دعم الجهود البحثية العالمية لإيجاد حلول فعالة لتفشي الوباء
تكبدت البشرية خسائر فادحة في الأرواح بسبب تفشي فيروس H1N1 المعروف باسم الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918، والذي أودى حينها بحياة نحو 50 مليون شخص، رغم أن العالم يومها كان معزولاً نسبياً، مقارنة بعالمنا المعاصر، وغير مرتبط ومتصل كما هو حاله اليوم. ولم يكن العلماء حينها مستعدين لمواجهة مثل ذاك التفشي. وبعد عقود قليلة، تمكن العلماء من اكتشاف عاصفة السيتوكين، وهو مصطلح بات شائعاً اليوم بعد تفشي وباء «كوفيد-19»، وكانت تلك السبب القاتل في وباء عام 1918.

وبعد مرور قرن من الزمن، يواجه العالم وباءً جديداً، لكن إمكاناتنا العلمية وقدراتنا التقنية المتطورة اليوم تساعدنا على الاستجابة بشكل أفضل، وتكثيف جهود البحوث والتطوير للحد من الخسائر في الأرواح، نتيجة فيروس «سارس-كوف-2» ومرض «كوفيد-19» الذي يتسبب به هذا الفيروس.

تمثل التقنيات الرقمية عوامل جوهرية في هذه الإمكانات الجديدة. ففي حين يتيح لنا بعضها مزاولة أعمالنا من المنزل والتواصل عن بُعد حفاظاً على تفاعلنا الاجتماعي، فإن بعضها الآخر يمنحنا القدرة على الاستجابة بكفاءة لهذه الأزمة، ويتصدر مشهد هذه التقنيات «الذكاء الاصطناعي» الذي يدعم الجهود البحثية العالمية لإيجاد حلول فعالة لتفشي هذا الوباء.
وبفضل قدرته على التحليل والتعلم عبر طيف واسع وبالغ التعقيد من قواعد البيانات التي يولدها هذا الوباء بوتيرة فائقة السرعة، يمثل الذكاء الاصطناعي محوراً لهذه العمليات البحثية.

وأولى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أهمية كبيرة للدور الذي يمكن أن يقوم به الذكاء الاصطناعي في دعم مسيرة النمو والتقدم في مختلف القطاعات والمجالات التي تخدم الإنسان. وتم استلهام رؤية سموه في تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي التي تتبنى رؤية واضحة تتلخص في استخدام الذكاء الاصطناعي بما يعود بالفائدة على المجتمع. وفي الوقت الراهن، لا يوجد ما هو أكثر أهمية بالنسبة للمجتمع من التصدي لوباء «كوفيد-19».
تتجلى الأمثلة العملية بوضوح وكثرة من حولنا. فهيئة «صحة» الحكومية التي تمتلك وتدير المستشفيات العامة في أبوظبي ولديها 60 عيادة خارجية، و12 مستشفى في أنحاء الإمارة، و14 مركزاً متنقلاً للفحص في الدولة، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة الاستجابة لوباء «كوفيد-19». كما أظهرت نماذج «صحة» للذكاء الاصطناعي أن معدلات الإصابة بالفيروس في أبوظبي من غير المرجح أن تتسارع خلال الأسابيع القليلة المقبلة بسبب الإجراءات الفعالة المعمول بها.
ويسير العمل على قدم وساق حول العالم بسرعة فائقة لإدارة انتشار المرض واكتشاف العلاج وتطوير اللقاح الفعال، ولضمان إحاطة الناس بكافة المستجدات حول الوباء.

الفحص والتتبع والرصد

تحاول جميع الحكومات حول العالم إدارة تفشي الفيروس، واستعادة النشاط الاقتصادي، والعودة للحياة الطبيعية قدر الإمكان، وستعتمد العديد منها على مقاربة «الفحص والتتبع والرصد». وقد تبنت دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية والصين حلول التتبع والرصد المتنقلة منذ بدء تفشي الوباء، وسيتصاعد استخدام مثل هذه الحلول لرفع قيود الإغلاق التام تدريجياً بما يراعي أسس السلامة العامة. وقد التزمت جوجل وأبل بالتعاون مع الحكومات والوكالات الصحية للمساعدة في تطوير منصة مشتركة تقدم تقنية الرصد والتتبع الأساسية. لكن المخاوف من قضايا انتهاك الخصوصية بدأت تلوح في الأفق. واستجابت لهذه المخاوف Trace.ai، وهي شركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأشخاص باستخدام 2000 سمة شخصية، لكنها بالتأكيد لا تلجأ أبداً إلى تقنيات التعرف على الوجه، حفاظاً على خصوصية الأفراد، وتشير إلى أن نسبة الدقة في تقنياتها تصل إلى 98%.

إن الاختبارين الرئيسيين لوباء «كوفيد-19» يتعلقان بوجود المرض نفسه، واختبار الأجسام المضادة لإثبات تعرض الفرد للمرض، حيث يمكن أن يكون جسمه قد طور مناعة ضد الفيروس. ولعل المخاوف السائدة حول كيفية إجراء الاختبارات الحالية، وتوافرها والزمن اللازم لها تقدم حافزاً للبحث في منهجيات جديدة ومبتكرة، إذ بينت التقارير أن المستشفيات التي تستخدم الخوارزميات للفحص بالأشعة المقطعية تتوصل للنتائج بدقة تتجاوز نسبتها 90% لتشخيص وباء «كوفيد-19». وتهدف شركة «أدابتف بيومتركس» التي تتخذ من سياتل مقراً لها، ومايكروسوفت، إلى تأسيس تقنيات عملية لرصد المناعة البشرية وتحليلها، من خلال الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، مع الاكتشافات السباقة في التكنولوجيا الحيوية. ويتمثل هدفهم الطموح في ابتكار اختبار عالمي للدم يتعمق في الجهاز المناعي للتعرف على المؤشرات الجزيئية لمجموعة واسعة من الأمراض بما في ذلك «كوفيد-19».

العلاجات

في المملكة المتحدة، تهدف شركة BenevolentAIإلى استخدامه لتحديد الأدوية الفعالة المحتملة، على غرار «باريسيتينب»، الذي يدخل حالياً مرحلة التجارب السريرية على مرضى «كوفيد-19». وفي بعض الأوقات قد تتمكن مجموعة من الأدوية من استهداف مرض واحد. وتستخدم شركة «هيلكس» منصتها لاختبار مجموعة من الأدوية: نحو 4000 دواء تعادل 8 ملايين زوج وأكثر من 10 مليارات ثلاثية دوائية. ويقود أكاديميون في سنغافورة والصين مشروع Identif.AI، والذي يعمل على تسخير الذكاء الاصطناعي لإيجاد المزيج الدوائي الأمثل والجرعات المناسبة لمكافحة فيروس كورونا. وتختلف النتائج العلاجية على مرض «كوفيد-19»، بدءاً من عدم إظهار أي فاعلية إلى التسبب بنتائج كارثية، وقد يحدث الأسوأ لدى أولئك الذين يعانون من أمراض أو ظروف صحية أخرى. وتم ظهور حالات تلف في الأعضاء لدى بعض المرضى بعد تعرضهم لحالة شديدة من مرض «كوفيد-19». وقد أطلقت الشركة التي أترأسها، «بيرسبيكترم»، دراسة لفهم تأثير هذا المرض بشكل أفضل، باستخدام تحليلات الذكاء الاصطناعي لفحص الأعضاء بالتصوير بالرنين المغناطيسي.

اللقاحات

يتسابق العلماء حول العالم لإيجاد لقاح فعال لمرض «كوفيد-19»، حيث تجاوز عدد البرامج أكثر من 70 برنامجاً في نهاية شهر أبريل، لكن عدداً قليلاً منها فقط يدخل مرحلة التجارب السريرية، بما في ذلك برنامج يقوده زملائي في جامعة «أكسفورد»، والذي بدأ مؤخراً باختبار قابلية تطبيقه على البشر. وباستخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، طورت جامعة «فلندرز» في أستراليا لقاحاً محتملاً لمرض «كوفيد-19»، يمنع ارتفاع البروتين الذي يرتبط بمستقبلات إنزيم محول للأنجيوتنسين 2 في الخلايا البشرية. واستخدمت شركة «إن إي سي» التي تتخذ من اليابان مقراً لها، منصة للتنبؤ بالذكاء الاصطناعي لتصميم مخططات للقاحات فعالة لفيروس «سارس-كوف-2»، وقدمت تحليلاً للنتائج.

ويمتلك الذكاء الاصطناعي دورين رئيسيين يتمثلان في اقتراح مكونات اللقاح من خلال فهم هيكلية البروتين الرئيسية، ومساعدة الباحثين الطبيين على إجراء عشرات آلاف الأبحاث بسرعة فائقة. ومن جانب آخر، أنشأت فرق العمل في «معهد ألن للذكاء الاصطناعي» و«جوجل ديب مايند»، وأماكن أخرى، أدوات للذكاء الاصطناعي ومجموعات مشتركة للبيانات والنتائج البحثية لمشاركتها بحرية مع المجتمع العلمي العالمي.

المعلومات العامة

في 9 مارس، أطلقت مؤسسة «بارتنر هيلث كير» في بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية، مركز اتصال مباشر للإجابة على أي أسئلة ومخاوف حول «كوفيد-19»، والذي تلقى عدداً هائلاً من الاتصالات. وكان الحل حينها إطلاق روبوت محادثة قائم على الذكاء الاصطناعي مع واجهة محادثة سهلة وبسيطة، يُطلع المتصلين على محتوى مستقى مباشرة من مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأميركية ويجيب على تساؤلاتهم. وتم إطلاق نظام مشابه في سياتل وتعامل مع 40 ألف مريض في غضون أسبوع واحد فقط.

من جانب آخر، تبرز إلى الواجهة تحديات تتمحور حول انتشار المعلومات المضللة والخاطئة، وما ينجم عنها من عواقب ضارة على الصحة العامة والتواصل الفعال خلال الأزمات. وأفادت منظمة الصحة العالمية بأن المعلومات المضللة تتفشى بوتيرة أسرع من الفيروس نفسه، واصفة إياها بأنها «وباء المعلومات المضللة». وتستخدم شركات التكنولوجيا الكبرى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لمحاربة الأخبار المزيفة، وتتحسن هذه الأدوات باستمرار.

يواجه العالم اليوم تحديات غير مسبوقة، وسيكون نجاحنا في الاستجابة جميعاً لهذه الأزمة منارة تضيء درب الأجيال لعقود مقبلة. ولحسن الحظ، تتواجد في متناولنا أدوات وتقنيات حديثة للتصدي لتفشي هذا الوباء، وفي حين أن الذكاء الاصطناعي قد لا يقدم لنا جميع الإجابات، إلا أنه يضيف مجموعة أدوات مهمة لمساعدة الأبحاث والعلماء حول العالم، علاوة على الحكومات ومزودي الخدمات الصحية لإنقاذ الأرواح والحد من تأثير وباء القرن الحادي والعشرين هذا.
نحن في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ملتزمون بالتعاون عن كثب مع زملائنا في جميع أنحاء العالم ولعب دورنا في التصدي لهذا الوباء.


بقلم البروفيسور السير مايكل برادي


الرئيس المؤقت لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي

«محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي» تتبنى رؤية واضحة بما يعود بالفائدة على المجتمع


المستشفيات المستخدمة الخوارزميات للفحص بالأشعة المقطعية تتوصل لنتائج بدقة 90%