الريادة، متميزة الأداء والاستعداد، ولا تقل في خبرتها وإنجازها عن أي نظامٍ تعليمي عالمي متقدم، بل وتتجاوزه في بعض المراحل.
وما نشهده اليوم من نجاح لمنظومة التعلم عن بُعد، هو دليل قاطع على أنه لم يكن وليد اللحظة، أو استجابة لحالة طارئة، وإنما هو نتاج تفكيرٍ عميق، وتخطيط مسبق، وعمل شاق ومضنٍ، ووضوح الهدف الذي نصبو إليه، ورؤية تربوية، مدركة لحجم التحديات ومقدار الطموحات الوطنية.
إن المتتبع للوضع التربوي الراهن الذي نعايشه في دولتنا الغالية، يلمس بعمق جهود وزارة التربية والتعليم، وهي لم تقتصر على تقديم الدروس عبر منصات تعليمية متعددة، بل تعدته إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى مواصلة التدريب في مجتمعات التعلم المهني، وإلى لقاءاتٍ واجتماعاتٍ خاصة بشهر القراءة، مروراً بالتخطيط لتقييم مشاركات الطلبة في مبادرة تحدي القراءة العربي، وانتهاء بما أقوم به وزملائي من تعليم اللغة العربية عن بُعد لزملائنا من غير الناطقين بالعربية.
وأجمل ما نراه اليوم، هو التناغم الكبير بين العاملين في الحقل التعليمي، فالجميع متحدون، تنبض قلوبهم في حب هذا الوطن، ويعملون بهمة واقتدار كل حسب اختصاصاته ومهامه النبيلة، فالمعلم منهمك في تحضير دروسه، والإداري في المتابعة وتقديم التسهيلات، والوزارة في توفير البدائل والتدريب والتنسيق، ليرسم الجميع -كل في موقعه- لوحة زاهية الألوان عنوانها «ملتزمون يا وطن».

 * مدرسة القيم للتعليم الثانوي- دبي