بسم الله الرحمن الرحيم
خلق الله تعالى آدم بيده (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) وأمر الملائكة بأن يسجدوا له تكريماً، وخصه الله تعالى بالعلم وامتلاك أدواته، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، سورة البقرة -الآية 31.  
 وتكريم الله عز وجل لآدم امتد لأبنائه من بعده، قال الله تعالى:
 (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تفضيلاً)، سورة الإسراء - الآية 70.
 جاء في تفسير القرطبي، رحمه الله:
 «كرمنا تضعيف كرم، أي: جعلنا لهم كرماً أي شرفاً وفضلاً... وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة، وحسن الصورة وركوبهم البحر بإرادتهم وقصدهم وتدبيرهم. وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس».
 وذكر الطبري المفسر عدداً من الأمور التي فُضل بها أبناء آدم، فذكر أن التفضيل قد يكون بالنطق والتمييز. وقيل: كرمهم بتعديل القامة وامتدادها وبحسن الصورة. وبتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل: بالكلام والخط. وقيل: بالفهم والتمييز. 
 ثم قال: «والصحيح الذي يعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله». 
 فحريٌّ بكل مؤمن أن ينظر لكل الناس من حوله بأنهم جميعهم من بني آدم الذين أكرمهم الله تبارك وتعالى، وما كرّمه الله تعالى واجب أن نكرمه، وحق أن نجله ونحترمه، فنسعى لتكريم كل إنسان ومساعدته وكشف الكرب عنه، وذلك من مقتضيات المساواة الإنسانية، فالناس عند الله تعالى سواء. قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم لآدم وآدم من تراب). 
 ‏إن الإنسانية اليوم أحوج ما تكون إلى تذكر أصلها الواحد، واستشعار رابطة الأخوة التي تجمعها، وعدم تذكر ما يفرقها، أو البحث في مخلفات ظروف صعبة مرت بها وكان من أبشع تداعياتها المؤسفة؛ قتل الإنسان لأخيه الإنسان، وإهدار مكتسبات الأوطان، وتدمير العمران.
 فمصاب الإنسانية واحد، وألمهم يشمل الجميع، ولعل ما ينبهنا إلى المشترك الإنساني وضرورة الرجوع إليه في هذه الأيام هذا الوباء الذي انتشر في العالم بسبب فيروس كورونا، فمات بسببه الكثير، وتضرر أفراد وأسر ومدن ودول اقتصادياً وصحياً ونفسياً، فكان لا بد لكل محب للخير أن يسعى جاهداً في البحث عن الحلول التي ‏ترفع عن الناس البلايا والمحن بكل وسيلة ممكنة.
 ولقد تسابقت الدول في وضع الأنظمة الصحية التي تحقق سلامة الناس، وقام الأطباء والعلماء بالبحث عن حلول علمية طبية وعلاج لهذا المرض الخطير، نسأل الله سبحانه وتعالى لهم التوفيق، وكل ذلك مهم لرفع هذا الوباء، وكل شيء بإذن الله تعالى العزيز الحكيم وتوفيقه، الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير، فعلينا جميعاً مع كل ذلك أن نتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع إليه. قال تعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، سورة الأنعام- الآية 43. 
وقد دعت اللجنة العليا للأخوة الإنسانية الناس جميعاً للصلاة والدعاء في 14 مايو، فما أجمل أن ترى الناس يتنادون فيما بينهم لعمل يحقق الخير للإنسانية جمعاء. هدفهم التضرع إلى الله عز وجل أن يرحم الموتى، ويشفي المرضى، ويهدي العلماء والأطباء إلى الدواء، وما أعظمها من لحظات عندما يقول الناس جميعاً: يا رب ارفع عنا البلاء، فنحن بنو آدم. يارب ليس لنا سواك فارحمنا برحمتك الواسعة، إنك أنت أرحم الراحمين.

* رئيس مجلس أمناء جامعة محمد الخامس