أبوظبي (الاتحاد)

وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الشكر لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتقدير لقيادته الحكيمة وإدارته للجهد الوطني المبذول في مواجهة وباء «كورونا»، مؤكداً أن توجيهات سموه للمجلس الأعلى للأمن الوطني، وللهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات، ومتابعته لإجراءات المكافحة وتوفير احتياجاتها، كفلت لبلدنا النجاة من انتشار كثيف للوباء كما حصل مع الأسف في دول أخرى يصنف معظمها في عداد المتقدمين والمتطورين.
وقال سموه في كلمة له عبر «درع الوطن» في الذكرى الرابعة والأربعين لتوحيد القوات المسلحة: «نحن نخوض مع العالم بأسره اختباراً غير مسبوق في القرن الأخير من عمر البشرية، تأتي ذكرى توحيد قواتنا المسلحة لتشد أزرنا وتعزز إيماننا بقدرتنا على المضي قدماً في عبور هذا الاختبار بنجاح».

وفيمــا يلــي نص الكلمـــة:
(بسم الله الرحمن الرحيم.. ضباط وجنود قواتنا المسلحة الباسلة.. أبناء وبنات وطني الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تطل علينا اليوم ذكرى توحيد قواتنا المسلحة مفعمة ببركة شهر رمضان، ويسطع شعاعها كقبس من نور في ظلمة كورونا الكالحة، فتضيء على مكامن الخير والعطاء في وطننا، وعلى معدن الإماراتيين والإماراتيات الأصيل، وعلى عزيمتهم التي لا تضاهى.
وفي اجتماعنا اليوم حول هذه الذكرى نستأنس بأطياف آبائنا المؤسسين، ونتمثل قدرتهم على قهر التحديات، ونستعيد فصول ملحمة بناء قواتنا المسلحة، ومسيرتها الظافرة منذ أن أطلقها في مثل هذا اليوم من العام 1976، والدنا رمز الخير والعطاء والبناء والإنجاز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
واليوم أيضاً يطل علينا من منزلتهم الرفيعة أبناؤنا الذين قضوا في ساحات الوغى وارتقوا شهداء عند ربهم يرزقون، فنذكرهم بالثناء والتقدير والعرفان، ونشد على أيادي زملائهم في السلك العسكري ومن سبقهم في الخدمة، وعلى أيادي ذويهم الصابرين المحتسبين الراضين بقضاء الله وقدره.
ولهذه الذكرى مكانة خاصة في خاطري، ليس فقط لأنني عشت مقدمات عملية توحيد قواتنا المسلحة، وشاركت في إجراءاتها، وواكبت مراحلها، ومسار نموها وتقدمها، إنما أيضاً لأنني نعمت وأبناء وطني بدورها الفعال في حياة بلادنا ومجتمعنا، وبالتكامل الذي حققته مع القواعد المدنية والاقتصادية والثقافية والنفسية لنموذجنا الإماراتي. بل إن قواتنا المسلحة نالت درجة الامتياز بما هي مظلة الأمن والاستقرار وحصن السيادة والاستقلال، وبما هي بوتقة للانصهار الوطني وتعزيز الهوية الإماراتية، وبما أنجزته في تكوين الموارد البشرية الوطنية، وتأكيد جدارة وكفاءة أبناء وبنات الإمارات، وتجسيد مبدأ الاعتماد على الذات على أرض الواقع.
والآن، ونحن نخوض مع العالم بأسره اختباراً غير مسبوق في القرن الأخير من عمر البشرية، تأتي ذكرى توحيد قواتنا المسلحة لتشد أزرنا وتعزز إيماننا بقدرتنا على المضي قدماً في عبور هذا الاختبار بنجاح. فكل من عاصر عقد الاتحاد الأول يعرف أن أهمية توحيد قوات الإمارات المسلحة ترتقي إلى أهمية توحيد الإمارات السبع وإقامة دولة الإمارات العربية المتحدة. ويعرف أن مقومات بقاء الاتحاد والدولة لم تكن لتكتمل من دون توحيد القوات المسلحة الذي مع إنجازه تأكد لكل من يعنيه الأمر محلياً وخارجياً أن الاتحاد لا يعرف عودة للوراء، وأن قيادته مصممة على ترسيخ قواعده، وإعلاء بنيانه، والسير به إلى الأمام وإلى العلا.

أيها الضباط والجنود.. أيها المواطنون والمواطنات
خلال القرون الماضية اجتاحت منطقتنا أنواع شتى من الأوبئة. كانت تظهر فجأة وتختفي فجأة من دون أن يعرف الناس مصدرها وسبب اختفائها. وفي النصف الأول من القرن العشرين حصدت الكوليرا والطاعون وغيرهما أرواح الآلاف من أبناء المنطقة، فلم يكن هناك طبيب يداوي ولا دواء يعافي ولا مصل يقي. وعلى الرغم من ذلك واجه أسلافنا هذه الأوبئة بشجاعة وتضامن وإيثار، وتجاوزوا المحن التي خلفتها، ونهضوا واستمروا في مواجهة صعوبة البيئة وقسوة المناخ، وبنوا وعمروا وحافظوا على هذه الأرض.
وها هم أبناء وبنات الإمارات ينهضون وإرث أسلافهم يزهر في نفوسهم، ويتصدون للوباء منذ ظهوره وتحوله إلى جائحة اجتاحت العالم بأسره. وها هي مؤسساتنا الصحية والخدمية والأمنية وقد تحولت إلى فريق عمل واحد يتحرك بتناغم وانسجام ويقدم أداء نموذجياً في شموليته وفعاليته وانضباطه. وها هو الالتزام بإجراءات الحظر والتعقيم يتحقق ويكفل سلامة مجتمعنا ويؤمن احتياجاته.
وهنا أتقدم معكم أبناء وبنات وطني إلى أخي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالشكر لشخصه الكريم والتقدير لقيادته الحكيمة وإدارته للجهد الوطني المبذول في مواجهة هذا الوباء. فتوجيهات سموه للمجلس الأعلى للأمن الوطني، وللهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات، ومتابعته لإجراءات المكافحة وتوفير احتياجاتها، كفلت لبلدنا النجاة من انتشار كثيف للوباء، كما حصل مع الأسف في دول أخرى، يصنف معظمها في عداد المتقدمين والمتطورين.
لقد كانت الأشهر الأربعة الماضية صعبة جداً على دول العالم كافة وعلى جميع البشر. وما زالت الآثار السلبية المترتبة على الوباء تتوالى ظهوراً. وبدا أحياناً أن الزمن قد توقف وأخذ في الدوران حول هذا الفيروس المجهول. وبالنسبة لنا كانت هذه الأشهر التي قد تمتد أشهراً أخرى امتحاناً لقدرتنا على التحمل والتكيف مع إجراءات الوقاية، وامتحاناً لجاهزية مؤسساتنا وجدارة خططنا واستعداداتنا للتعامل مع الأوبئة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وامتحاناً لبنيتنا التحتية الصحية والأمنية والخدمية، وكفاءة نظامنا المصرفي، وامتحاناً لوعينا وصبرنا وتكافلنا الاجتماعي، وقد نجحنا في هذه الامتحانات جميعاً، بيد أن هذا النجاح ليس نهائياً، فأمامنا والعالم أسئلة كبرى تنتظر الإجابات. وإذا كان من المأمول به أن تتجاوز البشرية الجائحة وتهزم الفيروس في وقت ليس ببعيد، فستظل الأسئلة مطروحة عن مصدر هذا الوباء وكيفية نشوئه، وأسرار سرعة انتشاره وانتقاله من بلد لآخر، ومن قارة لأخرى، وإلى سفن في أعالي البحار، ومناطق نائية في أطراف الأرض.
وحتى إشعار آخر، سيظل شبح الأوبئة مخيماً على كرتنا الأرضية، وسيؤثر على سلوك البشر وأولوياتهم وطرق عيشهم. وسيكون على رأس اهتمامات الدول والعالم بأسره البحث أولاً عن سبل عدم تجدد انتشار هذا الوباء، وعن سبل الحيلولة دون ظهور أوبئة مماثلة في المستقبل. وإذا كان بديهياً أن ينصب تركيز الدول على أوضاعها واحتياجاتها ومصالحها، فإن الأشهر الأربعة الماضية أظهرت أن دول العالم كافة لم تكن بحاجة إلى تعاون جماعي مثلما هي الحاجة اليوم.
في وقت سابق قلت إن العالم بقي لسنوات يتجادل: من يقود الآخر. هل تقود السياسة الاقتصاد أم يقود الاقتصاد السياسة؟ ومن العربة ومن الحصان؟ واكتشفنا في زمن كورونا أن الحصان وعربته تحملهما الصحة وتقودهما مرغمين حيث تريد، وأسأل الآن: هل يمكن بعد جائحة كورونا أن لا تتقدم الخدمات الصحية إلى رأس الأولويات الوطنية لكل دولة وللعالم مجتمعاً؟ وهل يمكن للدول، أياً كان نظامها الاقتصادي، المساومة على مركزية دورها في توفير خدمات وقائية وعلاجية لائقة لكل مواطنيها؟ وهل سيظل دور منظمة الصحة العالمية هامشياً ومواردها شحيحة؟ وألم يحن الوقت ليدرك الجميع أن الحد من تلوث البيئة والحد من الاحتباس الحراري ليس مجرد مبارزات علمية أو أدوات في التنافس الاقتصادي، إنما هو قضية حقيقية ومصيرية ينذر تجاهلها بكوارث على كل البشر في كل الدول.
على أي الأحوال، سينجح رهان البشرية على جهود العلماء والباحثين والأطباء والممرضين لهزيمة وباء فيروس كورونا. لكن ماذا عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت على الوباء؟ كيف ستواجهها دول العالم وعلى من سيكون الرهان؟ بطبيعة الحال كل دولة مسؤولة عن نفسها، بيد أن واقع الاعتماد المتبادل بين دول العالم، وحجم التشابك الضخم بين اقتصاداتها، وواقع العدوى التي لا تعترف بالحدود والمسافات، لن يمكن دولة مهما بلغت قدراتها وإمكانياتها من مواجهة التداعيات بمفردها. لا بديل عن تعاون دولي مترفع عن الحسابات الضيقة والأنانيات المفرطة والتدافع الأعمى عن الثروة والنفوذ.
وبالنسبة لنا في دولة الإمارات فإننا كما نعرف حجمنا ندرك أن صوتنا مسموع ونموذجنا محل متابعة واحترام، ومن ثوابت نهجنا سعينا الدائم لتوسيع مجالات التعاون مع دول العالم ومع المنظمات الدولية والإقليمية. وعلى الرغم من ظروف الوباء القاهرة وانكماش الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الأربعة الماضية التي تلت سنوات من تباطؤ اقتصاد العالم، وتراجع التجارة الدولية، على الرغم من ذلك كله، حافظت دولتنا على مكانتها في مقدمة الدول الأكثر تقديماً للمساعدات التنموية في العالم، وشاركت بفعالية في الجهود الدولية لمكافحة وباء كورونا. وتقدمت الجميع في تقديم آلاف أطنان المساعدات الطبية لمن طلبها أو احتاجها.

أيها الضباط والجنود.. أيها المواطنون والمواطنات
نحن في الإمارات واثقون من قدرتنا على استيعاب الآثار المترتبة على هذا الوباء، واستخلاص الدروس المستفادة من تداعياته على الصعد كافة، واستئناف مسيرة النمو والتقدم معتمدين على مصادر قوتنا الذاتية الوفيرة وفي طليعتها شعبنا ووحدة بيتنا وكفاءة مؤسساتنا العسكرية والمدنية، وقوة أصول اقتصادنا وتنوعها، وتفوق بنيتنا التحتية التقليدية والتقنية، وشراكتنا في عصرنا الرقمي بكل تجلياته ومستحدثاته.
أهنئكم إخواني وأبنائي منسوبي قواتنا المسلحة بهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا، وأهنئ أبناء وبنات شعبنا، وأتوجه معكم بالتهنئة إلى أخي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وإلى صاحب السمو ولي عهده، وإلى إخواني أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات.
حفظ الله وطننا وشعبنا، وأدام علينا نعمه، وكتب لنا السداد والتوفيق في أعمالنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».